الأرض الفلسطينية بين الإهمال الإداري والاستعمار الاستيطاني: دراسة في أسباب فقدان الملكية وتآكل السيادة

يُعدّ فقدان الأراضي الفلسطينية من أبرز القضايا التي شكّلت جوهر الصراع التاريخي والسياسي في فلسطين، إذ لم يكن هذا الفقدان نتيجة عامل واحد أو مرحلة زمنية محددة، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وإدارية وقانونية امتدت عبر مراحل الحكم العثماني والانتداب البريطاني، وصولاً إلى الإدارة الأردنية ثم السلطة الفلسطينية. وقد أسهم ضعف الإدارة، وغياب الرؤية الوطنية الشاملة، وانتشار الفساد الإداري والسياسي، في تسريع عملية انتقال السيطرة على الأرض، وإضعاف قدرة الفلسطينيين على تثبيت وجودهم القانوني والفعلي فيها.

ففي المرحلة العثمانية، اتبعت الدولة سياسة تقوم على إبقاء مساحات واسعة من الأراضي ضمن ما عُرف بأراضي الدولة أو “الأراضي الأميرية”، دون تحويلها إلى ملكيات فردية كاملة للسكان المحليين. ورغم أن هذه السياسة هدفت ظاهريا إلى تعزيز سلطة الدولة المركزية، فإنها فتحت المجال أمام كبار المتنفذين والباشاوات للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، مستفيدين من ضعف الرقابة وانتشار الفساد الإداري. كما أن غياب عمليات التسوية والتطويب المنظم للأراضي حرم كثيرًا من الفلاحين الفلسطينيين من تثبيت حقوقهم القانونية، الأمر الذي سهّل لاحقًا عمليات البيع ونقل الملكية.

ومع دخول الانتداب البريطاني إلى فلسطين، ازدادت تعقيدات قضية الأرض، إذ لعبت الإدارة البريطانية دورًا محوريًا في تهيئة البيئة القانونية والسياسية لقيام المشروع الصهيوني. فقد سمحت بريطانيا بانتقال ملكية مساحات واسعة من الأراضي إلى المؤسسات الصهيونية، سواء عبر الشراء المباشر من عائلات إقطاعية لبنانية وسورية كانت تملك أجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية، أو عبر تسهيلات قانونية وإدارية وفّرتها سلطات الانتداب. كما ساهمت بريطانيا في تطوير البنية التحتية والخدمات داخل المناطق التي خُصصت للاستيطان اليهودي، الأمر الذي عزّز من قدرة الحركة الصهيونية على ترسيخ وجودها الاقتصادي والعسكري والسياسي.

أما خلال الإدارة الأردنية للضفة الغربية بعد عام 1948، فلم تُعالج إشكالية الأراضي العامة بصورة جذرية، إذ بقيت مساحات واسعة من الأراضي تحت إدارة الدولة دون نقل ملكيتها أو تسويتها لصالح المواطنين الذين استثمروا فيها وزرعوها لسنوات طويلة. وقد أدّى ذلك إلى استمرار حالة الغموض القانوني حول ملكية الأرض، وهو ما انعكس سلبًا على قدرة الفلسطينيين لاحقًا في مواجهة السياسات الإسرائيلية الرامية إلى السيطرة على الأراضي غير المسجّلة أو غير المُسوّاة.

وعقب تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، برزت الحاجة الملحّة إلى تنفيذ مشروع وطني شامل لتسوية الأراضي وتثبيت الملكيات، بما يضمن حماية الأرض الفلسطينية من المصادرة والسيطرة الإسرائيلية. إلا أن هذا المشروع جاء متأخرا وبصورة محدودة، نتيجة التعقيدات السياسية والإدارية وضعف الإمكانات، إضافة إلى انتشار مظاهر الفساد والمحسوبية. وقد استغلت إسرائيل هذا الواقع القانوني والإداري، واعتبرت كثيرا من الأراضي غير المسجّلة أو التابعة سابقا لخزينة الانتداب البريطاني أو الإدارة الأردنية “أراضي دولة”، لتُحكم سيطرتها عليها وتستخدمها في التوسع الاستيطاني.

وعليه، فإن ضياع جزء كبير من الأراضي الفلسطينية لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل هو أيضًا نتاج تراكمات تاريخية من الإهمال الإداري، وضعف السياسات الوطنية المتعلقة بحماية الأرض، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد. كما أن الفساد الإداري وانعدام المسؤولية الوطنية لدى بعض النخب السياسية والإدارية أسهما في إضعاف صمود الفلسطينيين، وهددا مستقبل وجودهم على أرضهم. ومن هنا، تبرز أهمية إعادة بناء رؤية وطنية قائمة على حماية الأرض، وتعزيز سيادة القانون، وإنجاز مشاريع التسوية والتوثيق العقاري، باعتبارها أدوات أساسية للحفاظ على الهوية الوطنية وضمان البقاء الفلسطيني في مواجهة سياسات المصادرة والاقتلاع.

482 مشاهدة
0 تعليق
د. محمد محمود ياسين

بقلم

د. محمد محمود ياسين

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الأرض الفلسطينية بين الإهمال الإداري والاستعمار الاستيطاني: دراسة في أسباب فقدان الملكية وتآكل السيادة