حين قال الرجوب لا… صمتَت البروتوكولات وتكلّمت فلسطين

في لحظةٍ يختلط فيها الضجيجُ بالصمت، وتُقاس فيها المواقفُ لا بالكلمات بل بثقلها الأخلاقي، وقف الأخ جبريل الرجوب موقفًا لا يُقرأ كخبرٍ عابر، بل كبيانٍ وطنيٍّ مكتوبٍ بلغة العزّة، في أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، حيث تُدار المصالح وتُغلَّف المجاملات، اختار الرجل أن يرفض مصافحة ممثل الاحتلال، لا عنادًا شكليًا، بل اتساقًا مع وجدان شعبٍ يرفض أن تتحوّل المصافحة إلى غطاءٍ لواقعٍ غير عادل.

لم يكن هذا الموقف تفصيلاً بروتوكوليًا بل كان إعلانًا صريحًا بأن الكرامة الوطنية الفلسطينية ليست بندًا قابلًا للتفاوض، وأن اليد التي تُمدّ للمصافحة لا يمكن أن تتجاهل ما تحمله من سياقٍ سياسيٍّ وأخلاقي هنا، لم يتحدث الرجوب بلسانه فقط، بل تحدثت فلسطين كلّها من خلاله، فلسطين التي تعرف جيدًا الفرق بين السلام كقيمةٍ عادلة، والتطبيع كقشرةٍ تُخفي خللاً عميقًا في ميزان الحق.

إن من يعرف شخصية “أبو رامي” يدرك أن هذا الموقف ليس طارئًا، بل امتدادٌ طبيعي لمسارٍ طويلٍ من العمل الوطني والرياضي، رجلٌ جمع بين الحضور السياسي والخبرة الميدانية، وبين القدرة على تمثيل فلسطين في المحافل الدولية دون أن يفرّط بثوابتها، لذلك لم يكن مستغربًا أن يتحوّل موقفه إلى حديث الشارع، وإلى مادة تقديرٍ لدى مختلف أطياف الشعب الفلسطيني، على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم.

في زمنٍ تُختبر فيه المواقف تحت أضواء الكاميرات، اختار الرجوب أن يكون ثابتًا لا لامعًا، صلبًا لا مرنًا على حساب المبدأ.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية أن تقول “لا” حين يُنتظر منك أن تبتسم، وأن ترفض حين يُراد لك أن تجامل. تلك ليست مجرّد شجاعة، بل وعيٌ سياسيٌّ عميق يدرك أن الصورة في لحظةٍ ما قد تختصر سردية شعبٍ بأكمله.

ولأن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع بل سلوكًا يُمارس، فإن مواقف كهذه تُعيد تذكير الفلسطينيين بما يجمعهم أكثر مما يفرقهم. فـ“أبو رامي” لم يكن في تلك اللحظة ممثلاً لفصيلٍ أو تيار، بل كان ممثلاً لضميرٍ جمعيٍّ يرى في الكرامة خطًا أحمر، وفي الموقف الثابت عنوانًا للانتماء.

إنها لحظةٌ تُضاف إلى سجلّ المواقف التي تُكتب بحبر التاريخ، لا لأنها صاخبة، بل لأنها صادقة، وحين يكون الصدق عنوانًا، فإن الشعوب لا تنسى، بل تحفظ وتُقدّر وتبني عليه. هكذا تُصنع الرمزية، وهكذا تتحوّل المواقف الفردية إلى ذاكرة وطنيةٍ حيّة، تُلهم وتُذكّر وتُؤكد أن فلسطين، رغم كل شيء، ما زالت قادرة على أن تقول كلمته بوضوح.

189 مشاهدة
0 تعليق
أحمد الأغا

بقلم

أحمد الأغا

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

حين قال الرجوب لا… صمتَت البروتوكولات وتكلّمت فلسطين