بعد قرابة الأربعين يوماً من الحرب جاء خبر إعلان تهدئة غير مستقرة بين إيران والولايات المتحدة لوقف إطلاق النار، عاد الملف إلى الواجهة مجدداً عبر مسار مفاوضات عُقدت في إسلام آباد، حملت في بدايتها مؤشرات على محاولة إعادة ضبط قواعد الاشتباك بين الطرفين. لكن هذه الجولة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما انتهت دون تحقيق أي اختراق يُذكر، ليُعلن رسمياً فشلها.
فلم يتأخر المشهد كثيراً في إظهار ارتداداته السياسية، فعادت التصريحات المتوترة إلى الواجهة، خصوصاً تصريحات دونالد ترامب، الذي وجّه رسائل مباشرة إلى طهران، تزامنت مع حديث متصاعد حول مضيق هرمز وسيطرته عليه، إضافةً إلى الاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة، واستقرار أسواق النفط والغاز.
ما بعد الفشل… إدارة صراع أم تصعيد مرحلي؟
لا يبدو المشهد الآن واضح الاتجاه بشكل جازم، بل يمكن قراءته ضمن مساحة رمادية تتأرجح بين إدارة الصراع والتصعيد المحسوب. فالتجارب السابقة تشير إلى أن فشل التفاهم السياسي لا يعني بالضرورة الانجرار المباشر إلى حرب، بل غالباً ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الضغط المتبادل من خلال استخدام كل طرف أوراق ضغط على حساب الطرف الثاني.
وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم أوراق الضغط الجيوسياسية في المنطقة، حيث يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية (ما قيمته 20% من إمدادات النفط).
فأي توتر في هذا الممر لن يبقى محليا، بل ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية، ما يجعله أداة فعّالة في معادلة الردع بين الطرفين.
في هذا السياق برزت تصريحات ترامب بعد إعلان فشل المفاوضات لم تقتصر على الجانب السياسي أو الأمني فقط، بل امتدت إلى الإطار الاقتصادي بشكل واضح، خصوصاً فيما يتعلق بأسعار النفط والغاز واستقرار التجارة العالمية.
يمكن قراءة هذه التصريحات من زاويتين:
الأولى، أنها تحمل رسالة طمأنة للأسواق وشركات التجارة الكبرى بأن الوضع تحت السيطرة الأمريكية، وأن أي تصعيد محتمل لن يخرج عن نطاق يمكن احتواؤه. هذا النوع من الخطاب يُستخدم عادة لتخفيف الذعر في الأسواق ومنع ردود فعل اقتصادية مبالغ فيها.
أما الزاوية الثانية، فهي أن التركيز على الاقتصاد والطاقة قد يكون مؤشراً غير مباشر على أن التوتر الحقيقي يتمحور حول هذه الملفات تحديدا، وخاصة فيما يتعلق بالممرات البحرية الحساسة وعلى رأسها مضيق هرمز.
وهنا يصبح السؤال مفتوحاً: هل هذه التصريحات تهدف إلى تهدئة الأسواق فقط، أم أنها جزء من إدارة صراع أوسع يُبنى تدريجياً تحت سقف اقتصادي أمني متداخل؟
السيناريوهات المحتملة بعد هذا الفشل:
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن الحديث عن ثلاثة مسارات رئيسية محتملة:
المسار الأول: إدارة الصراع عبر الضغط غير المباشر: حتى اللحظة الحالية يعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة الأولى، حيث يتم استخدام أدوات ضغط اقتصادية وجغرافية وتهديدات عسكرية دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وفي هذا الإطار، قد يتحول مضيق هرمز إلى نقطة اختبار مستمرة بين الطرفين، بما ينعكس على أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية.
المسار الثاني: تفاوض طويل الأمد وتسوية هشة: هذا السيناريو يقوم على إعادة فتح قنوات التفاوض، لكن دون حلول جذرية. أي أننا أمام نموذج إدارة أزمة وليس حل أزمة.
وهذا النمط مشابه لأنماط تفاوض سابقة شهدت اتفاقات جزئية أو مؤقتة، بقيت قابلة للانهيار في أي لحظة.
المسار الثالث: تصعيد العسكري التدريجي: هذا السيناريو هو الأخطر، لكنه لا يعني بالضرورة حرباً شاملة مباشرة، بل قد يبدأ عبر ضربات محدودة، أو عمليات غير مباشرة ستتوسع تدريجياً في المنطقة. وهنا يصبح أي احتكاك ميداني قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع إذا فقدت الأطراف القدرة على ضبط قواعد الاشتباك.
ميزان القوة ومنطق الردع:
تمتاز هذه المرحلة أن كلاً من إيران والولايات المتحدة يدركان أن كلفة الحرب المباشرة مرتفعة للغاية، سواء على المستوى العسكري، الاقتصادي، السياسي. لذا يميل الطرفان إلى العمل ضمن حدود الردع المتبادل بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
إن هذا النوع من الردع لا يلغي احتمال الخطأ في الحسابات، خصوصاً عندما تتداخل الملفات الاقتصادية مع الجغرافيا الحساسة مثل الممرات البحرية.
فرغم ضبابية الصورة، إلا أن المؤشرات العامة توحي بأن المرحلة الحالية أكثر هشاشة مما كانت عليه قبل المفاوضات. ففشل التفاهمات لم يفتح باب الاستقرار، بل أعاد ترتيب التوترات بشكل أكثر تعقيدا.
إن التصريحات الأخيرة، خاصة تلك المتعلقة بالاقتصاد وأسعار الطاقة، تبدو للوهلة الأولى كرسائل تهدئة للأسواق، فإنها في العمق تعكس أيضاً إدراكاً لحساسية المرحلة المقبلة، حيث يصبح الاقتصاد جزءاً من أدوات الصراع وليس مجرد نتيجة له.
وبين إدارة صراع محسوبة، أو تفاوض هش، أو تصعيد قد يتدرج نحو المواجهة، يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات، دون أن يكون أي منها محسوماً بشكل نهائي على الرغم من أن كل التحليلات والأخبار المتلاحقة تشير إلى احتمالية التصعيد وعودة الحرب من جديد.
بين فشل التفاهمات وتصاعد التوتر: هل تقترب المنطقة من الانفجار؟
سياسة، اقتصاد
481 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
بين فشل التفاهمات وتصاعد التوتر: هل تقترب المنطقة من الانفجار؟