هل نحن أمام تهدئة مؤقتة أم إعادة توزيع للنار بين إيران والخليج ولبنان؟

بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار عادت النيران تطال إيران والخليج وسرعان ما عادت المجازر ترتكب في لبنان لذا باتت التساؤلات جمة وفي بدايتها:
هل وقعت لبنان بين انتقام اللحظة وصراع كسر الإرادات؟
أتضح جلياً في الشرق الأوسط، أن الهدن السياسية لا تعني نهاية الحرب، بل غالباً ما تكون مجرد فاصلة قصيرة بين جولة وأخرى وهناك من سيدفع الثمن. وما يجري اليوم بين طهران وواشنطن لا يخرج عن هذه القاعدة؛ فهو أقرب إلى تجميد مؤقت للاشتباك المباشر، لا إلى إطفاء شامل للنيران المشتعلة في الإقليم.
الحديث عن وقف إطلاق نار يبدو، ظاهريا، وكأنه إنجاز سياسي يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تبقى الملفات الأكثر خطورة مفتوحة: البرنامج النووي الإيراني، النفوذ الإقليمي، والوجود العسكري الأمريكي. إنها قضايا لم تُحل، بل أُجّلت، وكأن المنطقة دخلت في مرحلة إدارة الأزمة بدل حلّها.
الولايات المتحدة، التي بدت حريصة على تهدئة المشهد، لم تكن تسعى إلى سلام بقدر ما كانت تبحث عن مخرج من تصعيد مكلف. فحرب مفتوحة مع إيران كانت تعني استنزافاً اقتصادياً وعسكريا، وتداعيات سياسية داخلية لا يمكن تجاهلها. لذلك، جاء هذا التراجع كإعادة تموضع محسوبة، لا كتحول استراتيجي كامل.
في المقابل، استطاعت إيران أن تفرض نفسها لاعباً يصعب تجاهله، مثبتة ولو بشكل مرحلي معادلة الندية. لكنها، في الوقت نفسه، لم تغلق باب المواجهة، بل أبقته مواربا، مع استعداد دائم للرد عند أي تجاوز.
) يشير ذلك إلى تشكّل مرحلة آنية تتسم بغياب أي انتصار حاسم لأي من الأطراف. (
غير أن الصورة تزداد تعقيداً عندما ننتقل إلى الساحة اللبنانية، حيث يبدو أن ما يجري هناك يسير في اتجاه معاكس تماماً لمسار التهدئة.
فما يحدث في لبنان اليوم يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام ردٍّ انتقامي إسرائيلي محدود، أم أمام محاولة متعمدة لنسف أي تهدئة قبل أن ترى النور؟
فالأرقام وحدها كفيلة بكشف طبيعة المشهد. أكثر من 130 غارة في وقت قياسي، ونحو 100 هدف ضُربت خلال دقائق معدودة في بيروت والبقاع والجنوب. هذا ليس تصعيداً تقليديا، بل عملية واسعة النطاق تستهدف بنية عسكرية كاملة، من مراكز القيادة والسيطرة إلى وحدات النخبة ومنظومات الإطلاق.
إنه فعل يتجاوز منطق “الرد”، ويدخل في إطار إعادة تشكيل قواعد الاشتباك بالقوة، أو ربما فرض واقع ميداني يُجهض أي مسار سياسي قيد التشكل.
في هذا السياق، لا يبدو أن إسرائيل تتعامل مع التهدئة كفرصة، بل كتهديد يجب احتواؤه أو إفشاله. فالاتفاق إن استمر ولم يفشل قد يقيّد حركتها، أو يمنح خصومها وقتاً لإعادة التموضع. لذلك، يأتي التصعيد وكأنه رسالة مزدوجة: إلى إيران بأن الساحة لم تُغلق، وإلى واشنطن بأن القرار الميداني لا يزال مفتوحا.
أما إيران، فصمتها حتى اللحظة لا يمكن قراءته كعجز، بل كجزء من إدارة معركة أوسع. فهي تاريخياً لا تتعجل الرد، بل تؤجله ليأتي في توقيت أكثر تأثيراً وفاعلية. غير أن استمرار هذا المستوى من الضربات يضعها أمام معادلة ضاغطة ومعقدة: إما الاكتفاء بردود غير مباشرة عبر الحلفاء، أو الانخراط في تصعيد مباشر قد يفتح جبهات متعددة دفعة واحدة.
وفي المقابل، استمرار هذا الصمت بهذا الشكل قد يُفهم، لدى بعض الفاعلين الإقليميين، على أنه تراجع في مستوى الالتزام تجاه حلفائها، وتركهم في مواجهة مباشرة مع التصعيد، مقابل حماية حساباتها من الانزلاق إلى حرب شاملة.
وهنا تحديداً تتكثف خطورة اللحظة: هدنة في العلن، ونار مشتعلة في الميدان، وأطراف متعددة تتحرك وفق حسابات متباينة. ما يجري في لبنان قد لا يكون مجرد انتقام، بل محاولة لإسقاط اتفاق لم يولد بعد—أو لإعادة تعريفه بالقوة.
في المحصلة، نحن لا نقف أمام نهاية حرب، ولا حتى بداية سلام، بل أمام مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة. هدنة بلا ضمانات، واتفاق بلا جذور، ومنطقة بأكملها تقف فوق برميل بارود، لا تحتاج إلا إلى شرارة صغيرة لتشتعل من جديد.
لكن هذه الشرارة قد لا تكون عفوية كما تبدو، بل قد تُصنع عن قصد في لحظة حسابات دقيقة.
على ما يبدو، لم يكن هذا التصعيد منفصلًا عن حسابات الداخل الإسرائيلي. فـ بنيامين نتنياهو، الذي يواجه موجة متصاعدة من الانتقادات، وجد في التصعيد العسكري أداة لإعادة ضبط المشهد. كثافة النيران، وحجم الأهداف، والدخان المتصاعد في سماء لبنان، لم تكن فقط رسائل ميدانية، بل أيضاً محاولة لامتصاص غضب داخلي يتصاعد منذ ساعات الصباح الأولى.
لكن الأهم من ذلك، أن هذا التصعيد يعكس رفضاً ضمنياً للمسار الذي تدفع به الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بربط أي تهدئة أو اتفاق بملف لبنان. فبالنسبة لنتنياهو، لا يمكن القبول بمعادلة تُقيّد حرية الحركة العسكرية، أو تجعل الساحة اللبنانية جزءاً من تفاهمات دولية قد تُفرض عليه لاحقا.
بهذا المعنى، لا تبدو الضربات مجرد رد فعل، بل محاولة استباقية لإعادة رسم حدود الاتفاق قبل أن يُكتب، وفرض وقائع ميدانية تُصعّب على واشنطن تمرير رؤيتها. إنها لحظة يتقاطع فيها الميدان مع السياسة، حيث تُستخدم النار ليس فقط للردع، بل أيضاً للتفاوض.
قد تكون البنادق قد صمتت في مكان، لكنها في أماكن أخرى تتحدث بصوت أعلى من أي وقت مضى.

سياسة
594 مشاهدة
0 تعليق
سالي ابو عياش

بقلم

سالي ابو عياش

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

هل نحن أمام تهدئة مؤقتة أم إعادة توزيع للنار بين إيران والخليج ولبنان؟