لماذا تخسر فلسطين معركة الرواية رغم عدالة القضية؟

لماذا تخسر فلسطين معركة الرواية رغم عدالة القضية؟
بقلم: أحمد الأغا

من المؤلم أن تمتلك الحقيقة… وتخسر.
ومن الصادم أن تكون الضحية… وتُهزم في عيون العالم.
هذه ليست مفارقة فلسفية، بل واقع فلسطيني مرير، قضية عادلة، تاريخ موثق، تضحيات لا تنتهي… ومع ذلك، تتراجع الرواية.

فكيف يحدث ذلك؟

الحقيقة القاسية أن معركة الرواية لا تُكسب بالحق وحده، بل تُكسب بالأدوات، والعالم اليوم لا يسمع من يصرخ، بل من يُتقن الإخراج، ومن يفهم قواعد اللعبة الإعلامية، ومن يحول الألم إلى قصة قابلة للانتشار.

لقد انتصرت فلسطين أخلاقيًا… لكنها تعثرت إعلاميًا.

المشكلة ليست في عدالة القضية، بل في طريقة تقديمها، فبينما تستثمر أطراف أخرى في صناعة رواية متماسكة، مدعومة بالصور، والقصص الإنسانية، واللغة المؤثرة، لا تزال الرواية الفلسطينية في كثير من الأحيان أسيرة الخطاب التقليدي، بيانات رسمية باردة، لغة خشبية، وتكرار لا يلامس وجدان المتلقي العالمي.

العالم لا يقرأ البيانات… بل يشاهد القصص.

وهنا تكمن الأزمة، نحن نُخاطب أنفسنا، لا العالم، نكتب بلغة نعرفها، لا بلغة يفهمها الآخر. نكرر المفردات ذاتها، وننتظر نتائج مختلفة، وكأننا نحارب في ساحة رقمية بأسلحة ورقية.

الأدهى من ذلك، أن الرواية الفلسطينية غالبًا ما تأتي كردّ فعل، لا كفعل استباقي، ننتظر الحدث، ثم نحاول تفسيره، بينما الطرف الآخر يصنع الحدث ويروي قصته قبل أن نبدأ نحن بالكلام.

في زمن “الترند”، من يسبق… يرسخ.

كما أن هناك فجوة واضحة في توظيف أدوات العصر، أين الاستثمار الحقيقي في الإعلام الرقمي؟ أين صناع المحتوى المؤثرون عالميًا؟ أين القصص الإنسانية المصورة باحتراف؟ أين اللغة التي تخاطب الإنسان قبل السياسي؟

الرواية ليست مجرد معلومات… إنها إحساس.

وللأسف، ما زالت الكثير من الجهود الفلسطينية تركز على إقناع العقل، بينما العالم يتحرك بالقلب والصورة التي تُبكي طفلًا في أوروبا أقوى من ألف خطاب سياسي. والفيديو الذي يُلهم شابًا في أمريكا قد يغير موقفًا أكثر من تقرير طويل.

نحن لا نخسر لأننا على خطأ… بل لأننا لا نُحسن عرض الصواب.

لكن الهزيمة ليست قدرًا.
بل هي نتيجة قابلة للتغيير.

استعادة الرواية تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، لا إنكارها. تبدأ بإعادة تعريف الخطاب، وتدريب جيل جديد من المتحدثين، وصناع المحتوى، والدبلوماسيين الرقميين تبدأ بالانتقال من “رد الفعل” إلى “صناعة التأثير”.

فلسطين لا تحتاج فقط إلى من يدافع عنها…
بل إلى من يُتقن روايتها.

وفي معركة تُدار بالشاشات، لا يكفي أن تكون على حق بل يجب أن نعرف كيف نقنع العالم.

346 مشاهدة
1 تعليق
أحمد الأغا

بقلم

أحمد الأغا

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

لماذا تخسر فلسطين معركة الرواية رغم عدالة القضية؟