حرب بلا حدود: الخليج بين صواريخ إيران وتخبط ترامب

تحولت الحرب الإيرانية الإسرائيلية الحالية من مجرد صراع عسكري، إلى مسرح متعدد الأبعاد يمتد من طهران إلى تل أبيب، ومن واشنطن إلى الخليج. تهديدات...ضربات عسكرية... أزمات دولية... أزمات اقتصادية...الخ، باتت تطال العالم برمته والخطر ما زال قائماً لغاية اللحظة، وبين هذا كله تهل علينا التصريحات والقرارات السياسية الدولية واللافت بينها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظراً لحالة التخبط وعدم اليقين والجزم فيما يقول فالمطلع على تلك التصريحات التي باتت بشكل يومي تقريباً يدرك مدى التناقض في هذه التصريحات فعلى سبيل المثال قبل يومين قام بمنح إيران مدة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز وإلا سيتم تصعيد الضربات لتطال منشآت الطاقة الإيرانية، وقبيل انتهاء المدة المحددة طل علينا ليعلن أنه جمد الضربات العسكرية لمدة خمس أيام، وأن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة عادت للطاولة مجدداً.
وهذا التصريح الأخير يحمل في طياته خياران لا ثالث لهما إما أنه يتلاعب بالسوق من أجل كسب بعض الوقت خاصة أن الطرف الاخر لم يعلن عن هذه المفاوضات، أو أنه يسعى إلى إيجاد تغيير تكتيكي للخروج من هذه الحرب.
بين هذه التخبطات السياسية والأسواق الاقتصادية والضربات العسكرية يقف الخليج موقف المتفرج رغم أنه أصبح مسرحاً ثانوياً لهذه الصراعات تقف دول الخليج أمام ثلاثة مسارات واضحة وستكون الخسارة في جميعها غالباً للخليج. هذه الحالة نادرة نوعاً ما، لأنها تعتمد على غياب ردة فعل واضحة أو مخطط استراتيجي لبناء أهداف وتحقيقها، فالأنظمة الحالية تتجاهل أبسط تعريف للسياسة: "الحفاظ على المصالح الحالية وبناء مصالح جديدة بوسائل دبلوماسية أو عسكرية أو كلاهما".
1. خسارة إيران وتفكك النظام:
لم تتعلم دول الخليج من أخطائها وأخطاء غيرها وأبسط هدف هو الحفاظ على الاستقرار في المحيط الجيوسياسي، دول الخليج شاركت في عام 2003 في إسقاط حكومة صدام حسين والتي كانت حكومة مستقرة، إذ أدى تفكك العراق إلى موجات نزوح واسعة، فصائل مسلحة، وانتشار تنظيمات جهادية شكلت عاملاً مستمراً لعدم استقرار المنطقة بأسرها، فإذا سقطت إيران سيكون الأمر مشابهاً ولكن أشد حدة، فتخيلوا الآن هذا السيناريو في إيران، دولة تمتلك جيشاً كبيرا، عشرات آلاف الجنود المدربين، آلاف الخبراء في الصواريخ والمسيرات، وعشرات آلاف عناصر المخابرات والحرس الثوري المتصلين بفصائل مختلفة، بالإضافة إلى جبال من الأسلحة والعتاد العسكري.
الخليج سيواجه: تهديد أمني مباشر من الانتقام المسلح أو القتال الجهادي، أزمة لاجئين هائلة بملايين الأشخاص، مع تداعيات اجتماعية وسياسية وأمنية معقدة.
2. التعادل أو التهدئة المؤقتة:
وارد أن يدعي ترامب الانتصار وينسحب جزئياً أو كلياً من الحرب. حينها ستصبح دول الخليج بمواجهة إيران التي ستتحول إلى إيران نووية طوعاً أو كرهاً لأن القيادة الجديدة في إيران سترى أن لا ضمان لمستقبل النظام دون قنابل نووية تكون بوصلية التأمين، فضلاً على أن هذا السيناريو يعني جولات قادمة، وهنا وجب التذكير بأحد قواعد العلوم العسكرية، التي يجهلها البعض أن "المعارك تبدأ من حيث انتهت المعارك التي قبلها" بمعنى أن أي تصعيد قادم سيبدأ منذ اللحظة الأولى بقصف الخليج ودماره مرة أخرى دون أن تكون هناك فرصة للتعافي وبالتالي الدخول في حلقة كارثية من جولات التصعيد التي سيكون ميدانها الخليج دوما وفي كل معركة.
3. استمرار الحرب:
السيناريو الأكثر احتمالًا هو استمرار الحرب، لأن أمريكا ترى نفسها بأنها إمبراطورية لا يمكن لها إلا أن تنتصر وإسرائيل لا تسمح بالانسحاب أو الهزيمة لأن أي حل غير النصر سيشكل كارثة لترامب. مع احتمالية استخدام أسلحة متطرفة أو نووية واردة، ولو بدرجة محدودة. وهذا سيناريو متطرف ولكنه وارد، يجب لفت النظر هنا إلى أن استمرار الحرب يعني دمار الخليج على شتى الأصعدة، فرؤوس الأموال بدأت تفر، مدن الزجاج مثل دبي وأبو ظبي بدأت تتحول إلى مدن أشباح، الاقتصاد الباذخ لن يتحمل صدمة الركود والتضخم، مجتمعات الخليج ليست مصممة للحروب الطويلة ولم تخض حروباً من قبل، فالأنظمة السياسية في الخليج ستبدو أكثر خوفاً وتردداً أمام الضغط المستمر من إيران وأمريكا، مع استمرار خطر التصعيد دون هوادة.

من الواضح أن الخليج لن يستمر بالشكل الجيوسياسي الحالي، والأنظمة الحاكمة تقوم بما اعتادت عليه بكل براعة: "أن تكون مفعولاً به" لم تتدخل أي من هذه الأنظمة لفرض نفسها سياسياً لإنهاء حرب غزة، رغم قدرتها على ذلك، بينما الحرب الآن وصلت إلى قلب الحدث.
الان وصلت الحرب إلى عقر دارها، وحتى الان لم تقدم بأي خطوة واحدة عملية سوى إصدار البيانات، في حين أن الصواريخ والمسيرات تحجب الأفق وتنذر بمستقبل لا يعلم أبعاده أحد.
إن أبسط ما يجب أن يقوم به الخليج الان:
1. ايقاف كامل لتصدير النفط لرفع سعره وانهاء الحرب بضغط دولي.
2. إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي الخليجي بعيداً عن أي تبعية سياسية
3. توجيه انذار للولايات المتحدة بضرورة إنهاء الحرب وإلا سيواجه ترامب تهديد سحب الاستثمارات الخليجية وبيع سندات الدين الامريكية وفصل النفط عن الدولار.
هذه الخطوات لن تكلف الخليج إطلاق طلقة واحدة ولا سيما أن المجتمع الدولي ضد هذه الحرب، ولكن كما قالت العرب "من لم ينقاد لنفسه انقاد لغيره"
الخلاصة
الخليج يعيش الآن مرحلة حرب بلا حد، بين صواريخ إيران وتخبط ترامب السياسي، ووسط اقتصاد يهتز وأمن مستمر في خطر. ما لم تتحرك الأنظمة الخليجية لتكون فاعلة وتفرض نفسها على الأحداث، فإن المستقبل سيكون محفوفاً بالمفاجآت المؤلمة والخسائر الجسيمة.

سياسة
1139 مشاهدة
0 تعليق
سالي ابو عياش

بقلم

سالي ابو عياش

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

حرب بلا حدود: الخليج بين صواريخ إيران وتخبط ترامب