يُعدّ سؤال عدم تحقق الدولة الفلسطينية من أكثر الأسئلة حضوراً في الأدبيات السياسية الفلسطينية والعربية والدولية. وغالبا ما تُعزى أسباب تعثر قيام الدولة إلى الإجراءات الإسرائيلية التوسعية، وعلى رأسها الاستيطان في الضفة الغربية، بوصفه عائقا بنيويا أمام تطبيق حل الدولتين. غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يستنفد مجمل الإشكالية، إذ ثمة عوامل داخلية بنيوية لا تقل تأثيرا عن العوامل الخارجية.
فمن الناحية الداخلية، يبرز خلل في البنية الفكرية والتنظيمية لمؤسسة منظمة التحرير الفلسطينية، يتمثل في غياب آليات التجديد السياسي، وضعف تداول النخب داخل مؤسساتها، واحتكار المواقع القيادية من قبل مؤسسيها أو من يدور في فلكهم. وقد انعكس هذا النمط أيضا على بنية السلطة الوطنية الفلسطينية، حيث يُلاحظ محدودية التداول الديمقراطي، وغياب ضخّ دماء سياسية جديدة قادرة على تطوير المشروع الوطني ضمن رؤية جامعة تتجاوز الشخصنة والفصائلية. هذا الواقع يعكس أزمة في مفهوم الانتماء الوطني، إذ تغدو الاعتبارات الحزبية أو الشخصية أحيانا متقدمة على الاعتبار الوطني الشامل.
كما يُسجَّل غياب الدور الفاعل لمراكز البحث والدراسات الاستراتيجية في صناعة القرار السياسي، ما أفضى إلى سياسات آنية تفتقر إلى الرؤية الاستشرافية بعيدة المدى. ويُلاحظ كذلك تغليب النزعة الفردية في اتخاذ القرار، الأمر الذي أضعف منطق المؤسسية وأثر سلبًا في كفاءة الأداء السياسي والإداري.
أما على المستوى الخارجي، فتُطرح مسألة المستوطنين في الضفة الغربية بوصفها أحد أبرز التحديات أمام قيام الدولة الفلسطينية. غير أن التعاطي الفلسطيني مع هذه القضية بقي في إطار اعتبارهم امتدادا مباشرا للسياسات الإسرائيلية، دون بلورة تصور سياسي بديل يتعامل مع وجودهم بوصفه معطى سكانيا قائما على الأرض. إذ إن المستوطنين، من الناحية الواقعية، يشكلون أقلية يهودية مقيمة في الضفة الغربية، سواء جاؤوا بدوافع أيديولوجية دينية أو بدوافع أمنية أو اقتصادية.
في المقابل، استثمرت إسرائيل هذا الواقع سياسيا وقانونيا، عبر اعتبار المستوطنين جزءا من نسيجها الوطني، وتوسيع نطاق قوانينها المدنية عليهم، وتوفير الحماية العسكرية والغطاء المالي لهم، بما يعزز الوقائع على الأرض ويجعل الاستيطان أداة استراتيجية لمنع قيام الدولة الفلسطينية. وقد أدركت إسرائيل تاريخيا أن الاستيطان هو الآلية الأكثر فاعلية لفرض السيادة الفعلية، وهو ما يتكرر اليوم في سياق الضفة الغربية.
ومع الاعتراف الدولي الواسع بحدود عام 1967 كأساس للدولة الفلسطينية، يظل الإشكال العملي قائما: ففي حال تحقق الاعتراف بدولة فلسطينية ضمن تلك الحدود، وانسحب الجيش الإسرائيلي منها، فإن الدولة الفلسطينية ستكون ملزمة، وفق قواعد القانون الدولي، بحماية جميع السكان المقيمين داخل حدودها بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية. كما أن فكرة الإزالة الشاملة للمستوطنين تطرح تعقيدات قانونية وإنسانية بالغة، في ضوء تجارب دولية مشابهة تتعلق بمسائل الجنسية والإقامة وتبدل السيادة.
وفي المقابل، استطاعت إسرائيل، بفعل قوتها السياسية والعسكرية، أن توظف الوجود الاستيطاني لتكريس خطاب الضم التدريجي، مستندة إلى منظومة قانونية داخلية تمنح المستوطنين حقوق المواطنة الكاملة، وتسعى إلى تحويل الوجود السكاني إلى مبرر لفرض السيادة.
غير أن هذا الواقع لا يمكن عزله عن الأزمة الداخلية الفلسطينية، حيث أسهم الانقسام السياسي، وتراشق الاتهامات بين الفصائل، وانتشار الفساد داخل بعض المؤسسات، في إضعاف الثقة الشعبية بالمؤسسات الوطنية، وتقويض الالتفاف المجتمعي حول مشروع سياسي جامع.
وعليه، فإن إشكالية عدم تحقق الدولة الفلسطينية لا يمكن ردّها إلى عامل أحادي، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية تتعلق بأزمة البنية السياسية وغياب الإصلاح المؤسسي، وعوامل خارجية تتعلق بالاستراتيجية الاستيطانية الإسرائيلية. ويبقى السؤال مفتوحا أمام النخب الفكرية والسياسية الفلسطينية: إلى أي مدى يمكن بلورة مشروع وطني إصلاحي واقعي يعيد ترتيب الأولويات، ويؤسس لرؤية استراتيجية قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة أو إلقاء اللوم على الخارج وحده؟
الدولة الفلسطينية بين العوامل البنيوية الداخلية والاستراتيجيات الاستيطانية الإسرائيلية: قراءة نقدية في مأزق التحقق السياسي
527 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
الدولة الفلسطينية بين العوامل البنيوية الداخلية والاستراتيجيات الاستيطانية الإسرائيلية: قراءة نقدية في مأزق التحقق السياسي