شهد الفلسطيني كل أنواع النفاق، اتجاه قضيته العادلة التي تراوح مكانها في المحافل الدولية والعربية منذ زمن بعيد. الزمن يختلف لكن المواقف ثابتة، لا تتعدى الشجب والاستنكار، دون اتخاذ أي إجراءات تردع الاحتلال وجرائمه المتواصلة. منذ أن كان جيشه عصابات تشرف عليها حكومة الانتداب البريطاني إلى أن أصبح جيشاً قوياً متسلحاً بأسلحة الغرب وأمريكا الذكية والمدمرة، ليحمي كيانه الذي تم خلقه في منطقتنا العربية على أرض عربية وإسلامية وسكانها الأصليين لهم جذورهم التاريخية.
في مذبحة العصر، مذبحة غزة هاشم، التي يشاهدها العالم أجمع على شاشات هواتفهم النقالة في مشاهد الأشلاء والدماء والجياع والدمار، ما زال العرب يكتفون بالاستنكار والغرب يواصل النفاق. وحتى عندما يتعلق الأمر بالسيادة العربية وأراضيها، يبدي الغرب مجاملة لحليفه الاستراتيجي إسرائيل، والعرب يجاملون بعضهم بعضاً في قممهم العتيدة.
بعد الهجوم الإسرائيلي على دولة قطر ذات السيادة والعضو في الأمم المتحدة، تكرر مفهوم الحليف الاستراتيجي مراراً على مسامعنا. شدد كبار محللي القنوات القطرية على هذا الوصف، ومعهم الحق في ذلك؛ فالاستثمارات القطرية في الولايات المتحدة تقدر بالمليارات، والتحالف العسكري يتمثل بوجود أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، قاعدة العديد، التي ساهمت قطر في إنشائها بنسبة 60 في المئة، فضلاً عن تكاليف تشغيلها.
جعلت أمريكا من قطر أداة تخدم سياستها وتوظفها لمعالجة مشكلاتها مع الأحزاب الإسلامية كما حدث مع حركة طالبان، وأيضاً مع حركة حماس والدور الذي تقوم به من أجل الوساطة بين الحركة وإسرائيل بخصوص الأسرى الإسرائيليين، وهو الملف الأكثر تعقيداً. عليه يتوقف مصير حرب الإبادة على شعبنا في قطاع غزة.
قطر، ذات المساحة الجغرافية التي تقدر بحوالي 11,571 كيلومتراً مربعاً، وعدد سكان يبلغ حتى عام 2025 نحو 2.7 مليون نسمة، غالبيتهم من الجاليات الوافدة فيما يشكل المواطنون نسبة قليلة، تحولت بفضل هذه المكانة إلى لاعب أساسي في المنطقة. لذلك ظن الكثيرون أن الغرب وأمريكا سيدينان الكيان الإسرائيلي بعد هجومه على الدوحة أو سيتخذان إجراءات صارمة ضده، لكن سرعان ما خاب أمل القطريين والعرب.
انهالت موجة عارمة من التنديد والاستنكار من مختلف دول العالم الغربي والإسلامي، غير أن مجلس الأمن اكتفى ببيان صحافي أدان فيه الهجوم من دون أن يذكر إسرائيل بالاسم. هو بيان حظي بموافقة الأعضاء الخمسة عشر، بمن فيهم الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي للكيان الإسرائيلي. هذا الموقف كشف بوضوح حجم النفاق الدولي ومقدار المحاباة التي يحظى بها الكيان. تجاهل ذكره صراحة يعكس رغبة المجلس، ولا سيما القوى الكبرى، في تجنب إدانة مباشرة، ويؤكد حجم الحماية السياسية الممنوحة له داخل أروقة المجلس، بما يعيق صدور قرارات ملزمة تحمله المسؤولية. ومن الناحية القانونية، فإن عدم ذكر إسرائيل يحول دون تثبيت مسؤوليتها في سجلات الأمم المتحدة ويضعف إمكانية استخدام البيان كوثيقة إدانة أمام المحاكم أو المحافل الدولية، مما يجعله موقفاً إنسانياً أو أمنياً عاماً بلا أثر إلزامي، ويفتح أمامها الباب واسعاً للتنصل من أي مساءلة. وهكذا بدا مجلس الأمن كأنه يطلق إشارة سياسية ناعمة: إدانة للفعل مع تجنب تسمية الفاعل، في مشهد يعكس التناقض بين مبادئ القانون الدولي وموازين القوى التي تتحكم في قراراته.
على المنوال ذاته، انعقدت القمة العربية الإسلامية في الدوحة وسط توقعات فلسطينية وعربية بأن تكون محطة فارقة تضع حدًا للعدوان الإسرائيلي وتفرض موقفًا جماعيًا ضاغطًا على الاحتلال. غير أن النتائج جاءت باهتة، لم تحقق مكاسب تذكر لا لفلسطين ولا للعرب، لتلتحق هذه القمة بسلسلة من القمم السابقة التي لم تلجم العدوان الإسرائيلي، والذي واصل جرائمه في قتل الفلسطينيين، وضرب اليمن ولبنان وسوريا، وزاد المشهد قتامة الهجوم الإسرائيلي المباشر على قطر، الدولة التي لعبت دور الوسيط في المفاوضات بين حماس وإسرائيل، في رسالة واضحة للدوحة وللعرب مفادها أن الاحتلال لا يقيم وزنًا لدور الوساطة ولا للجهود السياسية، بل يتعامل بمنطق القوة وفرض الأمر الواقع.
في النتيجة، بدا كل من مجلس الأمن والقمة العربية الإسلامية وكأنهما ينسجان معًا لوحة واحدة من العجز: الأول يطلق بيانات بلا تسمية ولا مسؤولية، والثانية تصدر قرارات بلا فعل ولا تأثير. وبين هذا وذاك، كانت الرسالة الإسرائيلية للعرب صارخة: العدوان مستمر، القمم عاجزة، والبيانات الدولية لا تحمي وسيطًا ولا توقف جريمة، فيما يخرج الاحتلال من كل جولة أكثر جرأة وصلابة، تاركًا الفلسطينيين أمام مشهد من التوقعات المحبطة والخسارات المتتالية.
مجلس الأمن يخدع العرب والقمة العربية تخدع نفسها
764 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
مجلس الأمن يخدع العرب والقمة العربية تخدع نفسها