لم تكن حرب الإبادة التي شنّتها حكومة بنيامين نتنياهو على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر حرباً عسكرية فقط، بل غُلّفت منذ يومها الأول بغطاء ديني توراتي، ليظهر الفلسطينيون لا كخصم سياسي بل كعدو وجودي يجب إلغاؤه. في كل خطاب تقريباً، كرّر نتنياهو وحلفاؤه أن هذه المعركة "حرب نور على ظلام" و"معركة أبناء النور ضد أبناء الظلام"، وهي عبارات مستقاة من نصوص دينية يهودية وأدبيات المستوطنين، ما يجعل الحرب مشحونة ببعد عقائدي يبرر المجازر والدمار باعتبارها "وصية سماوية " .
منذ اليوم الأول للهجوم، استحضر نتنياهو قصة "عماليق" التوراتية، التي تحضّ على إبادة العدو عن بكرة أبيه: "لا تبقوا لهم نسمة حياة". وقد التقط وزراؤه المتطرفون هذه الإشارة بسرعة، فراح بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير يطالبان بتكرار "ما فعله يشوع بأريحا" في غزة، أي محو المدينة ومن عليها. وفي خطابه أمام الأمم المتحدة، حمل نتنياهو خريطة "سلامه" التي تخلو من أي أثر لفلسطين والفلسطينيين، وأغلق كلمته بعبارات دينية عن "أرض الميعاد من النهر إلى البحر"، مؤكداً أن هذه الأرض "ملك حصري للشعب اليهودي."
لكن اللافت أن نتنياهو لم يكتفِ بتسويق الحرب دينياً للجمهور الإسرائيلي، بل خاطب بها أيضاً الغرب، مذكّراً بـ"الهولوكوست" ومقدماً إسرائيل على أنها "الخط الأمامي لحماية الحضارة اليهودية – المسيحية". بهذا جعل الحرب على غزة تبدو وكأنها استكمال لمعركة توراتية ضد "عماليق العصر"، في حين أنها في جوهرها حرب استعمارية تستهدف اقتلاع شعب كامل من أرضه.
من هنا يتضح أن نتنياهو يستعمل الدين في ثلاثة مستويات متداخلة:
الأول: تسويغ المجازر أمام الجمهور الإسرائيلي، بحيث تصبح أوامر التوراة بديلاً عن القانون الدولي.
الثاني: كسب الدعم من تحالفه الديني – الاستيطاني في الداخل، الذي يرفع شعارات "أرض إسرائيل الكاملة" ويرى في الحرب فرصة لتكريس الضم.
الثالث: مخاطبة الغرب بخطاب "الحرب المقدسة ضد الشر"، لشرعنة القصف والتدمير أمام الرأي العام الغربي.
منطق الأمور يقول إن استدعاء الدين في صراع سياسي يقود إلى حرب لا حلول وسط فيها، حرب "صفرية" لا مكان فيها للتفاوض أو التسويات. وقد أدرك ذلك الأمين العام للأمم المتحدة حين أشار إلى أن الخطاب الإسرائيلي يفتح الباب لصراع عقائدي لا نهاية له.
الاتحاد الأوروبي بدوره حذر من أن المزج بين الدين والسياسة في خطاب نتنياهو يُفشل أي أفق للتسوية. حتى بعض المثقفين الإسرائيليين كتبوا أن نتنياهو يحوّل إسرائيل من دولة قومية حديثة إلى "دولة شريعة يهودية" تحكمها أساطير قديمة.
لكن ما يثير الانتباه هو أن نتنياهو نفسه ليس رجل دين، بل سياسي براغماتي يواجه أزمات داخلية عميقة، أبرزها ملفات الفساد التي تلاحقه وخطر سقوطه من الحكم. هنا يصبح الدين أداة سياسية للهروب إلى الأمام: كلما تصاعدت الاحتجاجات ضده، أشعل حرباً جديدة، مبرراً إياها بوصايا التوراة.
والسؤال: هل يستعمل نتنياهو الدين عن قناعة عقائدية، أم مجرد وسيلة للبقاء السياسي؟
إن التوراة التي يستشهد بها نتنياهو لم تأتِ على ذكر الفلسطينيين كعدو بعينه، بل تتحدث عن "شعوب كنعان"، وهو ما يمنحه وحلفاءه شعوراً بأن الحرب على غزة استمرار لحرب أسطورية قديمة، وبأن اقتلاع الشعب الفلسطيني اليوم هو تتمة لـ"الوصية الإلهية". وهذا الاستخدام هو الذي يفسر ضراوة الحرب الحالية، التي لم تكتفِ بالرد على عملية 7 أكتوبر، بل تحولت إلى حرب إبادة تهدف إلى تفريغ غزة وتهجير سكانها، وإلى مضاعفة الاستيطان في الضفة الغربية تحت غطاء ديني مشابه.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤالان أساسيان للمدافعين عن حرب نتنياهو، خصوصاً في أوساط اليمين الإسرائيلي واللوبيات الداعمة له:
الأول: هل يمكن لحرب تستند إلى نصوص دينية عمرها آلاف السنين أن تُدار وفق القانون الدولي والشرعة العالمية لحقوق الإنسان؟ أم أن الاستناد إلى "الوصية الإلهية" يفتح الباب لتبرير ما لا يبرر من قتل وتجويع وتهجير؟
الثاني: إذا كانت حرب نتنياهو عقائدية، فهل يستطيع فعلاً أن يحسم "معركة مقدسة" ضد شعب كامل يربو عدده على 14 مليوناً في فلسطين والشتات، محاط بدعم عربي وإسلامي متزايد، أم أن ما يفعله مجرد هروب تكتيكي من أزماته الداخلية، على حساب دماء الفلسطينيين ومستقبل الإسرائيليين أنفسهم؟
أي إجابة عقلانية، لا عاطفية، تقود إلى خلاصة واحدة: أن نتنياهو حوّل حرب غزة من صراع سياسي قابل للحل إلى حرب دينية مفتوحة على المجهول، وجعل من التعاليم التوراتية أداة لتبرير الإبادة الجماعية. والسؤال الأهم: هل يمكن لدولة في القرن الحادي والعشرين أن تبني إستراتيجيتها على أساطير قديمة، وتبقى في الوقت نفسه جزءاً من النظام الدولي الحديث؟
"التوراة سلاحي" … نتنياهو بين التعاليم الدينية والحرب على غزة
820 مشاهدة
0 تعليق





شارك برأيك
"التوراة سلاحي" … نتنياهو بين التعاليم الدينية والحرب على غزة