الهجوم على الدوحة وإحياء مفهوم الصراع العربي–الإسرائيلي

بعد كل حدث كبير يتعلق بالقضية الفلسطينية، يتجه الكتّاب والمحللون إلى استدعاء مفاهيم فقدت معناها الأصلي مع مرور الزمن. فعلى سبيل المثال، في حادثة الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة، عاد مصطلح "الصراع العربي–الإسرائيلي" ليتصدر كتاباتهم وتحليلاتهم، وكأننا ما زلنا نعيش في مرحلة الحروب العربية–الإسرائيلية الكلاسيكية. غير أن جوهر الصراع اليوم مختلف؛ إذ تحوّل تدريجيًا من مواجهة عربية شاملة مع إسرائيل إلى صراع فلسطيني–إسرائيلي مباشر. وما يلفت الانتباه أن جزءًا من الخطاب السياسي والثقافي العربي والفلسطيني ما زال يصرّ على البقاء أسير الماضي، بعيدًا عن إدراك التحولات السياسية والدولية التي أعادت تشكيل طبيعة هذا الصراع.
قبل أكثر من سبعة عقود اندلع الصراع العربي–الإسرائيلي كواحد من أعقد النزاعات في المنطقة، ولم يكن مجرد نزاع حدودي بل صراع وجودي حمل أبعادًا استعمارية وتوسعية. منذ البداية لم يكن الفلسطينيون وحدهم في مواجهة المشروع الصهيوني، بل جرى تدويل المسألة مبكرًا حين أصدرت بريطانيا وعد بلفور عام 1917، ثم جاء قرار الأمم المتحدة 181 عام 1947 ليمنح الشرعية الدولية لقيام دولة إسرائيل، وهو ما فتح الباب لتدخل القوى الكبرى في رسم مسار هذا الصراع.
في حرب 1948 تدخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بسرعة للاعتراف بإسرائيل، بينما وجدت الجيوش العربية نفسها في مواجهة الكيان الاسرئيلي بعضها بأشراف دولة الانتداب البريطاني بأسلحة هزيلة ناهيك عن عدم التنسق بينها وغياب استراتيجية قتالية يمكن ان تحقق النصر . وبعدها جاء العدوان الثلاثي عام 1956 ليكشف بوضوح أن إسرائيل ليست وحدها، بل جزء من محور غربي يسعى لإعادة صياغة المنطقة. ومنذ حرب 1967 أصبح الصراع خاضعًا أكثر لقرارات مجلس الأمن، وخاصة القرار 242 الذي اختزل القضية الفلسطينية في مسألة "أراضٍ محتلة" يمكن التفاوض حولها، متجاهلًا جوهر القضية وهو حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير.
لكن التحول الأبرز حدث بعد حرب أكتوبر 1973، حين دخلت الولايات المتحدة مباشرة كوسيط رئيسي، واستطاعت أن تنقل مصر إلى مربع التسوية عبر اتفاقية كامب ديفيد 1978. هنا بدأ الصراع يتغير: من مواجهة عربية جماعية مع إسرائيل، إلى صراع فلسطيني–إسرائيلي تحت المظلة الأمريكية. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، أصبح الملف بالكامل بيد واشنطن، فجاء مؤتمر مدريد 1991 ليُدخل العرب في مفاوضات مباشرة، تلاه اتفاق أوسلو 1993 الذي رعى ولادة السلطة الفلسطينية، لكنه في جوهره أبقى الاحتلال قائمًا والاستيطان متصاعدًا.
اليوم لم يعد الصراع كما كان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين كانت الجيوش العربية تواجه إسرائيل في ميادين القتال. الآن أصبح صراعًا دبلوماسيًا تحكمه الطاولات المستديرة والضغوط الدولية، بينما تبقى المفاوضات بلا سقف زمني، والقرارات الدولية بلا تنفيذ. الأمثلة واضحة: مبادرة السلام العربية 2002 بقيت حبرًا على ورق، بينما اتفاقيات أبراهام 2020 أظهرت أن بعض الدول العربية فضّلت التطبيع المباشر مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية.
حرب الإبادة في غزة، التي لم تهدأ بعد وتواصل تصاعد وتيرتها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل منذ ما يقارب العامين، ترافقها في الضفة الغربية والقدس إجراءات تصفوية ممنهجة. هذا المشهد الدموي لم يُترجم إلى حلول سياسية، بل تحوّل إلى مفاوضات شاقة ترعاها الولايات المتحدة وقطر ومصر، لتكشف بوضوح أن الصراع لم يعد يُدار بوصفه قضية تحرر قومي عربي، بل أصبح ملفًا فلسطينيًا–إسرائيليًا صرفًا تتحكم في مساره القوى الكبرى بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية.
إنّ الهجوم العسكري الإسرائيلي على الدوحة، باعتبارها دولة ذات سيادة وعضوًا في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، لم يواجه من معظم الدول العربية سوى بيانات التنديد والشجب واللجوء إلى المنظمات الدولية والقانونية التي تتحكم في مساراتها القوى الكبرى. ورغم أن الهدف المباشر من الهجوم كان اغتيال قادة فلسطينيين، فإنّه مثّل في جوهره اعتداءً صارخًا على سيادة دولة عربية، الأمر الذي يؤكد أن مركز الأزمة ما يزال فلسطينيًا، وأن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، رغم انحساره عن الإطار القومي العربي، ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على مجمل المشهد العربي.

في المحصلة، يمكن القول إن الصراع العربي–الإسرائيلي لم ينتهِ، لكنه تغيّر. من حرب جيوش إلى مفاوضات تسويات، ومن صراع قومي عربي إلى صراع فلسطيني محاصر، ومن مواجهة ميدانية إلى معركة دبلوماسية تُدار في واشنطن ونيويورك أكثر مما تُدار في العواصم العربية الكبرى مثل القاهرة ودمشق وعمان وبيروت

744 مشاهدة
0 تعليق
أ. صلاح مخلوف

بقلم

أ. صلاح مخلوف

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

الهجوم على الدوحة وإحياء مفهوم الصراع العربي–الإسرائيلي