ينظر إلى التعليم باعتباره الأداة المركزية التي تعتمد عليها الدول في بناء الإنسان وإعداد جيل قادر على المشاركة الفاعلة في عملية التنمية الشاملة. إذ يُعد التعليم ركيزة أساسية لبناء مجتمع متماسك تسوده القيم الأخلاقية، وينخفض فيه مستوى العنف، ويتحقق من خلاله الاستقرار الاجتماعي والسياسي. لذلك، فإن معظم الدول تولي قطاع التعليم أهمية استراتيجية كونه يشكل الأساس الذي تقوم عليه عملية بناء الدولة الحديثة.
في السياق الفلسطيني، يواجه التعليم مجموعة من التحديات البنيوية والإدارية التي تعيق قدرته على أداء دوره التنموي. ومن أبرز هذه التحديات تفشي الفساد في التعيينات داخل المؤسسات التربوية، وضعف الرقابة والإشراف التربوي المنهجي، إضافة إلى غياب الحس الوطني وانعدام الكفاءة المهنية لدى شريحة من العاملين في الحقل التعليمي. وتتحمل وزارة التربية والتعليم ومديرياتها في المحافظات المسؤولية المباشرة عن معالجة هذه الاختلالات.
أما على مستوى السياسات الحكومية، فإن التعامل مع المعلم يعكس غياب رؤية استراتيجية، إذ تحولت مهنة التعليم إلى واحدة من أقل المهن جاذبية نتيجة تدني الرواتب. فالمعلم، الذي يفترض أن يكون حجر الأساس في تكوين رأس المال البشري، لا يحظى بمكانة مادية أو اجتماعية تليق بدوره. وللمقارنة، فإن راتب المعلم في إسرائيل يعد من أعلى الرواتب في القطاع العام، متجاوزا ما يتقاضاه الشرطي والجندي والمهندس وحتى الطبيب غير المختص، وهو ما يعكس قناعة راسخة بأهمية التعليم في بناء الدولة. في المقابل، فإن راتب المعلم الفلسطيني من أدنى الرواتب، إذ يعادل تقريبا راتب موظف بسيط في جهاز الشرطة.
إن معالجة أزمة التعليم في فلسطين تستدعي إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام. فإعادة هيكلة السلطة من خلال تقليص وزارات ذات تكلفة مالية مرتفعة وأثر محدود –مثل وزارة الأوقاف، وزارة شؤون المرأة، وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الثقافة– يمكن أن يوفر موارد كبيرة لتطوير التعليم. كما أن ترشيد النفقات المخصصة لجهاز الأمن الوطني وتوجيهها نحو القطاع التعليمي قد يسهم في تعزيز جودة التعليم، خصوصا في ظل المرحلة التي تمر بها فلسطين والتي تتطلب التركيز على بناء مؤسسات سلمية أكثر من الحاجة إلى عسكرة المجتمع.
ورغم وضوح هذه الحلول، إلا أن الإرادة السياسية لتنفيذها تبدو غائبة، حيث ينشغل المسؤولون بالحفاظ على مواقعهم ومصالحهم الخاصة أكثر من انشغالهم بإصلاح قطاع التعليم الذي يمثل المدخل الحقيقي لبناء الدولة وتعزيز صمود المجتمع.





شارك برأيك
التعليم في فلسطين : الواقع والإشكاليات.