رغم ما أثير من تفاؤل في الأوساط السياسية الفلسطينية بشأن ما وصف بـ وعد الاعتراف من قبل فرنسا بالدولة الفلسطينية، فإن هذا الاعتراف يظل محكوماً بجملة من المحددات القانونية والسياسية والاقتصادية التي تعيق ترجمته إلى واقع فعلي. ففرنسا، كدولة فاعلة في المنظومة الغربية، لا يمكن أن تقدم على خطوة أحادية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية دون الأخذ بعين الاعتبار التوازنات الداخلية والخارجية المرتبطة بالموقف الإسرائيلي، لا سيما فيما يتعلق بوضع المستوطنات في الضفة الغربية.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيفتح باباً أمام مطالب مقابلة، أبرزها الإقرار القانوني بوضع لأقلية اليهودية(أي المستوطنين) في الضفة الغربية، والذين باتوا يعاملون – وفقاً لتشريعات إسرائيلية حديثة – كمواطنين إسرائيليين يتمتعون بالحقوق كافة، ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتراف أوروبي، خاصة من فرنسا، قد يستخدم كأداة لإضفاء شرعية متبادلة، يكون فيها الاعتراف بالدولة الفلسطينية مشروطاً باعتراف فلسطيني مقابل بمشروعية الوجود الاستيطاني، وهو ما يحمل في طياته مخاطر قانونية وسياسية تمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.
من جهة أخرى، يكشف هذا المشهد عن إشكالية متكررة في أداء النخبة السياسية الفلسطينية، التي لا تزال في كثير من الأحيان تتعامل بردود فعل عاطفية تجاه المواقف الدولية، دون قراءة معمقة للبيئة الاستراتيجية الحاكمة لتلك المواقف. فالعقل السياسي الفلسطيني، للأسف، لم يراجع حتى الآن بشكل جدي تداعيات اتفاق أوسلو، ولا الانعكاسات الاقتصادية والسياسية لاتفاقيات باريس وواشنطن والقاهرة، التي ساهمت في تقليص هامش الاستقلالية للقرار الفلسطيني، وأضعفت موقعه التفاوضي إقليمياً ودولياً.
إن رهان بعض القوى الفلسطينية على تغير المواقف الأوروبية، دون امتلاك أدوات القوة السياسية والاقتصادية، أو استراتيجية واضحة للتعامل مع التحولات الدولية، يبقى رهاناً هشاً. فالتعويل على تصريحات غربية لا يرقى إلى مستوى البناء السياسي الناضج، خاصة في ظل تواطؤ دولي ضمني مع سياسات الأمر الواقع التي تفرضها إسرائيل. المطلوب اليوم هو مراجعة نقدية شاملة للخيارات السياسية الفلسطينية، تتجاوز الرغبات والأماني، وتُؤسِّس لخطاب واقعي، يستند إلى أدوات مقاومة دبلوماسية وقانونية واقتصادية أكثر فاعلية واستقلالية.





شارك برأيك
تحليل نقدي لمحددات الاعتراف الفرنسي المحتمل بالدولة الفلسطينية