لندن - 
نشر موقع "التقدمي" الموريتاني مقالاً للكاتب إسماعيل محمد خيرات تحت عنوان "ظهور الدولة" يقول الكاتب: "كان بإمكاني أن أسمي هذا المقال " هزيمة البنك" عطــفا على مقال قديم بعنوان انتصار البنك نشره أحد الكتاب سنة 2009 إبان ما عرف في ذلك الوقت بأزمة رجال الأعمال.. كانت الفكرة النواة في ذلك المقال أن الصيرفة بما تقتضيه من مقامرة وذكاء و شطارة قد انتصرت على التجارة التقليدية النبيلة المرتبطة أساسا بتموين السوق بمتطلبات العيش اليومي الحقيقي، والتي هي في الأصل وريثة تجارة القوافل التاريخية المعروفة. لم يكن هناك مجال للتشكيك في ذلك الانتصار، فقد كانت رايات النصر ترفرف في زهو على واجهات كل شركات العهد الجديد".
واضاف يقول، وبالتأكيد لم يكن هناك وجه للاعتراض أيضاً في ذلك الوقت، على أي تصور ينحو هذا المنحى، فقد بدا في تلك الفترة وكأن النظام الجديد يقايض أمنه وبقاءه بما تحت يده، وأن الدولة قد تحولت أو هي في الطريق لان تصبح معولا يهشم به بعض رجال الأعمال رؤوس بعض، تبعا لما جرى من تحولات في معادلة النفوذ.
غير أن هذا كله كان مغلوطا واستباقيا لدرجة كبيرة..
وتابع الكاتب، فهاهي الدولة تُخرج اليوم نفس مخالبها الحادة التي رأيناها سنة 2009،وتضرب بها في الاتجاه الآخر دون هوادة أو إشفاق. ناسفة بذلك كل الاتهامات التي كانت تكال لها بالارتهان لأباطرة المال ومؤكدة على واقع لم يعد اليوم مثار شك ولا ارتياب : ظهور الدولة ومنعتها.
واستطرد قائلاً، إنما يجري اليوم من محاسبة وتدقيق مع مؤسسات ولد بوعماتو هو في تصوري مؤشر واضح على أن الدولة تملك إرادتها وقرارها، وأنها تتحرك بجرأة وبسالة على درب التحديات الحقيقية، ويخطئ من يتصور أن ما يتم الآن من إجراءات ضد هذه المؤسسات يجري تحت راية محاربة الفساد التي ترفعها الدولة، فهذا موضوع أكبر من محاربة الفساد، إنه تخليص الدولة من الارتهان لقوى السوق، إنها معركة لفك الارتباط بين مؤسسات الوطن ومجموعة خصوصية اشتبكت قهرا بشرايين الاقتصاد الوطني، وتغلغلت في أحشاء الدولة والتصقت مثل الطفيليات بجدران أمعائها تمتص قوتَها ورحيق الحياة فيها..
ومن المؤكد أن هذه القضية ستشكل إن لم يتم التراجع عنها، أهم عملية تحرير للاقتصاد، وفي تقديري أن الدولة لم تقم بأي إجراء بهذا المستوى من الأهمية وبهذه الصبغة التطهيرية منذو عقود، وتحديدا منذو أواسط السبعينات.
وشدد الكاتب في مقاله قائلاً: "إن أكبر خطأ وقعت فيه "انتلجانسيا الصالونات" اليوم بخصوص هذه القضية هو النظر إليها من زاوية محاربة الفساد، إن المقاربة المستشرية تقول ما يلي: ما مادام أن هذه المؤسسات كانت موجودة وقائمة، وكانت تمارس ما تمارسه من سنين، فلماذا فجأة يتم التعرض لها ؟، ولماذا لم يكتشف النظام فسادها إلا الآن؟ ومن هنا برز التفسير الأكثر جاهزية والأكثر ملاءمة للمنطق الشعبوي السائد، وهو أن القضية هي خلاف شخصي.. والواقع انه إذا كان الأمر على هذه الصورة فهذا وجه آخر للكارثة، فكيف لدولة تحترم ذاتها وكبرياء مواطنيها أن تسمح بوضع يصبح فيه رئيس الجمهورية بهذا الهوان، و على خلاف "شخصي" مع مواطن، حتى ولو كان مواطنا من نوع خاص، و تشرق عليه شمس غير الشمس التي تشرق على الآخرين؟".
ويقول، لا جدال في أن هذه القصة أعادت التذكير بضرورة رسم الحدود بين السياسة والمال، وهي بكل تأكيد فرصة للنظر في خلق آليات جديدة لضبط العلاقة بين المال السياسي ومجريات الشأن العام، إن بلدا يصدر فيه رجال الأعمال أوامرهم إلى الوزراء، ويرفعون عليهم الصوت أمام مرؤوسيهم هو بلد تحتاج أوضاعه لترتيب، وإن حكومة يرتجف أعضاؤها ويتلعثمون إذا هاتفهم رجل أعمال هي حكومة لا يشرف أحدا أن تنوب عنه في تسيير أموره وتدبير شؤون حياته.. ولقد شاهد المواطنون اعترافات عديدة من مسؤولين وشخصيات ذات وزن، تؤكد اجتياح المال السياسي لإرادات الإصلاح الذاتي، وتؤكد بالدليل المادي المحسوس غياب الفعل السياسي الواعي المتجرد من ضغوط المصالح كما تؤكد اتساع رقعة التلوث في محيط طبقتنا ونخبتنا السياسية والثقافية، وهي يقينا ليست إلا رأس الجليد الطافي على السطح فما خفي قد لا يكون من الممكن للمواطن البسيط الإحاطة به ولا تصوره..
ويقول الكاتب، قوة الدولة، واستقلال إرادتها هي رأس مال المواطن العادي وثروته، فهي الطرف الذي لا يشعر بمنة ولا فضل تجاهه، وهي الشركة الحقيقية التي لا تستطيع القوانين ولا الدساتير ولا شكيمة السلاح إلغاء سهمه بين الأسهم فيها، فأي عقلية انسحاقية تلك التي تدفع بعض المواطنين للانحياز ضدها ورمي الأشواك في طريقها؟ وخاصة عندما يوجد من يحاول تثبيت حقها وتوطيد دعائم قوتها وهيبتها، أي منطق وطني ذلك الذي يقف دون تسييج مقدرات الشعب وفك الارتباط بينها وبين مصالح الخصوصيين..؟
إنه نفس المنطق الانسحاقي الذي وقف في السابق ضد ما قامت به الدولة من كبح ومطاردة للمجموعات المسلحة في مالي، والتي وُصفت بأنه إجراءات متهورة ستقود البلاد نحو كارثة محققة، لقد أثبتت الأيام أنما كان يراه بعض تهورا وطيشا هو بالتحديد وليس شيئا غيره، ما مكننا من تأمين شعبنا وأرضنا، وامتلاك أوراق لا يمتلكها غيرنا، وساهم كذلك في إعطائنا صورة وحجما أكبر من حجمنا الحقيقي..
واستخلص الكاتب الى القول، إنهم نفس الانسحاقيين أصحاب مقولة "إلى أين يقودنا هذا الرجل"؟ يُظهرون اليوم عنادهم واستنكارهم، تماما كما كانوا يفعلون في كل مرة عند الإعلان عن أي قرار وطني يشكل استثمارا في المستقبل، وبردا وسلاما على قلوب المواطنين.
الجمعة, آذار (مارس) 15, 2013 - 00:52
