لندن - القدس
كتبت جريدة الوطن السورية مقالاً تحت عنوان "أميركا معتكفة وأوروبا عاجزة.. فراغٌ في زعامة العالم" جاء فيه: "السياساتُ العالمية في السنوات الأخيرة آلتْ إلى حالٍ من الجمود، في ضوء عزوف الولايات المتحدة عن قيادة العالم، وعدم قدرة أوروبا والقوى الرئيسية الأخرى على تعبئة الفراغ. لكن نائب الرئيس الأميركي؛ جو بايدن، وسعياً منه لتمتين الروابط بين ضفتي الأطلسي، قام اخيراً بزيارة رسمية إلى ألمانيا. وفي صلةٍ بذلك، يُروى عن عالِم الكيمياء والفيزياء النووية البريطاني "أرنست رَذرْفورد"، أنه كان يجري تجارب كبيرة في مختبراته في بريطانيا، فأراد، بعد أن فاز بجائزة نوبل للسلام في الكيمياء في العام 1908، أن يستمر في التقدم ليصبح متألقاً في هذا المجال من العلوم، ولكنه كان يفتقر إلى الأموال في كثير من الأحيان. تقول إحدى الروايات إنه، ذات مرة، جمع فريقه وقال: "أيها السادة، لقد نفدت الأموال من بين أيدينا وحان الوقت للبدء باستعمال العقل"! هذه الكلمات المنسوبة إلى "رذرفورد" نالت شهرة واسعة في العالم، خاصةً في مجال السياسة. في الواقع، يندر أن تسري هذه العبارة على شيء أكثر مما تسري على رحلة نائب رئيس الولايات المتحدة "جو بايدن" الأخيرة لألمانيا. فخلال تلك الزيارة، عقد "بايدن" اجتماعاً احتفالياً صاخباً مع المستشارة الألمانية "أنغيلا ميركل، ثم ألقى كلمة أمام المؤتمر الأمني السنوي في ميونيخ. والفكرة هنا واضحة: فقد يتحدث بايدن ببلاغة أمام الملأ، عن التعاون عبر الأطلسي، ولكن خلف الأبواب الموصدة، ستكون رسالته الرئيسية، أن أميركا وحلفاءها ينبغي عليهم أن يستنبطوا طريقة جديدة لتقاسم المسؤوليات في هذا العالم المتسم بانعدام اليقين.
واضافت الصحيفة قائلة، وفي عام 1988، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك، مادلين أولبرايت، الولايات المتحدة بأنها أمة "لا يمكن الاستغناء عنها". ولكنها الآن، بعد 15 عاماً من ذلك التاريخ، أضحت دولة منهَكة تماماً، وقوة عالمية آفلة، أنظارها مشدودة نحو الجبهة الداخلية، لا إلى أفغانستان أو الشرق الأوسط. ينبغي ألا يثير هذا الأمر استغراباً لدينا. فمنذ نهاية الحرب الباردة، أمضى الجنود الأميركيون ضعف عدد الأشهر التي أمضوها في أي حرب مقارنةً بالعقود السابقة. وقد ضخّت البلاد كمية غير اعتيادية من الأموال في جيشها. وفي الحقيقة، أنفقت أميركا في العام 2011 على الدفاع أكثر مما أنفقته 19 قوة عسكرية مجتمعةً. وقد أسهم ذلك، بطبيعة الحال، في زيادة حجم الجبل القياسي من الديْن العام، الذي يبلغ 16 تريليون دولار، (11.8 تريليون يورو). عندما تحدث بايدن في مؤتمر ميونخ للأمن الدولي، نقل من رئيسه أوباما رسالة احتوت أمراً واحداً فقط لخصته كلمة "كفى". والأهم من ذلك، أن أوباما حين ألقى خطاب تنصيبه للرئاسة في المرة الثانية اخيراً، تجنب أي إشارة إلى الخطاب الذي كان قد ألقاه الرئيس الأميركي الراحل جون أف. كنيدي في حفل تنصيبه في العام 1961، والذي قال فيه إن أميركا سوف "تدفع أي ثمن، وتتحمل أي عبء بغية استدامة ونجاح الحرية حول العالم". وبدلاً من ذلك، كانت الجملة الأساسية في خطاب أوباما: "الآن، يُشرف عَقدٌ من الحرب على نهايته". لم يُركز أوباما، حامل جائزة نوبل للسلام، في خطابه على خلق عالم أفضل. بل تحدَّث بدلاً من ذلك، عن دولة أميركية أفضل، تتوافر فيها فرصٌ أكثر للمهاجرين، وحقوق أكثر للشاذين، وتفاوتٌ اجتماعي أقلّ.
وتابعت "الوطن"، واليوم تعاني أميركا انقساماً عميقاً، لكن جميع الأطراف فيها متفقة على نقطة واحدة: هي أن عافية أميركا أهم من عافية العالم. وكان سلف أوباما، الرئيس جورج دبليو بوش، يملك رؤى بعيدة المدى بالنسبة لسياسة بلاده الخارجية، لكن ما تبقى منها في حقبة أوباما هو ما يعرف باسم "عقيدة أيزنهاور" والتي يعيد المعلقون الأميركيون اكتشافها الآن. فقد كان "دوايت أيزنهاور"، باعتباره عسكرياً، بطل الحرب العالمية الثانية، لكنه حين أصبح رئيساً لأميركا من العام 1953 وحتى عام 1961 تجنب إراقة الدماء بأي ثمن - أو أقله هدر الدم الأميركي. وحسب ما تذكر كاتبة سيرة حياته "جين ادوارد سميث"، لم تتكبد أميركا منذ نهاية الحرب الكورية وحتى نهاية رئاسته مقتل أي جندي أميركي في أي من حروبها.
وعن سياسة أميركا الخارجية كتبت الصحيفة تقول: ""تشاك هاغل" السيناتور الجمهوري السابق ومخضرم حرب فيتنام والحائز الأوسمة والساعي لإبعاد الجنود الأميركيين عن نطاق الضرر، أهدى أوباما الذي عيّنه وزيراً جديداً للدفاع، كتاب السيرة الذاتية لأيزنهاور. في الحقيقة، يشترك هاغل مع أوباما في رؤيته الكونية التي تدعو إلى "القيادة من الخلف" - سواء في ليبيا، أو الأكثر حداثة، في مالي حيث تشعر الولايات المتحدة بالسعادة لأن فرنسا هي التي تتولى القيادة. ومع ذلك، لم يعد هذا التقاسم الجديد للواجبات، يشكل بالنسبة لواشنطن نهاية العالم، وإنما مجرد عملية تخفيض لإنفاقها العسكري. فهو أسهل على التنفيذ مما يسمح به الضباط العسكريون المتذمرون. وستكون الدراما الحقيقية إذا قررت أميركا التراجع كلياً إلى داخل حدودها. وبالنسبة لمكانة أميركا في الخارج، فربما يكون فريق أوباما- بايدن قد أرسى بعض الأرضية، لكن سياساتهما الخارجية أفرزت بالكاد أي محصلات فعلية. وحسب، مركز دراسات (معهد بروكنغز)، ذي الخبرة الواسعة في واشنطن، لا يزال يتعين على أوباما أن يحقق العديد من النجاحات على صعيد السياسة الخارجية. وفي البلدان التي تتخذ موقفاً عدائياً من أميركا، مثل باكستان، نجد أن أوباما لا يحظى بشعبية أكثر حتى من سلفه، خائض الحروب، بوش. ولعلّ ذلك ناجم عن لجوء أوباما إلى نشر طائرات من دون طيار، أكثر من نشره دبلوماسيين. ويبدو من المرجح أكثر من أي وقت مضى بأن إيران ستمضي في برنامجها النووي، وأن المعركة ضد تغير المناخ في جمود وأن الإسرائيليين والفلسطينيين عادوا ثانية إلى الإمساك بخناق بعضهم، وأن العلاقات الصينية الغربية لا تزال تقف على أرضية رخوة".
واستخلصت الصحيفة الى القول: "قد يخطر ببال المرء أن الوقت قد فات على أن يَثِبَ أوباما على السرج، قبل أن ينكمش إلى وضعية البطة العرجاء العاجزة. لكن، وبصرف النظر عن عدد الابتسامات الصفراء التي يوزعها المغرور بايدن في برلين وميونيخ، فإن ذلك ربما يكون أكثر مما هو متوقع بكثير. هذا بطبيعة الحال، يقودنا للسؤال عن البلد الذي يستطيع أن يتقدم ليحل محل الولايات المتحدة. الصين تبدي الذعر من احتمال أن يكون اقتصادها بصدد خسران الزخم، وروسيا تراجعت إلى مجرد دولة نفطية، على حين تتعثر خطى البرازيل والهند. في غضون ذلك، نرى أن المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي تعاني من أزمة هوية بشأن ما يُفترَض أن تفعله. وفي هذا الصدد، يشير العالم السياسي "إيان بريمر" في كتابه الجديد، (دولة كلمن أيدو ألو/Every Nation for Itself )، إلى أننا نعيش اليوم في حقبة تتسم بـ"فراغ في القيادة" عالمي. ومن الممكن أن يكون هذا هو وقت التقدم إلى الأمام، وخاصة بالنسبة للأوروبيين الذين قد يصبحون في نهاية المطاف الشرطي الدولي الجديد. تقول صحيفة الواشنطن بوست أنه لا ينبغي الاستهزاء بهذه الفكرة، التي لا تزال تبدو أقرب إلى الفكرة الذهنية، منها إلى الاحتمال الواقعي. وإذا ما استثنينا بريطانيا، نجد أن الدول الأوروبية خفضت ميزانياتها الدفاعية، منذ انتهاء الحرب الباردة، بنسبة مئوية معدلها 15 في المئة. لكن الأسوأ من ذلك، كما بينت أزمة اليورو الضجيج الذي أثيرَ أخيراً حول دور بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، إنه لا يزال على الوحدة الدبلوماسية في أوروبا أن تنتقل من الورق إلى الواقع الملموس. في الحقيقة، وبدلاً من تحقيق تقدم، يبدو العالم أنه على الأرجح سيتجه نحو العكس. فأوروبا ليست في حالة تتيح لها الاضطلاع بدور القيادة الحازمة، كما أن الولايات المتحدة لم تعد ترغب في ذلك".

الخميس, نيسان (أبريل) 4, 2013 - 17:32

الصفحات