تل ابيب – "القدس" – يثير احتمال تعرض المستقبل السياسي لرئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت الى ضربة قاضية مخاوف وتساءلات بشأن مصير عملية السلام بين الفلسطينيين واسرائيل، خصوصاً اذا ارغم اولمرت فعلاً على الاستقالة واجريت انتخابات عامة في اسرائيل يرجدح معظم المراقبين ان تؤدي الى تنصيب حكومة جديدة يسيطر عليها اليمين الاسرائيلي المتطرف. وقد ازدادت احتمالات استقالة اولمرت بعدما ذكرت الشرطة الاسرائيلية ان ساعده الايمن المحامي اوري ميسر اعطاها ادلة دامغة قد تساهم في تقديم لائحة اتهام ضد رئيس الوزراء بتهمة تلقيه رشاوى من رجل الاعمال الاميركي موريس تالانسكي، وانه اوضح ان تالانسكي كان "يساعده في جمع تبرعات لحملته الانتخابية". .
ومع ان الامل كان ضعيفاً اصلاً في قيام دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية العام الجاري او في توصل اسرائيل والفلسطينيين الى مجرد اتفاق اطار على مبدأ اقامة الدولة، فان اطاحة اولمرت من منصبه بسبب فضيحة الفساد المالي التي يجري التحقيق في تورطه فيها يمكن ان تدفع بالرئيس الفلسطيني محمود عباس الى عدم ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة المقرر اجراؤها في كالنون الثاني (يناير) 2009 ادراكاً منه لاستحالة تحقيق تقدم في المفاوضات مع اسرائيل وقيادته الجديدة التي من الممكن جداً ان تكون اكثر تصلياً ويمنية من الائتلاف الحكومي الذي يرأسه اولمرت الآن.
يضاف الى هذا ان الرئيس الاميركي جورج بوش الذي اطلق رؤيته لحل للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي على اساس دولتين: فلسطين الى جانب اسرائيل في سلام وامن، لن يستطيع التأثير في مجرى عملية السلام في ظل حكومة اسرائيلية جديدة وتحوله بسرعة الى بطة شديدة العرج في الاشهر الاخيرة من رئاسته التي تنتهي في كانون الثاني (يناير) 2009 .
واذا ما حقق حزب الله السيطرة على مقاليد الامور من خلال الصراع الحالي في لبنان، فان هذا قد يدفع بحركة "حماس" الى محاولة السيطرة على الضفة الغربية اضافة الى سيطرتها منذ 14 حزيران (يونيو) 2007 على قطاع غزة.
واليوم عبر المفاوض الفلسطيني ياسر عبد ربه عن قلقه ازاء احتمال تجميد عملية السلام بسبب الازمة السياسية في اسرائيل. وقال عبد ربه في مقابلة لاذاعة "فرانس انترناسيونال" الفرنسية: "هناك احتمال بتجميد عملية السلام. اذا استقال اولمرت، ستكون هناك حكومة انتقالية وانتخابات مبكرة في اسرائيل". واضاف :"سيكون دور اليمين واقصى اليمين في اسرائيل اكثر تأثيرا". وقال ان هناك "هوة كبيرة بين مواقف الطرفين" الفلسطيني الاسرائيلي في المفاوضات.
واضاف، في اشارة الى توسع المستوطنات في الضفة الغربية، "اننا نفاوض مع الاسرائيليين حول الارض، انما كل يوم يأخذون منا اراضي اخرى". و"الرأي العام يفقد الثقة بالمفاوضات وبعملية السلام".
وقال اولمرت امس ان هذه الاموال كانت مخصصة فقط لتمويل الحملة وانه لم يستفد بها بشكل شخصي ابان ترشحه لمنصب رئيس بلدية القدس وزعامة حزب "ليكود" الذي كان ينتمي إليه بين عامي 1993 و2002. ونفى اولمرت عزمه الاستقالة الا اذا وجه اليه اتهام رسمي، فيما تضغط المعارضة باتجاه اجباره على الاستقالة وتقديم موعد انتخابات الكنيست، اذ طالبه برلمانيون إسرائيليون معارضون اليوم بتقديم استقالته على الفور.
وقالت الشرطة ان اولمرت تلقى جزءا من الأموال بشكل مباشر والجزء الاخر بشكل غير مباشر من خلال المحامي ميسر ومديرة مكتبه شولا زاكين وكلاهما يخضعان للتحقيق. وتقول مصادر الشرطة ان ميسر يتعاون معها حتى الآن وانه قدم فيما يبدو ادلة دامغة ضد رئيس الوزراء. ويقول مسؤولون ان دور ميسر كان صغيرا مقارنة بالشكوك التي تحوم حول اولمرت ومديرة مكتبه شولا.
وتركزت الاضواء على علاقة رجل الاعمال اليهودي الاميركي تالنسكي باولمرت التي ترجع الى عقدين من الزمن عندما كانا يشاركان في جمع تبرعات لمستشفى في القدس.
وفيما بعد عمل تالانسكي أمينا لصندوق مؤسسة خيرية تسمى مؤسسة "القدس الجديدة" كان اولمرت أسسها عام 1999 لتمويل مشروعات في القدس التي عمل رئيسا لبلديتها. وساعد تالانسكي في وقت سابق في تمويل الحملات الانتخابية التي خاضها اولمرت لرئاسة بلدية القدس.
وفي اول تصريحات علنية لتالانسكي في القضية قال رجل الاعمال الذي تتركز انشطته في نيويورك والذي يحتفظ بعلاقات عائلية وطيدة باسرائيل ترجع الى عقود من الزمن وهو يرفع ابهاميه امام عدسات الكاميرا في احد شوارع القدس في علامة على الاستحسان "لا افهم لماذا كل هذه الضجة".
وقالت الشرطة ان التحقيقات تتركز على الفترة من عام 1998 وحتى اصبح اولمرت رئيسا لوزراء اسرائيل عام 2006 .
وقالت مصادر قضائية ان القضية تتضمن مئات الالاف من الدولارات فيما قالت مصادر اخرى على دراية بالتحقيقات ان الشرطة تعتقد ان تالانسكي كان يشار اليه بوصفه "رجل غسل الاموال" في مذكرات يحتفظ بها مساعد شخصي خدم لدى اولمرت لفترة طويلة.
وقال تالانسكي للقناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي: "لست اخوض في السياسة و لم اخض قط مضمار السياسة". ورفض تلميحات الى انه يشارك في حملة تشويه يقوم بها منافسو اولمرت اليمينيون لتقويض محادثات السلام مع الفلسطينيين.
وقال تالانسكي انه حضر الى اسرائيل الشهر الماضي للاحتفال بعيد الفصح اليهودي، مضيفا انه تعجب عندما دقت الشرطة على بابه في السادسة صباحا.
وقال: "كان أمرا في غاية الغرابة، هبطت الدرج وقالوا لي نحن الشرطة، طالبين مني ان اصحبهم ثم اذعنت وسرت معهم".
وقال تالانسكي الذي يزور اسرائيل بين الفينة والاخرى منذ عام 1959 انه نشأ وترعرع في وسط "عائلة صهيونية" ولديه منزل وعشرات من الاقارب والاحفاد في اسرائيل.
وقالت مصلحة عائدات الضرائب الاميركية انه بين عام 1999 و2002 قالت مؤسسة "القدس الجديدة" التي اسسها اولمرت انها تلقت هبات ومنح وتبرعات اخرى بقيمة 855,516 دولارا.
واشارت مراجعة لسجلات الضرائب ان معظم هذه الاموال جاء من متبرعين. وفي عام 2000 تلقت المؤسسة التي عمل تالانسكي امينا لصندوقها معظم حصيلتها من ثلاثة متبرعين مجهولين تبرعوا بمبالغ 75 الف دولار و100 الف دولار و125 الف دولار.
وقالت المؤسسة انها انشأت عام 2000 حديقة عامة وملعبا لكرة القدم وانفقت على توطين مهاجرين روس وتمويل مهرجان للسينما مبلغا اجماليا قدره 186 الف دولار الا ان المؤسسة لم تقدم تقارير كافية عن كيفية صرف بقية مبلغ اجمالي للانفاق على المشروعات حجمه 376,750 دولار.
وقال المؤسسة في ملفات الضرائب الخاصة بها في الولايات المتحدة انه "لا اولمرت ولا تالانسكي او اي مدير اخر تلقى اموالا".
وقال زفي رابيب الذي عمل مديرا عاما للمؤسسة منذ انشائها عام 1999 حتى مطلع عام 2007 ان المؤسسة لم تحول قط اي اموال لاولمرت او اي شخص اخر لاغراض سياسية.
وقال لـ"رويترز": "لم يتم تحويل سنت واحد من اي مؤسسة خيرية باسم مؤسسة القدس الجديدة الى السيد اولمرت او اي شخص اخر". واضاف: "لا شيء البتة يربط بين مؤسسة القدس الجديدة وحملة التبرعات".
وقضت محكمة إسرائيلية برفع حظر التغطية الاعلامية جزئيا على التحقيقات الجديدة التي تجري مع اولمرت والتي أثارت تكهنات واسعة منذ استجوابه اول مرة بشان الشبهات التي تحوم حوله يوم الجمعة الماضي.
وتبنت النائبة البرلمانية ليمور ليفانت وجهات نظر أعضاء حزب "ليكود" المعارض وقالت للاذاعة الاسرائيلية اليوم إن أولمرت "لا يصلح ولا يستحق" أن يستمر في منصبه، وطالبت بإجراء انتخابات جديدة "خلال 90 يوما" داعية حزب "العمل" وهو أكبر شريك بالائتلاف الحاكم إلى الانسحاب من الحكومة.
وقال مسؤولون بارزون في حزب العمل الذي يرأسه وزير الدفاع إيهود باراك إنهم يتوقعون أن يبقى باراك في الائتلاف رغم مطالبة عدد قليل من أعضاء الحزب في البرلمان بالانسحاب من الحكومة وباستقالة أولمرت.
.