إعادة قراءة الجيرنيكا ، لوحة بيكاسو الشهيرة عن القصف الفاشي لمدينة جيرنيكا الاسبانية، حمامة سلام ضخمة على طريق الحرب، وآلة حربية هائلة في مواجهة شيخ فلسطيني هرم، وخروف في لباس عسكري يشرف على هيئات بشرية زاحفة ومنكمشة، وقافلة دبابات وجرافات تصطف في دائرة مغلقة تلتف على نفسها لتتخذ شكل الرقم ثمانية. هذه خمس صور رسمها فنانون بريطانيون ودوليون لعرضها على 11 لوحة اعلانية في شوارع لندن، لاحياء الذكرى الستين للنكبة ولتأسيس دولة اسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وسيتواصل هذا العرض الفني في شوارع لندن لأسبوعين على الأقل بدءاً من الثاني من شهر أيار (مايو) الجاري، ويشارك فيه الفنانون بيتر كينارد وكات بيكتون فيليبس وجي فاوتشر (جميعهم من المملكة المتحدة)، ورون انغلش (الولايات المتحدة) وفنانا الشوارع "بلو" (ايطاليا) و"سام3" (اسبانيا). وسبق أن شارك هؤلاء الفنانون في مشروع "سانتاز غيتو" (غيتو بابا ناويل) للفنان بانكسي في مدينة بيت لحم في الصفة الغربية المحتلة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
وتنتقد هذه اللوحات الفنية الخمس انتهاج اسرائيل على مدى 60 سنة من ممارسات العنف وسلب والممتلكات والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين، على أن يلي ذلك عرض لاعمال وتصاميم أخرى لحملة "نكبة60" المنظمة لهذا النشاط.
تمثل تعليقات الفنانين وأعمالهم تبايناً صارخاً مع كلمات المديح والدعم والتهاني التي يدلي بها زعماء بريطانيا لاسرائيل، ومع الصمت النسبي حيال النكبة ودور بريطانيا في انتزاع ممتلكات فلسطين وسلب الفلسطينيين حقوقهم.
كينارد وبيكتون فيليبس قدما عملاً أطلقا عليه اسم "حمامة السلام"، وقالا إن "حمامة السلام تنهض من فلسطين وتخرق جدار الفصل الاسمنتي المُشاد بعلو ثماني أمتار. إنها تطير في وجه النكبة التي تحكي مجازر وعمليات طرد في حق آلاف الفلسطينيين قبل ستين عاماً. إنها تطير في وجه التوسع المتواصل لاسرائيل داخل فلسطين، وإخضاع شعبها. إنها تطير من أجل حق عودة الفلسطينيين. من أجل أن ننهض جميعاً ونطير في وجه القبول الانبطاحي لحكومتنا بالأعمال الاجرامية التي ترتكبها اسرائيل في حق الشعب الفلسطيني".
رون انغلش يستخدم الألوان الوطنية لاسرائيل في عمله. يقول إن "القطعة التي ابتكرتها من أجل مشروع لوحات الاعلان، إعادة قراءة لعمل بيكاسو، جيرنيكا ، وهي لوحة استندت اليها مرات عديدة في عملي. أطلقت على هذه القراءة اسم "جيرنيكا الصف المدرسي"، كونها تستعرض طلاب مدرسة يمثلون المأساة في حرم مدرسة."
ويضيف انغلش: "كنت في فلسطين خلال عيد الميلاد الماضي مع مجموعة من الفنانين يعملون في مشاريع فنية بينها "تجميل" جدار الفصل في بيت لحم. وخلال وجودي هناك، أقمت صداقات ليس فقط مع كثير من الفلسطينيين الكبار السن، بل أيضاً مع كثير من الطلاب في مخيم للاجئين قريب من بيت لحم، كانوا ساعدوني في عملي على الجدار. إن المساعدة الأميركية لاسرائيل تبقى دون محاسبة في الولايات المتحدة. وأنا، كدافع ضرائب أميركي، أساعد في تمويل ما عرف في أحيان عديدة، بعمليات قمع للفلسطينيين وأطفالهم. كما أن هشاشة حياتهم تقلقني كأميركي ومواطن عالمي".
"ستون عاماً من اسرائيل في فلسطين" لـجي فاوتشر ، صورة معبّرة عن نطاق الصراع في فلسطين وطبيعته: أربع دبابات لماعة تشرف على شيخ فلسطيني منحني الظهر يحمل عكازاً. تقول جي "إنها تتحدث عن نفسها. أردت نقل واقع الوضع وقتها واليوم دون توجيه أي أصابع اتهام، أو انتقاد اسرائيل مباشرة، بل فلتنطق الصورة بذلك. من البديهي أن الكلمات موجودة لتضع العمل في سياق فلسطين، لكن بصراحة شديدة في الامكان أن تكون في أماكن أخرى في الشرق الأوسط حيث تسحق قوى كبرى أخرى الشعوب. هل في امكانها أن تساعد في تحسين هذا الوضع؟ في أحسن الأحوال، يمكنها أن تُثقف. وفي أسوأها، ستنغرس في كل جنباتها كعوب أحذية غير مطّلعة وخائفة وجاهلة".
"قطاع غزة" لبلو، عمل مجرد من البشر ومن العذاب البشري الهائل الذي يفرضه الحصار الاسرائيلي، فيما تُبرز الدائرة المغقلة لقافلة الدبابات والجرافات الدوامة غير الانسانية لتبني العالم ضمنياً التدمير الاسرائيلي المنهجي بينما يحاول قطاع الغزة "الوقوف على رجليه". يقول بلو إن "المفهوم التبايني وراء العمل، لعبة كلمات بين القطاع المغلق وقطاع غزة. أفضّل التركيز أكثر على الآلات (آلات الحرب والبناء)، فهي علامة واضحة على الاستثمارات الاقتصادية والصناعية الثقيلة التي تنتج الارتكاب اللامتناهي للحرب".
تنظم "نكبة 60" سلسلة نشاطات ثقافية وتثقيفية في المملكة المتحدة عام 2008، يشارك فيها أكاديميون وفنانون فلسطينيون وبريطانيون ودوليون. وستتناول هذه النشاطات والفاعليات التاريخ الفلسطيني قبل عام 1948، وسرد قصص النزوح وسلب الفلسطينيين حقوقهم، بهدف استكشاف أهميتهما، من أجل الوصول إلى حل عادل للصراع العربي الاسرائيلي.
"نكبة 60" حملة تنظمها في لندن مجموعة غير حزبية من الناشطين الشباب الفلسطينيين وغير الفلسطينيين وطلاب متلزمين احياء مرور 60 سنة على النكبة الفلسطينية. تشير النكبة الى أحداث عام 1948 عندما أدت اقامة دولة اسرائيل الى الطرد القسري لثلثي السكان العرب الأصليين من منازلهم في فلسطين، وتحويلهم بالتالي الى لاجئين. بعد 60 سنة على النكبة، لا يزال اللاجئون الفلسطينيون الأكثر عدداً بين مجموعات اللاجئين في العالم، ويبقى الشعب الفلسطيني مسلوباً من حقوقه الأساسية.
كما تسلط هذه الحملة الضوء على سمتي الصمود والحيوية في الحياة المعاصرة للفلسطينيين إن كانوا يعيشون كمواطنين غير متساوين بالحقوق في دولة اسرائيل، أو تحت الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو داخل جدران مخيمات اللاجئين في الشرق الأوسط، أو مشتتين في أنحاء العالم. كما ستسلط حملة "نكبة 60" الضوء على الظلم اللاحق بهم. لكن الأهم بالنسبة الى الحملة يظل احتفالها بالتراث والثقافية الفلسطينيتين الغنيتين، وبالشهادة الحية على نضالهم العنيد من أجل العدالة.