ما الذي يتوقع حدوثه من الآن وحتى نهاية عام 2008م الموعد المنتظر لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة؟ وما هو المتوقع ايضا بعد هذا التاريخ؟ فمن جهة يبدو الأمر وكأننا في سباق مع الزمن حيث لم يبق سوى أشهر معدودة على تنفيذ ما وعد به الرئيس جورج بوش منذ عام 2002م لقيام دولة فلسطينية جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل ، والذي أعاد تأكيده مراراً وتكراراً فعقد لذلك المؤتمرات والإجتماعات واللقاءات الإقليمية والدولية، وأرسل لهذا الغرض الوزراء والمسؤولين والوفود الرسمية للمنطقة، إلا أن التصريحات والمؤشرات غير المتفائلة التي تصدر عن القيادة والمفاوض الفلسطيني بعدم تحقيق أي تقدم أو اختراق ملموس في المفاوضات وتعثر المسار السياسي لعملية السلام لا يوحي بالثقة و لا يمنح الأمل ولا تبشر بالخير. خاصة مع استمرار الممارسات الإسرائيلية بالتوسع في مصادرة الأراضي والإستيطان، وبناء الجدار، وإبقاء المعابر والحواجز، واستمرار الحصار وزيادة عدد الأسرى والمداهمات ، بالإضافة إلى عزوف اسرائيل ومراوغتها عن مناقشة القضايا الجوهرية كالقدس وحق العودة والحدود والمياه ومحاولة تأجيلها والتهرب منها، الأمر الذي يفرغ العملية السياسية من مغزاها ومحتواها ويضيع الوقت ويفوت فرص السلام، ويعيق التوصل لأية إتفاقيات، مما يبقي المنطقة ملتهبة غير مستقرة، وبؤرة متأججة بالتوتر والاحتقان على فوهة بركان يغلي قابل للإنفجار في أية لحظة.
أما من جهة توقعات نتائج المفاوضات بعد انتهاء عام 2008 فلا يتوقع لها النجاح في ظل استمرار التعنت الإسرائيلي قيادة وشعبا، وعدم توفر الاستعداد والرغبة لديهم لدفع استحقاقات الأمن ومتطلبات السلام العادل والشامل مع العرب ، بل إمعانهم في وضع العقبات بتجاهل وإنكار الحقوق الفلسطينية، أو قبول المبادرة العربية، أو الموافقة على مبدأ مبادلة الأرض مقابل السلام، والاكتفاء باستخدام سياسة القوة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بدل الاعتماد على التفاوض والحوار لإحلال السلام، ومستهترة بكافة قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالرأي العام العالمي المناصر للحقوق الفلسطينية. هذا بالإضافة إلى الإنحياز الأمريكي لإسرائيل ونوعية التدخل وطبيعة الدور الأمريكي مع اقتراب موعد انتخاب الرئاسة الأمريكية، وانتهاء الفترة الرئاسية للرئيس بوش ، وكذلك التذبذب والتردد والإنصياع الأوروبي للموقفين الأمريكي والإسرائيلي، وضعف وعجز وتراجع الموقف العربي ، ناهيك عن التفسخ والإنقسام والتضارب الذي تشهده الساحة الفلسطينية والذي يتخذه الإحتلال وسيلة للضغط وأداة للتذرع والتنصل من التزاماته للطرف الفلسطيني، مستغلاً قرب إنتهاء مواعيد الأطر الشرعية الفلسطينية المنتخبة للإنفراد بالوضع الفلسطيني المتهاوي، والادعاء بعدم وجود شريك قوي للتفاوض معه، ووجود فراغ قانوني وأمني ومؤسساتي فلسطيني أوجدته اسرائيل بعد احتلالها وإغلاقها واقتحامها للمؤسسات والدوائر الفلسطينية.
إن استمرار الوضع السياسي الحالي كما هو عليه الآن متأرجحاً ومراوحاً بين اتفاقيات تهدف لذر الرماد بالعيون، والاكتفاء بالإعلان عن مبادىء وأطر ووثائق لإتفاقات هلامية وأوراق عمل ووثائق وتعهدات لا تتعدى في أحسن أحوالها معالم وملامح لدولة يمكن توقعها، يعني إعادة تكرار اتفاقيات أوسلو والدخول في جدل بيزنطي ومناقشات نظرية، لإلهاء الطرف الفلسطيني ، حتى تتمكن اسرائيل من كسب الوقت والتوسع في فرض حقائق ووقائع جديدة على الأرض، أو بانتظار مآل المسارات والعلاقات الإسرائيلية مع بعض الدول العربية والإقليمية الأخرى، والمماطلة حتى يتم تنفيذ الترتيبات الدولية النهائية المخططة للمنطقة، أو حتى أخيرا بانتظار انتهاء فترة حكومة بوش للتهرب من تنفيذ خارطة الطريق، أو البدء في العد التنازلي لتصفية القضية بأية ثمن «كما يشير إلى ذلك المعارضون لمبدأ المفاوضات ونهجها ونتائجها» وذلك باستخدام إسرائيل لقوتها العسكرية المفرطة وإعادة بسط نفوذها على الأراضي المحتلة منذ عام 1967م، أو قيامها بإعلان أحادي الجانب عن دولة أحادية أو ثنائية القومية وفقاً لمصالحها، أو السماح بإنشاء دويلة مسخ لا يتعدى دورها الحكم الذاتي لتصريف أمورها الإدارية والخدماتية على أساس « أن ما لا يمكن حله بالسلم يمكن حله بالقوة «، أو سياسياً بالضغط على إعادة تصريف قطاع غزة للإدارة المصرية، وإعادة ما يتبقى من أراضي الضفة الغربية للملكة الأردنية الهاشمية وإلغاء اتفاقيات أوسلو واضطرار السلطة الفلسطينية للاستقالة أو للخروج للإقامة بالمنافي والشتات.
كما أن عدم تحقيق أي نجاح حقيقي للتسوية حتى نهاية هذا العام، يعني انتظار قدوم إدارة أمريكية جديدة لمعرفة مدى التزامها بتحقيق سلام سريع وعادل بالشرق الأوسط ، وكذلك مدى جدية الأمم المتحدة والدول الأوروبية الراعية واللجان المعنية وقدرتها على إجبار إسرائيل للسير في عملية السلام، ومواقف الدول العربية والإسلامية من استمرار المبادرة العربية، وأخيراً قرار الفلسطينيين الذين راهنوا على التوصل إلى السلام أو العكس حتى قبل نهاية العام.
إن التفاؤل بقيام الدولة الفلسطينية في نهاية عام 2008 يبدو لمعظم المراقبين في أحسن الاحوال سرابا وأوهاماً لا يمكن تحقيقها، فقصر الوقت المتبقي على المدة المحددة لإعلان قيام الدولة، وطول مدة النزاع وتجارب المفاوضات السابقة، وتصلب مواقف اليمين الإسرائيلي المتطرف ، وممارسات الحكومة الإسرائيلية من إجراءات أحادية الجانب كل ذلك يؤكد على استمرار تثبيت الإحتلال بدل العمل على وقفه وبحثه وإزالته. هذا بالإضافة إلى ما نلاحظه من تزايد نشاط اللوبي العالمي المؤيد لاسرائيل في الدول الأجنبية للضغط على الطرف الفلسطيني، والذي يظهر بتبني ازدواجية المعايير الدولية للقضية وكيلها الأمور بمكيالين، والانحياز الكامل للطرف الإسرائيلي ومجاملته على حساب الطرف الفلسطيني.
من كل ماسبق يتأكد أن الشعب الفلسطيني سيتعرض في الفترة القادمة لمزيد من القوة العسكرية الإسرائيلية والضغط السياسي والخنق الإقتصادي والقهر والتضييق الحياتي للنيل من صموده، وتفتيت عزيمته، وتركيعه لقبول الشروط والإملاءات الإسرائيلية. كما سيواجه المفاوض الفلسطيني صلف وتشدد وتهرب ومراوغة المفاوض الإسرائيلي الأمر الذي يتطلب منه بان يكون مصارعا، صلباً وعلى قدر كبير من الخبرة والدراية والحنكة أثناء المفاوضات لتجنب أية هفوات وأخطاء والإلتهاء بقضايا هامشية وجزئية تضيع وقته، وتوقعه في ألاعيب السياسة الإسرائيلية ومتاهاتها اللغوية ، ولا شك أن الالتفاف المطلوب لصمود المفاوضين وعدم تهاونهم أو تفريطهم أو تنازلهم عن أية حقوق أو ثوابت، يتطلب صدقا وشفافية وصراحه ومصالحة فلسطينية/فلسطينية لتوحيد المواقف وتأكيد الثوابت والقضاء على التناقضات الفلسطينية وخلافاتهم وانقسامهم لإعادة تلاحم الشعب الفلسطيني ووحده ترابه وتطوير مؤسساته بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وبتثبيت مشروعه الوطني وإعادة حقوقه المسلوبة.
لذا ينبغي لمساندة الموقف الفلسطيني وتحريك العملية السلمية، تفعيل المواقف العربية والإسلامية، ودفع تنفيذ قرارات الأمم المتحدة والمؤسسات والمنظمات الدولية، وتطوير المواقف الأمريكية واللجنة الرباعية والدول الراعية لمسيرة السلام، وإلا فمن نافلة القول التذكير بأن العملية السلمية برمتها ستكون معرضة للانهيار والسقوط لحالة السكون المطبق الذي يلفها. وكذلك في حالة تعرضها لأية هزات أو مطبات سياسية أو عراقيل حزبية أو استقالات فجائية أو اتنخابات تكتيكية طالما عزفت على أوتارها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، أو توصيل الطرف الفلسطيني لحالة من اليأس والإحباط تدفعه بتسليم إدارة مسؤولية دفه الصراع لطرف فلسطيني أو عربي آخر أو إحالتها للجامعة العربية أو إعادتها لأروقة الأمم المتحدة للبحث عن أي حل آخر.
وأخيراً فإن أي نجاح أو فشل بإعلان قيام الدولة الفلسطينية سيشكل بدرجات متفاوتة مآزق سياسية وإقتصاديةً وجغرافية وإدارية سيكون لها تبعاتها وتداعياتها على كل الأطراف المعنية بشكل أو بآخر، لذا فتلافي أسباب فشلها وتجاوزها هي ذاتها وسائل نجاحها والتزام تنفيذها وضمان استمرارها لكونها تمثل جملة مسارات متقاطعة، وعلاقات متبادلة ستتحدد حسب حاجة ومصالح كل طرف على حده ، لذا على كل الأطراف أن تتنازل وتتواضع بسقف تطلعاتها وطموحاتها أو أطماعها للوصول إلى الحد المتوازن على أن لا يخل ذلك بالحقوق والثوابت الوطنية الفلسطينية، إذ لا يمكن أن تتغيير الظروف وتتطور الأوضاع القائمة بنفس العقلية السائدة و الأدوات والوسائل القديمة فبدون تغيير نوعي إيجابي سيستمر الصراع وستبقى الأوضاع تزداد من سيئ إلى أسوأ.
بقلم: نبيل حمودة/القدس