واشنطن وطهران.. تقارب أم مواجهة؟

الأثنين يوليو 28 2008 - نصر طه مصطفى

دخل ملف العلاقات الإيرانية الأمريكية في طور جديد عقب تصريحات الأسبوع الماضي حول إمكان فتح واشنطن لمكتب رعاية مصالح في العاصمة الإيرانية طهران الذي سيكون لو تم أول تمثيل دبلوماسي أمريكي في هذا البلد منذ قيام الثورة الإيرانية قبل حوالي ثلاثين عاما.


هذا التطور المفاجئ أربك حسابات الكثير من المراقبين الذين لم يستطيعوا التعامل معه بجدية حتى الآن، إذ لا يعقل في نظرهم حدوث هذا التحول الغريب من دون مقدمات منطقية تؤدي إليه، باعتبار أن كل المؤشرات كانت حتى الأيام الماضية توحي بأن البيت الأبيض يخطط لضربة عسكرية ضد إيران. ولاشك في أن هذا الارتباك في تحليل هذا الموقف المفاجئ طبيعي وتلقائي، وهو ارتباك لم يقتصر على الداخل الأمريكي بل امتد إلى خارجه ليشمل معظم دول المنطقة العربية المعنية بشكل أو بآخر بمسار العلاقات الإيرانية الأمريكية صعوداً وهبوطاً.


التطور الآخر اللافت للنظر يتمثل في حضور المسؤول الثالث بالخارجية الأمريكية (وليم بيرنز) جولة مفاوضات جنيف مع إيران والتي انعقدت الأسبوع الماضي للمرة الأولى كمراقب، الأمر الذي اعتبره المراقبون رسالة حسن نوايا من واشنطن رغم أن جولة المفاوضات هذه لم تؤد إلى نتائج واضحة، ومع ذلك فقد حظيت بإشادة رئيس الوفد الإيراني ومسؤول الأمن القومي سعيد جليلي وكذلك منسق السياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا، ما يعني أن الطرفين حريصان على عدم توسيع الهوة بينهما ويرغبان في الحفاظ على الحد الأدنى من خطوط التفاهم التي يمكن البناء عليها لاحقاً. وقد أبدى الإيرانيون ترحيباً لافتاً بحضور بيرنز كمراقب واعتبروه مؤشراً إيجابياً أمريكياً على رغبة واضحة في استبعاد الخيار العسكري واعتماد الخيار التفاوضي حلاً وحيداً للملف النووي الإيراني الذي لايزال من الناحية العملية يراوح مكانه في ظل إصرار طهران على عدم وقف عملية تخصيب اليورانيوم التي لا يعلم أحد أي مرحلة قطعت وإلى أي شوط وصلت.


في كل الأحوال، فإن قادم الأيام يحمل الكثير من المفاجآت، وحتى هذه اللحظة مازالت إيران تبدو اللاعب الأساسي في العملية برمتها وصاحبة أكبر عدد ممكن من أوراق اللعب رغم كل ضغوط المجتمع الدولي ورغم تصويت روسيا والصين أهم حليفين دوليين لطهران مع قرارات دولية أهمها القرار 1737 الصادر عام 2006 المستند إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي تجنب الخيار العسكري في نفس الوقت واكتفى بفرض عقوبات اقتصادية بدا تأثيرها حتى الآن بسيطا على بلد بحجم إيران.


ومهما قيل عن وجود خطة أمريكية جادة لضرب إيران أو ضرب مفاعلاتها النووية، فإن مثل هذا القرار سيكون أقرب إلى مغامرة غير محسوبة العواقب، فإيران ليست العراق الذي جرى احتلاله بسهولة وهو منهك القوى مدمر الاقتصاد، ناهيك عن أن ضرب العراق واحتلاله كانا أفضل هدية قدمتها الإدارة الأمريكية للنظام الإيراني الذي أصبح اليوم صاحب الكلمة العليا في إدارة شؤون هذا البلد رغم الوجود العسكري الأمريكي ورغم وجود أكبر سفارة للولايات المتحدة في المنطقة فيه.


إذ إن التأثير السياسي الضخم الذي تمارسه طهران اليوم في العراق أصبح من جميع النواحي أهم أوراق القوة للسياسة الإيرانية في المنطقة، وهو ما جعل موقفها في قضية الملف النووي يزداد صلابة وحدة في مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية مع مرور الأيام. لذلك فإن من يرجحون عدم مخاطرة البيت الأبيض بتوجيه ضربة عسكرية لإيران خلال ما تبقى من عهد الرئيس جورج بوش يستندون إلى ضعف المعلومات الاستخبارية الأمريكية عن الأماكن التي ينبغي استهدافها، إضافة إلى ما يمكن أن تجلبه هذه الضربة من دمار على منطقة الخليج، وما سيؤدي إليه ذلك من رد فعل إيراني قد يطال منابع النفط ويغلق مضيق هرمز وينتج عنه بالتالي المزيد من ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى سيؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي.


إلى جانب ذلك كله فإن هناك مخاطر أن تتعرض إسرائيل لهجمات صاروخية إيرانية، ومخاطر أن تتعرض القوات الأمريكية في العراق إلى هجمات من الميليشيات الموالية لطهران.


في المقابل، هناك من لايزال يعتقد بأن هذه الضربة قادمة لا محالة وأن الإدارة الأمريكية قد اتخذت القرار بل وحددت موعدها، وأن ما يجري في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة من انفراجات إنما هو أمر مدروس بغرض تفكيك التحالف الموالي لطهران بدءا من اتفاق التهدئة بين حركة حماس الفلسطينية وإسرائيل واتفاق المصالحة بين حركتي حماس وفتح، مرورا باتفاق تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل، وانتهاء بالانفراجات على الجبهة السورية سواء في ما يخص المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب أو بالانفتاح الفرنسي على سوريا بكل مدلولاته السياسية أو بالتحسن الملحوظ في العلاقات السورية اللبنانية.


لذلك يعتقد بعض المراقبين أن كل ما سبق ليس مصادفة بقدر ما هو تمهيد مدروس للضربة الأمريكية المتوقعة ضد المفاعل النووي الإيراني باعتباره قراراً استراتيجياً أمريكياً وإسرائيلياً على السواء ينطلق من قناعة حاسمة بالحيلولة دون حصول إيران على أي تقنية نووية مهما كان الثمن، خصوصاً أنها ليست من نوع الدول التي تعطي اعتباراً للقرارات الدولية، وهو ما يعني أن الخيار العسكري هو الحل الوحيد. وبين خيار الحل السلمي وخيار الحسم العسكري ستبقى المنطقة على كف عفريت رغم كل المؤشرات الظاهرة لإمكان حدوث تقارب أمريكي إيراني في الفترة الراهنة.


التعليقات

هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.