وضع ايران على خريطة النفط العالمية وتحكمها الجغرافي في مضيق هرمز يجعلان اميركا تفكر الف مرة قبل توجيه ضربة عسكرية

حاملة الطائرات الاميركية "روزفلت"

الخميس يوليو 24 2008 - Maher Al Sheikh

واشنطن - - مع الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار النفط في العالم، تتجه انظار الغرب لمنطقة الشرق الأوسط التي تكتسب أهمية خصوصاً في مجال الطاقة منذ تفوقها على قارة أميركا الشمالية في انتاج البترول منذ عام 1970، وانتاجها لـ 28 في المئة من نفط العالم، فضلا عن احتفاظها بـ55 في المئة من احتياطي النفط الخام، وبالتالي فهي تحظى بثقل كبير في الاقتصاد الدولي تستطيع به التأثير على مجرياته. ولم يكن سعى الولايات المتحدة ورئيسها لدى السعودية وطلبه شخصيا من الملك عبدالله بن عبدالعزيز أخيراً زيادة انتاج المملكة من النفط ومن قبله نائبه ديك تشيني سوى دليل قوي على ذلك، خصوصاً انه يأتي في وقت تتزايد فيه التوترات مع ايران التي تحتل المرتبة الثالثة في العالم من حيث احتياطي النفط، والثانية من حيث احتياطي الغاز الطبيعي (تملك 15.5 في المئة بعد روسيا التي تملك 26.3 في المئة) كما انها ثاني أكبر مصدر للنفط في دول الأوبك، ورابع أكبر مصدر للنفط الخام في العالم.

وتعد القوة النفطية لايران أحد العوامل الرئيسة التي تعرقل ضربها على الرغم من عدائها الواضح لاسرائيل، وهي الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، فضلا عن سعيها لامتلاك طاقة نووية تقول عنها طهران انها للاستخدام السلمي، في حين تقول واشنطن انها لامتلاك أسلحة نووية تهدد بها مصالح أميركا والغرب، بالاضافة الى أجندتها المتناقضة مع الأجندة الأميركية في المنطقة سواء في العراق أو فلسطين.

هذه القوة النفطية للجمهورية الاسلامية كانت مثار قلق في بعض مراكز الأبحاث الأميركية اليمينية المؤيدة لاستهداف ايران عسكريا. وظهر هذا التوجس في بعض الدراسات البحثية كان آخرها دراسة لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى صدرت بعنوان «الطاقة في خطر. . ايران والنفط والغرب» التي عرضها موقع «تقرير واشنطن» الالكتروني ليسلط الضوء من خلالها على قوة ايران النفطية وموقعها الجغرافي الحيوي الذي يجعل العالم يفكر مليا قبل العبث معها. تناولت الدراسة التي أعدها سايمون هندرسون مدير برنامج الخليج وسياسات الطاقة في المعهد، وضع ايران على الخريطة النفطية في العالم وتحكمها الجغرافي في مضيق هرمز الذي يربط خليج عمان بمياه الخليج العربي، الذي يُعد بمثابة شريان نفطي ينقل يوميا 20 في المئة من حاجة العالم النفطية، و40 في المئة من النفط المنقول بحريا، حيث يبلغ اتساعه 34 ميلاً في أضيق نقطة له. وحسب تقديرات وزارة الطاقة الأميركية فان حجم النفط المتدفق يوميا عبر المضيق يتراوح مابين 16.5 الى 17 مليون برميل.

وهكذا فان ايران تفرض نفسها كلاعب رئيس في اقتصاد الطاقة العالمي، فالعالم لا يحتمل تكلفة العبث معها وتكلفة تهديد امدادات النفط المتدفقة يوميا من الشرق الأوسط الى الولايات المتحدة واليابان ودول غرب أوروبا بالاضافة الى بعض الدول الآسيوية. ويتوقع خبراء النفط ان يستغرق اعداد المضيق وفتحه من جديد للعمل مرة أخرى في حيال ضرب ناقلة نفط فيه شهرا على الأقل، لتكون أضرار مثل هذا العطل المتوقع أكبر بكثير من أي فترة سابقة شهدت فيها أسواق النفط اضطرابات بسبب أحداث دولية كبرى مثل حربي يونيو/حزيران 1967، وأكتوبرتشرين اول 1973، وقيام الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، واندلاع الحرب الايرانية العراقية عام 1981، والغزو العراقي للكويت عام 1991، ووقف تصدير العراق للنفط عام 2001، مرورا بالاضرابات الفنزويلية عام 2003، والحرب الأميركية على العراق عام 2003، وحتى اعصاري كاترينا وريتا بالولايات المتحدة عام 2005.

حرب اقتصادية

لكن أين هو مصدر هذا الخطر الذي يهدد مضيق هرمز؟ أشارت الدراسة الأميركية الصادرة عن المركز البحثي المعروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة الموالية لتيار المحافظين الجدد الى تحذير أطلقه المرشد الأعلى للثورة الاسلامية آية الله علي خامنئي في يونيو 2006. فقد قال حرفيا «اذا أقدم الأميركيون على خطوة خطأ تجاه ايران (في اشارة الى عمل عسكري ضد المنشآت النووية الايرانية)، فان عمليات شحن الطاقة ستواجه خطرا بلا شك، ولن يستطيع الأميركيون حماية امدادات الطاقة في المنطقة».

وذكرت الدراسة أيضا ما قاله قائد الحرس الثوري الايراني السابق يحيى رحيم صفوي في خطاب له في أغسطس/آب 2007 عن ان انظمة الصواريخ الايرانية أرض - بحر تستطيع الوصول لطول وعرض مياه الخليج وبحر عمان، وان أي مركب أو قارب لا يستطيع المرور في الخليج بدون ان يكون في مرمى الصواريخ الايرانية، وتعكس هذه التصريحات كما تقول الدراسة نية مبيتة لدى القيادة الايرانية بتهديد الامدادات النفطية حال تعرضها لهجوم عسكري، أو للاحتجاج على السياسة الأميركية أو الدولية قد يتمثل في هجوم عسكري مباشر يتمثل في اعتداء على المصالح النفطية الأميركية والمصالح النفطية لحلفائها في المنطقة أيضا، أو استهداف القواعد العسكرية الأميركية أو أي وجود أميركي في المنطقة. واعتبرت الدراسة ان البحرين هي أكثر الدول الخليجية عرضة لهذا الهجوم نظرا لان غالبية سكانها من الشيعة ولوجود مقر قيادة الأسطول الخامس البحري بها.

أما الخيارات غير العسكرية فتشمل وقف الصادرات النفطية للجمهورية الاسلامية لفترة ما، أو تخريب منشآت نفطية في دول خليجية، كما يمكن ان تتدخل طهران على سبيل المثال لدى دول أخرى للتأثير على تدفق صادراتها النفطية في حملة دبلوماسية أو تجارية، أو ان تستهدف سفنا حربية أميركية وغربية تُحاول حماية تجارة النفط سواء عن طريق عمل عسكري بحري مباشرأوعمليات تخريب تجرى عن طريق البر. وفي جميع الأحوال لا شك ان سوق النفط سيتأثر لترتفع أسعار براميل البترول أكثر فأكثر.

مارد كامن

والسؤال التالي هو هل تستطيع إيران بالفعل إعاقة حركة النفط في المضيق؟

يرى العديد من المسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية ان طهران قادرة على غلق مضيق هرمز اذا رغبت في ذلك. وتقدر الدراسة حجم القوات البحرية في الحرس الثوري الايراني بما يزيد عن 20 ألف جندي بينهم خمسة آلاف من المشاة مهمتهم حماية الساحل الايراني، وذلك مقابل 18 ألف جندي في البحرية الايرانية و2600 جندي مشاة بالاضافة الى ست غواصات وثلاث سفن حربية وأربع كاسحات ألغام وثلاثة عشر سفينة رأسية في مياه الخليج. وفي شهادة له أمام مجلس الشيوخ في فبراير 2005، قال الأدميرال لويل جاكوبي من جهاز المخابرات التابع لوزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون» ان استراتيجية ايران لغلق مضيق هرمز تعتمد على القوات البحرية والجوية بالأساس وبعض القوات البرية مستعينة بانظمة صواريخها وغواصاتها.

مزيد من العقوبات

وفي حال اقدام ايران على الهجوم العسكري المباشر أو تخريب منشآت نفطية في دول خليجية فان ذلك سيثير ادانة دولية من مجلس الأمن على الصعيد الدبلوماسي تتبعها اجراءات صارمة مثل تغليظ العقوبات الاقتصادية والمالية ضد الجمهورية الاسلامية تكون واشنطن من أولى الدول الساعية الى تنفيذها. وقالت الدراسة في معرض بحثها لخيار فرض المزيد من العقوبات على ايران انها لن تستطيع تحملها بحجم سكانها الذي يصل الى 66 مليون، واقتصادها الضعيف خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث تنتج الجمهورية الاسلامية اليوم 3.8 مليون برميل وهو أقل من ثلثي الانتاج الذي كانت عليه قبل قيام الثورة الاسلامية في الوقت الذي تزايد فيه الاستهلاك لأكثر من الضعف.

وكان وزير النفط الايراني قال انه من دون المزيد من الاستثمارات للحفاظ على الحقول النفطية الايرانية، فان حجم الانتاج سينخفض بمقدار نصف مليون برميل سنويا، وهو ما أشارت اليه دراسة أميركية عام 2006 اذ قالت ان عائدات النفط الايرانية تشهد انخفاضا ملحوظا قد تختفي معه تماما بحلول عام 2015. ولهذا تسعى الحكومة الايرانية التي تنتمي للتيار المحافظ الى توطيد علاقاتها الثنائية مع دول وشركات أجنبية لتقويض أي عقوبات تستهدف عزل ايران دوليا للضغط عليها لتغيير سياستها النووية.

أما على الصعيد العسكري فانه من المؤكد ان هذا التحرك الايراني سيستدعى ردا أميركيا أو حتى دوليا قاسيا قد يستهدف القدرات النفطية الايرانية مثل «جزيرة خرج» التي استهدفتها القوات العراقية ابان الحرب، لكن يظل أي هجوم من هذا النوع محفوف بالمخاطر لانه سيؤدى الى تفاقم أزمة الطاقة في العالم، كما انه في حالة نجاح ايران في امتلاك أسلحة نووية فان المجالين الجوي والبحري سيكونان مستبعدين تماما من الأجندة الأميركية.

البحث عن بدائل

وفي معرض توصياتها، رأت الدراسة ان محاولات خفض استهلاك الوقود في الولايات المتحدة أو محاولات الاستقلال عن نفط الشرق الأوسط لن تجدي نفعا، الا اذا حدث تحول تكنولوجي يسمح بذلك. واقترحت الدراسة صناعة وتطوير طرق وخطوط نفطية بديلة عن مضيق هرمز في ظل توقعات وكالة الطاقة الدولية ان يزيد اعتماد العالم على امدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط في المستقبل ليمر 30.5 في المئة من طلب العالم من النفط يوميا عبر مضيق هرمز بحلول عام 2030. وفي هذا الصدد، أشارت الدراسة الى اعتزام الامارات بناء خط انابيب نفطي يربطها في منطقة الفجيرة على خليج عمان ويستطيع نقل مليون ونصف برميل يوميا وهو المشروع الذي طرح العام الماضي لكن عمان عرقلته على حد قول الدراسة لعدم رغبتها في اغضاب ايران. ومن المتوقع ان تنتهي شركة المقاولات الصينية من المشروع في العام القادم. كما تشير الدراسة الى امكانية بناء خط آخر يربط بين المدن السعودية وساحل البحر الأحمر.

أضف تعليقاً جديداً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق