10-08-2013
مركز المغرب يتراجع في مجال حرية التعبير بسبب غياب الضمانات الدستورية والقانونية وتزايد الانتهاكات (2 من 2)
تونس – خاص بـ
من رشيد خشانة - إذا ما نظرنا إلى حرية الصحافة في المغرب من زاوية الحق في الإعلام نلحظ أن مشروع القانون المتعلق بالحق في الوصول إلى المعلومة الصادر اخيراً تضمن في المادة 19 عددا كبيرا من الاستثناءات، وهو يضع العراقيل أمام ممارسة هذا الحق المنصوص عليه في البند 27 من الدستور. ولاحظ خبراء قانون مغاربة هذا المشروع، نجد أن استثناءات الدفاع الوطني والأمن القومي الداخلي والخارجي يتم ذكرها بصفة عامة غير محددة ولا مشروطة، ومن دون أي ربط مع وجود خطر أو ضرر لأمن البلاد، فيصبح الحق في المعلومة مصادَرا بصفة شاملة وتغيب الشفافية ويظل التعتيم مُهيمنا هيمنة مطلقة على مجالات واسعة ليس لها علاقة من قريب أو بعيد باحتمال المساس بالاعتبارات الأمنية.
وأتت المذكرة التي تقدمت بها اخيراً جمعية "عدالة" بالاشتراك مع عدد من المنظمات الحقوقية في المغرب والاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر صحفي عقدته بالرباط، متسقة مع هذا المنظور، إذ اعتبرت رئيسة الجمعية جميلة السيوري خلال تقديمها للمذكرة أن هذه الوثيقة جاءت في إطار مقاربة تشاركية بين الجمعية والأطراف المحلية الفاعلة في مجال الإعلام بما فيها الصحافة الإلكترونية، وهي تسعى لتعزيز ما وصفتها بحرية الصحافة والحق في الحصول على المعلومة. وقال سعيد خمري عضو المكتب التنفيذي لجمعية "عدالة" إن المذكرة تحاول تقديم مقترحات لتجاوز الاختلالات القانونية التي رأى أنها تحد من حرية ممارسة الصحافة في المغرب.
هيمنة السلطات على الإعلام
في هذا السياق أيضا يندرج التشخيص الذي قامت به الباحثة عائدة العلمي في مقال نشرته في صحيفة "نيويورك تايمز"، وتعرضت فيه لهيمنة السلطات على الإعلام في المغرب، مُستدلة بأن "القناة الثانية للتليفزيون (دوزيم) تتأثر بشكل كبير بالديوان الملكي، لاسيما بالمستشار المقرب من الملك فؤاد عالي الهمة، العدو اللدود للإسلاميين خلال العقد الأخير". كما أوردت رأيا ليوسف بلال مفاده أن "صناعة الإعلام تئن تحت وطأة المناورات بين الإسلاميين (حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي) ومحيط القصر من أجل مراقبة الإعلام".
ثمة فرصة لاحت مع إنهاء "اللجنة العلمية للحوار والتشاور حول مشروع مدونة الصحافة والنشر" عملها منذ أكثر من ثلاثة أشهر. وحسمت اللجنة بعد اجتماعات متكررة التوجهات الكبرى المتعلقة بقانون الصحافة والنشر والقانون الأساسي للصحفي المهني وقانون الصحافة الإلكترونية وتشكيل المجلس الوطني للصحافة، في انتظار إقرار القوانين والإجراءات المرتبطة بالمشروع بعد اعتماد مجلس الوزراء لها والمصادقة عليها في البرلمان. والجدير بالذكر أن مطالب تخص إنشاء قنوات تليفزيونية خاصة مازالت مُجمدة منذ سنة 2008 بسبب المنافسة بين رجلين قويين في محيط الملك، هما منير ماجدي وفؤاد عالي الهمة بحسب مصادر مطلعة. كما أن ملف الانتقال إلى التليفزيون الرقمي الأرضي مازال مُجمدا هو الآخر رغم أن آخر أجل لتلك النقلة هو حزيران (يونيو) 2015. والنتيجة أن الخبراء يتوقعون أن ينتقل المغاربة بالكامل نحو التقاط البث الفضائي مع انتهاء البث التليفزيون الهيرتزي، فيما لا تتعدى نسبة البيوت المغربية المُجهزة بالتليفزيون الرقمي الأرضي حاليا 4.2 في المئة من البيوت طبقا لإحصاءات 2012.
غياب الضمانات الدستورية والقانونية
وتندرج هذه المعوقات في إطار العقبات التي تُعرقل انتقال المغرب إلى مرحلة مأسسة التعددية وتكريس الحق في الوصول للمعلومة، وهو ما طالبت به كثير من هيآت المجتمع المدني، ومنها الجمعية المغربية لحقوق الانسان التي سجلت في البيان الذي أصدرته بمناسبة اليوم الوطني للإعلام "غياب الضمانات الدستورية والقانونية والعملية لممارسة الحق في الوصول إلى المعلومة رغم تنصيص الدستور عليها (...) وتردي أوضاع الإعلام المسموع والمرئي واستمرار الدولة في تجاهل مطالب الحركة الحقوقية والديموقراطية بشأن تطوير الإعلام العمومي وتخليصه من الرداءة والاحتكار وهيمنة الفكر الواحد لجعله خدمة عمومية".
قصارى القول أن تداعيات الربيع العربي أشاعت في المنطقة بأسرها مناخ الحرية ووضعت مسألة حرية الإعلام على رأس جدول الأولويات في أرجاء العالم العربي، وخاصة البلدان التي لها تراث من المكاسب في هذا المضمار مثل المغرب. وإذا كان التعديل الدستوري الذي عرفه المغرب في سنة 2011 امتص بعض المطالب المتعلقة بالحريات، فإن النخب مازالت تتمسك بالإصلاح المنظومي الشامل الذي من شأنه إرساء سلطة رابعة مستقلة ومُحصنة بما يكفي من الحقوق والضمانات الدستورية.
(انتهى)






