الانحياز حتى ضد معنى النكبة
عدا عن قلة من رؤساء دول العالم هم الرئيس الاميركي جورج بوش وثلاثة من رؤساء دول لا وزن لها ولا ثقل يذكر على الصعيد الدولي، فان الاغلبية الساحقة من زعماء العالم لم يشاركوا في احتفالات اسرائيل بالذكرى الستين لقيامها ليس لان علاقاتهم مقطوعة مع الدولة اليهودية، بل لأن معظمهم يدرك ان هناك جانبا آخر من الرواية يتعلق بمأساة الشعب الفلسطيني وبقضيته التي لم تجد بعد الحل العادل حتى مع مرور ستين عاما على نكبة 1948.
وليس من شأن الفلسطينيين ولا من طبعهم او اخلاقياتهم ان يوجهوا اللوم او العتب لمن يريد مشاركة الاسرائيليين هذه المناسبة فهذه مسألة تتعلق بالقناعات والتوجهات الذاتية والسياسية الا ان ما يحز فيه نفوسهم هو تجاهل او تناسي حقيقة بدهية وهي ان قيام اسرائيل انما جاء على انقاض المأساة الفلسطينية وما حل بالشعب الفلسطيني من تشريد وتدمير لاحلامهم في الحرية والاستقلال وظهور فلسطين كدولة موحدة بكل طوائفها ومدنها وقراها وهو ما حدث في الاقاليم العربية وغير العربية الاخرى التي وضعتها عصبة الامم تحت الانتداب البريطاني او الفرنسي.
وتردد وسائل الاعلام والمسؤولون في اسرائيل ان الفلسطينيين رفضوا قرار التقسيم عام 1947 وبهذا وفقا للمنطق الاسرائيلي المذكور، فانهم يتحملون جانبا من المسؤولية عن النكبة التي حلت بهم وتتناسى هذه الوسائل واولئك المسؤولون ان القوى الدولية الكبرى آنذاك وقفت مساندة لمشروع اقامة اسرائيل ولتنفيذ وعد بلفور المشؤوم وان هدف الفلسطينيين كان استقلال فلسطين وتمتع كل سكانها عربا ويهودا مسلمين ومسيحيين بالمواطنة والحقوق المتساوية كسائر الدول والشعوب على سطح هذا الكوكب.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الفلسطينيون هم الذين بدأوا هذا النزاع المزمن واستمروا في تنفيذ مشروعهم بالقوة المسلحة والنفوذ الدولي الواسع؟ ان الذي حدث قبل النكبة وبعدها والى اليوم ان الجانب الاخر هو الذي وضع الاساس لاقامة دولته منذ بدء الانتداب البريطاني متجاهلا الوجود الفلسطيني والحقوق الفلسطينية وتجاوز القرارات والتوصيات المتعددة بما في ذلك قرار التقسيم لعام 1947 وقرار مجلس الامن الدولي242 فضلا عن القرار 194 المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وتعويض من لا يرغب منهم بالعودة.
وفي الوقت الذي تمتلىء فيه وسائل الاعلام الاسرائيلية والدولية بأخبار الاحتفالات بالذكرى الستين لاقامة اسرائيل فان النكبة الفلسطينية يتم تجاهلها على الصعيد الدولي وكم كان موقف الادارة الاميركية سيبدو متوازنا لو ان الرئيس بوش وجه التفاتة ولو رمزية لمشاعر الشعب الفلسطيني الذي يحيي ذكرى نكبته ، النكبة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا في مأساويتها ولو انه اشار الى هذه النكبة خلال زيارته الحالية الى المنطقة او لو انه كما اقترحت هذه الصحيفة في هذه الزاوية قبل يوم من وصوله قام مثلا بزيارة الى مخيم او اكثر من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية.
ويعرف رجل الشارع في فلسطين والعالم العربي والاسلامي الروابط الاستراتيجية المتينة بين الولايات المتحدة واسرائيل الا ان معنى النكبة وابعادها يدخلان في نطاق التعاطف الانساني الذي هو خاصية مشتركة بين البشر. وتتباهى الحضارة الغربية بهذه الاحساسيس الانسانية التي جسدتها الثورات في دول مثل فرنسا عام 1778 وفي الولايات المتحدة عام 1776 واصبحت جزءا من دساتير هذه الدول وتراثها الثقافي.
ومن هذا المنطلق فقد يفهم الانسان او يحاول ان يفهم دواعي الانحياز الغربي والاميركي الى اسرائيل لكنه يقف عاجزا بكل تأكيد امام ظاهرة الانحياز من مفهوم ومعنى النكبة التي وقعت لشعبنا قبل 60 عاما وما زالت آثارها ومضاعفاتها مستمرة حتى يومنا هذا.











التعليقات
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟