ACPC:  0.48   AHC: 0.84   AIB: 1.62   AIE:  1.15   AIG:  1.3   AMB: 0.93   APC:  0.98   ARAB: 0.75   ARE:  0.6   AZIZA: 1.01   BOP:  3.98   BPC:  4.41   CBP: 0.93   GMC: 0.94   HOTEL: 1.94   IID: 0.76   JCC: 3.62   JPH:  5.25   JREI: 1.1   LADAEN: 0.6   MIC: 0.65   NCI:  0.42   NIC:  4.38   PADICO: 2.7   PALTEL:  7.35   PEC: 1.02   PIBC: 1.64   PID: 1   PIIC: 0.74   PLAZA: 0.62   PRICO:  0.94   QUDS: 1.04   UCI: 0.76   VOIC: 2.22   WASSEL:  0.99   TRUST: 4   NSC:  0.75   DOW JONES INDUSTR:  11496.6   NASDAQ COMPOSITE:  2282.78   FTSE 100:  5376.4   CASE 30 INDEX:  9356.25   USD to EUR: 0.6309   USD to GBP: 0.5005   USD to ILS: 3.404   JOD to ILS: 4.8123   EUR to ILS: 5.3955   

النّزعات الإقصائية وراء أزمات لبنان

الجمعة مايو 16 2008 - رغيد الصلح

«السلم لا يجتمع مع سياسة الاقصاء. ذلك هو الدرس الذي تعلمناه خلال الثلاثين سنة المنصرمة». هذا ما جاء في مقال افتتاحي لصحيفة بلد عانى من الانقسامات الدينية ومن العنف والاحقاد. المقال لم يعبر عن رأي صحيفة لبنانية بل عن قناعة صحيفة بريطانية هي «ذي دايلي تلغراف». والدرس الذي تعلمته اهم صحف اليمين البريطاني كان حصيلة تجارب بريطانيا في ايرلندا الشمالية حيث استنزف الصراع بين البروتستانت الموالين لبريطانيا، وبين الكاثوليك المطالبين بالانضمام الى جمهورية ايرلندا، دماء المواطنين وحوّل بلفاست عاصمة ايرلندا الشمالية الى موطن للبؤس والشقاء والاقتتال الدامي. ولقد سعت اطراف بريطانية ودولية كثيرة الى انهاء هذا الفصل القاسي والمظلم من تاريخ ايرلندا الحديث، الا ان هذه الجهود لم تفلح الا عندما اقتنع الجميع بضرورة الخروج من سياسة الاقصاء وعقلية الاقصاء والعقائد الاقصائية.

الدرس الذي تعلمته الصحيفة البريطانية النافذة والقريبة الى المؤسسة الحاكمة حفظه لبنانيون كثيرون عن ظهر قلب، وخبروا حسناته، وجربوا بالملموس مضار التخلي عنه. وادرك لبنانيون كثيرون، خلال قرن من الزمن تقريبا، شرور السياسة الاقصائية ومضارها المحققة. فهذه السياسة التي طبقت بدقة وصرامة خلال فترات من تاريخ لبنان، كانت السبب الرئيسي في تحول التنوع المجتمعي اللبناني الى انقسامات فئوية حادة واقتتالات دموية. وفيما ادرك فريق من اللبنانيين هذا الدرس الثمين والحكمة الغالية، وسعوا الى الاخذ بهما والى ترجمتهما الى واقع معاش والى مواقف، فإنه يبدو أن ذلك فات اصحاب الشأن والقرار ومالكي الحكم والشارع وقادة كثيرين في الاكثرية والمعارضة. فنحن اليوم نقف امام احتمالات رهيبة نتيجة عدم التسلح بالعقل وممارسة السياسات الاقصائية.

تتجلى السياسة الاقصائية التي تدفع لبنان نحو حرب اهلية جديدة في مظاهر كثيرة. من ابرز هذه المظاهر الاتهامات بالخيانة والعمالة التي يتبادلها قادة الاطراف السياسية النافذة. قادة الاكثرية يتهمون المعارضة بأنها اداة في خدمة محور اقليمي ايراني - سوري. أما قادة المعارضة فإنهم يتّهمون الأكثرية الحاكمة بأنها أداة طيعة في خدمة الادارة الاميركية، واحيانا اسرائيل.

قبل ان تنفتح الازمة الراهنة على مصاريعها، كانت هذه الاتهامات المتطايرة والمتبادلة تطال «بعض» الاطراف في المعارضة والاكثرية، وكان اصحاب هذه الاتهامات يوجهونها الى الفرقاء الآخرين، على هامش السجال السياسي المحتدم. اليوم باتت هذه الاتهامات تطال فريقي الصراع من دون تمييز، وانتقل اصحابها من استخدامها تلميحا الى كيلها تصريحا الى الطرف الآخر.

الاتهام بالخيانة والعمالة تحوّل الى حكم نهائي غير قابل للنقض او المراجعة او التمييز، واصبح الاساس في تحديد المواقف وبناء السياسات تجاه الاطراف الاخرى، واستطرادا رسم الاستراتيجيات التي تؤثر على مصير لبنان وربما ما هو اكثر من لبنان. انها العامل الحاسم في تقرير مصير لبنان واللبنانيين: تشظ وتشطير أم وحدة ترابية ووطنية؟ حرب ام سلم؟ حرية وتحرير، أم ذل وعبودية؟ اخيرا لا آخرا، نظام ديموقراطي تعددي أم إقصائي استئثاري؟

الاتهام بالخيانة والعمالة هو تهمة جدية لا يجوز استخدامها بخفة، بخاصة عندما تكون موجهة من قبل قيادات تمثل - شئنا أم أبينا - نصف اللبنانيين - الى قيادات - نقبلها او نرفضها - تمثل النصف الآخر منهم. الحدود الفاصلة بين الخيانة والوطنية ينبغي ان ترسم بدقة شديدة ووفقا لمعايير تعبر عن خيار اللبنانيين وليس عن رغبات فريق منهم. ومتى رُسمت هذه الحدود واتضحت الاسس التي قامت عليها، فإنها تصبح هي الفيصل وهي المحك الذي يجب أن يستند اليه في تقييم مواقف الاطراف السياسية المتخاصمة.

عندها لن يسمح لفريق من اللبنانيين او من غير اللبنانيين ان يوزع الاتهام بالخيانة وبراءات الوطنية بصورة عشوائية ووفقا للمصالح السياسية العابرة والفئوية. وعندها لن يسمح ان تكال هذه الاتهامات كمبرر لانتهاج سياسة الاقصاء وما يتأسس عليها من اضطهاد وتنكيل. وعندها يكون من الطبيعي ان ينال الخائن والعميل ما يستحقه وما تقرره المؤسسات الوطنية من عقاب، فالعميل والخائن ليس خصما سياسيا وليس صاحب اجتهاد. العميل والخائن هو خارج على القانون وعلى دستور البلاد، وهو لا يعامل بمقاطعته او بعزله او بالتوقف عن التعاون معه، بل بإحالته الى المحاكم كي تبت بأمره وتصدر بحقه الحكم المناسب.

التاريخ يدلنا على ان الخيانة لم تكن هي السبب الحقيقي وراء سياسة الاقصاء، بل العكس هو الصحيح، اي ان الاصرار على سياسة الاقصاء التي انتهجها اصحاب الامر في فترات من تاريخ لبنان كان وراء توجيه الاتهام بالخيانة والعمالة للفرقاء الآخرين. فخلال الجمهورية اللبنانية الاولى جوبه المطالبون باستقلال لبنان وبإنهاء الانتداب الفرنسي بتهمة التبعية لسورية. واستمرت هذه التهمة الى درجة ان صحيفة كانت تؤيد الانتداب الفرنسي انتقدت اسناد احدى الرئاسات الى زعيم لبناني استقلالي بحجة انه كان سورياً، وانه لم يصبح لبنانيا الا قبل ستة اسابيع من توليه ذلك المنصب.

الا ان التاريخ اثبت ان الحافز الى اطلاق مثل هذه الاتهامات لم يكن الرغبة في تأكيد لبنانية الزعامات الاستقلالية بمقدار ما كان التمسك بسياسة اقصاء هذه القيادات ومن تمثل من اللبنانيين عن الحياة العامة. وفي التاريخ اللبناني الحديث انتقدت بعض الاطراف الاقصائية التوجه اسناد منصب رئاسي الى زعيم لبناني بحجة انه يحمل جنسية دولة اخرى عربية.

وفي الفترة الانتدابية من تاريخ لبنان ايضا اتهمت قيادات كثيرة، ومعها من كانت تمثله من قاعدة شعبية كبيرة، بأنها كانت تنفذ ارادة فرنسا ومشاريعها في لبنان والمنطقة. الا ان الاحداث المتوالية التي شهدها لبنان دلت على خطأ تلك التقييمات. فلبنان لم يكن ليستقل لولا الدور الذي اضطلع به زعماء مثل بشارة الخوري وكذلك البطريركية المارونية في المطالبة بالحرية وبإنهاء نظام الانتداب الفرنسي.

وحتى عندما كان زعماء لبنانيون يؤيدون فرنسا ووجودها في الشرق، فإن كثيرين منهم فعلوا ذلك تحت وطأة الشعور بالخوف والقلق على المصير وليس نتيجة نزعة اقصائية متأصلة، كما يقول الكاتب اللبناني الكبير اسعد داغر في ذكرياته عن نضال اللبنانيين الاستقلالي.

اذا ارادت النخبة السياسية الحالية ان تنقذ لبنان من محنته وان توقف انزلاقه الى الهاوية، فإن الطريق الى ذلك يبدأ بالتخلي عن النزعة الاقصائية التي تستبد ببعض اطراف اللعبة السياسية وان تبتعد عن تبرير هذه النزعة عبر اطلاق الاتهام بالعمالة للخارج الاقليمي او الاجنبي بأسلوب متعسّف يتسم بالخفة، في حين ان الوطن يواجه مصيراً مظلماً وخيارات قاسية.

أضف تعليقاً جديداً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق