شيفرة شاليط... والحل الممكن
من يتابع الجدل الداخلي الإسرائيلي حول قضية التهدئة في غزة وقضية الجندي الإسرائيلي الأسير لدى «حماس» لن يفاجأ من موقف القيادات الإسرائيلية التي التقاها الوزير عمر سليمان الذي يبذل كل جهد ممكن من اجل التوصل إلى اتفاق تهدئة ربما يشكل بداية انفراج للوضع السياسي و الإنساني و الأمني الذي يسود القطاع.
الموقف الإسرائيلي الذي سمعه الوزير سليمان هو عدم إمكانية القبول بالتهدئة دون أن يتم إنهاء قضية الجندي شاليط. هذا الموقف هو في حقيقة الأمر نتاج للجدل الداخلي الإسرائيلي حول الموقف من التهدئة في غزة و كذلك كيفية التعاطي مع قضية الجندي الأسير لدى حماس الذي تجرى مفاوضات عبر الشقيقة مصر لمبادلته بأسرى فلسطينيين.
هذه المفاوضات بطبيعة الحال مرت بمراحل عدة، فكانت هناك لحظات من التفاؤل بان الصفقة أصبحت في متناول اليد، و هناك لحظات يأس و قطيعة و طريق مسدود. ولكن ما هو مهم أن هناك رغبة و مصلحة لدى الطرفين بضرورة إنهاء هذا الملف، الخلاف هو على الثمن الذي يجب أن تدفعه إسرائيل من اجل إطلاق سراحه. على الرغم من ذلك هناك ثلاثة مواقف إسرائيلية مختلفة حول كيفية التعاطي مع قضية شاليط وهي:
أولا: موقف المخابرات الإسرائيلية الذي يعبر عنه رئيس جهاز الشاباك يوفال ديسكن الذي يعارض إطلاق سراح اسرى فلسطينيين، و خاصة الخطيرين منهم و عارض بشدة تغيير معايير الإفراج عن الأسرى. منطق الأمن هو ليس بجديد و هو يستند إلى أن الاستجابة لمطالب حماس و التنظيمات الفلسطينية سيشجع على تنفيذ عمليات اسر أخرى، هذا من حيث المبدأ، أما من الناحية العملية المباشرة فأن إطلاق سراح اسرى وخاصة الخطيرين منهم حسب التصنيف الإسرائيلي و الذي يعتبر «الشاباك» أنه بذل جهدا كبيرا من اجل اعتقالهم سيشكل خطرا حقيقيا على حياة الإسرائيليين وحافزا لآخرين للسير على نفس الطريق. هذا هو الموقف التقليدي لجهاز الأمن الإسرائيلي في حالات التبادل السابقة. ولكن هذا الموقف بطبيعة الحال غير ملزم للقيادة السياسية صاحبة الصلاحية باتخاذ القرار الذي تراه مناسبا، سيما أن الشاباك حتى الآن اخفق في إيجاد حلول بديلة.
ثانيا: موقف الجيش الإسرائيلي الذي يختلف بشكل كامل عن موقف «الشاباك»، ويرى الأمور من زاوية مختلفة. الجيش و قيادته يشعران بمسؤولية مباشرة عن مصير الجندي و بالتالي يعتبر أن إعادته إلى أهله سالما هو هدف مقدس بحد ذاته و بغض النظر عن الثمن الذي ستدفعه إسرائيل، لذلك عبر رئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي عن موقفة الداعم لإجراء عملية التبادل و عدم التشدد في قائمة الأسرى التي قدمتها «حماس»، و بخلاف موقف ديسكن، اشكنازي دعم قرارات اللجنة الوزارية التي ناقشت تغيير معايير الإفراج لتسهيل مهمة رئيس طاقم المفاوضات الإسرائيلي عوفر ديكل.
موقف الجيش ينطلق من قاعدة أساسية في ثقافة الجيش الإسرائيلي التي مارسها على مدار عشرات السنين انه في حال وقوع جندي في الأسر يجب على الدولة أن تبذل كل جهد ممكن من اجل إعادته، و هي نفس القاعدة التي تقوم على عدم ترك جندي جريح في المعركة حتى و أن أدت محاولة إنقاذه إلى سقوط أو جرح جنود آخرين. لهذا، فان الجيش الإسرائيلي الذي لا يملك حتى الآن أي حل عسكري لإعادة جلعاد شاليط الى أهلة يدعم بشدة و بدون تحفظ إجراء عملية التبادل حتى و أن كان الثمن مؤلم بالنسبة إلى إسرائيل.
ثالثا: موقف القيادة السياسة و المتمثل برئيس الوزراء و مجلس الوزراء الذي يحاول أن يوازن بين المخاطر الأمنية التي يحذر منها جهاز الشاباك و بين الضوء الأخضر الذي يعطيه الجيش لإتمام الصفقة، إضافة إلى الاعتبارات السياسة الأخرى التي قد تترتب عن هذه الخطوة في حال نجاحها.
هذا يعني أن القيادة السياسة التي تتفاوض مع حماس بشكل غير مباشر من خلال مصر على استعداد لتنفيذ الصفقة بكل ما تحمل من مخاطر سياسة و أمنية، وفقط الخلاف هو على الثمن الذي يجب أن يدفع من اجل إتمامها.
تقديرات هذه القيادة أن حماس معنية في إنجاح أو تثبيت التهدئة في الوقت الراهن على الأقل، و خاصة ما سيترتب عليها من فتح للمعابر و فك للحصار الذي حول حياة أهل غزة إلى جحيم لا يطاق. لهذا ربطت بين قضية شاليط و الموافقة على المبادرة المصرية. بكلمات أخرى الرسالة التي أوصلتها إلى الوزير عمر سليمان أن أي تهدئة لا يمكن لها أن تكون أو تدوم دون حل قضية شاليط، و إن فتح المعابر غير مرتبط فقط بوقف العمليات العسكرية ووقف التهريب و التسليح بل أيضا بإعادة جلعاد شاليط.
الموقف المصري يدفع باتجاه تثبيت التهدئة الذي من شأنه أن يوفر أجواء أكثر ايجابية لإتمام الصفقة.
قيادة «حماس» التي يجب أن تقرر في هذا الأمر في وضع لا تحسد عليه و حالها كمن يسير في حقل ألغام، الخروج منه بحاجة إلى مهارة عالية و أيضا الكثير من الحظ. هذه القيادة تدرك أنها لا تستطيع أن توافق على صفقة لا تحقق لها الانجاز المطلوب و الذي يساوي حجم المعاناة و الأذى الذي لحق بالشعب الفلسطيني كنتيجة مباشرة لاسر شاليط، و لكن و بالدرجة الأساسية تبحث عن صفقة تتناسب بحجم الآمال الذي يعقدها ما يقارب عشرة آلاف أسير و أسيرة مع ذويهم الذي يأمل كل واحد منهم أن يكون جزءا من هذه الصفقة، خاصة أولائك المحكومين بالإحكام المؤبدة و الذي ليس لهم أمل بالإفراج إلا في سياق عملية تبادل أسرى و في ظروف من هذا النوع.
الضغط ليس قليلا على قيادة «حماس» بأن لا تضيع هذه الفرصة دون استغلالها إلى أقصى حد ممكن حيث جاءت بعد عشرات المحاولات لأسر جنود إسرائيليين و مبادلتهم بأسرى فلسطينيين.
و السؤال هو ما هو الحد الأقصى الذي تستطيع إسرائيل أن تقبل به، و ما هو الحد الأدنى الذي يشكل بالنسبة لحماس صفقة ناجحة، مشرفة، و تشكل انجازا وطنيا و سياسيا؟ إلى أي مدى يمكن شد الحبل دون أن ينقطع ولكي لا تصبح هذه الورقة الرابحة بدون قيمة أو فائدة؟
استطيع أن أتخيل أن هناك اجتهادات داخل قيادة حماس حول كيفية التعاطي مع العروض الإسرائيلية، أو ما وافقت علية حتى الآن، و كل وجهة نظر بلا شك تحمل من الوجاهة و المنطق ما يكفي، في نهاية المطاف إذا ما قدر لهذه الصفقة أن تتم ومهما كانت عظيمة فلن تستطيع إطلاق سراح كل الأسرى وحل قضية الجميع، حيث قضية الأسرى ستبقى ما دام الاحتلال موجود.
وفي تقديري أن الحد الأدنى لصفقة ناجحة و ممكنة في نفس الوقت يجب أن يشتمل على العناصر التالية:
أولا: إطلاق سراح الأسرى القدامى، و المقصود هنا الأسرى الذين مضى على اعتقالهم حوالي خمسة عشر عاما. عددهم حوالي ثلاثمائة و خمسون أسيرا وهم من كافة الفصائل.
ثانيا: إطلاق سراح الأسيرات و الأشبال و عددهم حوالي مئتي أسيرة و أسير.
ثالثا: إطلاق سراح المرضى و المسنين وعددهم بالعشرات.
رابعا: إطلاق سراح أعضاء المجلس التشريعي و الوزراء السابقين و قيادات الفصائل وعددهم أيضا بالعشرات.
وحتى الآن و حسب ما يتردد في محافل كثيرة فأن إسرائيل ليس لديها مشكلة بقبول كل هذا، و لكن ما يعيق الصفقة هو الرفض الإسرائيلي للقائمة التي قدمتها «حماس» و التي تشتمل على إعداد كبيرة من الأحكام العالية أو الأسرى الخطيرين حسب المواصفات الإسرائيلية. هذه القائمة تشتمل على أربعمائة وخمسين أسيرا، وافقت اسرائيل على حوالي تسعين أسير منها.
الخلاف على هذه القائمة قد يستمر لسنوات و قد تتغير الظروف بحيث تضيع الفرصة على مئات الأسرى وخاصة القدامى منهم و الذين مضى على بعضهم أكثر من ثلاثة عقود. و بالمقابل إذا ما تمت الصفقة بما هو معروض حتى الآن قد تضيع الفرصة، التي الله اعلم متى تتكرر، على مئات الأسرى يكاد أن يشكل لهم شاليط الأمل الوحيد.
لا يوجد أوراق مخفية للعبة، فإسرائيل تعرف ماذا تريد حماس، و حماس تعرف جيدا أهمية إتمام الصفقة و إبعادها السياسة و الوطنية، وإسهامها في تغيير الظرف في القطاع و المناخ السياسي بشكل عام.
و السؤال هو إلى أي مدى يمكن التوصل إلى منتصف الطريق و إتمام الصفقة. الأسابيع القادمة بلا شك ستكون حاسمة.
بقلم: د. سفيان أبو زايدة
وزير شؤون الاسرى الاسبق، مختص في الشؤون الاسرائيلية








أضف تعليقاً جديداً