ستون عاماً.. نحتفل بالنكبة وإسرائيل تحتفل بالنصر

الخميس مايو 15 2008 - صلاح الدين حافظ

اليوم تكتمل ستون عاماً كاملة منذ نكبة فلسطين وقيام إسرائيل في 15 أيار 1948. ستون عاماً مرت كلمح البصر، لكنها حملت في الحقيقة كل مرارات التاريخ، وامتلأت بأغزر دماء الضحايا، وازدحمت بقليل من الانتصارات وكثير جداً من الانكسارات.

بهذه المناسبة تقيم إسرائيل أضخم احتفالات في تاريخها، دعت إليها نحو 60 من كبار الزعماء ورؤساء دول العالم، لتقول لهم ولنا ولكل العالم، إن اسرائيل التي كانت حلماً هائماً في ضباب الخيال، أصبحت أقوى دولة في الشرق الأوسط وخامس قوة نووية في العالم، ورغماً عن كل الحروب والانتهاكات الملتصقة بها.

وبالمقابل، نحتفل نحن العرب بالذكرى الستين للنكبة، مكتفين برفع الرايات السود وإطلاق الشعارات الصاخبة في المظاهرات الأكثر صخباً، خجولين بالطبع من مجرد محاولة المقارنة، بين ما فعلته إسرائيل عبر ستة عقود، وما فعلناه نحن بالأرض السليبة والتاريخ الضائع والإنسان المقهور.

رفضنا قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود عام 1949 لكننا الآن أمام توسع إسرائيلي هائل، احتل كل فلسطين واحتل الجولان السورية وبعضاً من جنوب لبنان، وظل يحتل سيناء المصرية حتى استعادتها مصر وفقاً لاتفاقية كامب ديفيد عام 1979 مقابل السلام والتطبيع وغيره..

وها نحن لمناسبة الذكرى الستين للنكبة، ندخل نكبة بعد أخرى، وليس أدل على ذلك من استمرار احتلال الجولان .

في الذكرى الستين للنكبة يحل هذه الأيام الرئيس بوش ضيفاً خاصاً على احتفالات إسرائيل، ليس فقط ليؤكد مرة بعد المليون، أن إسرائيل في صلب اهتمامات أمريكا، ولكن ليمارس مزيداً من الضغط على الفلسطينيين خصوصاً، والعرب عموما، ليقبلوا ما هو مطروح عليهم قبل أن تضيع الفرصة الأخيرة، بعد أن تراجع هو عن وعده بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جوار إسرائيل قبل انتهاء ولايته في عام 2008 .

وبينما إسرائيل تحتفل بذكرى تأسيسها، ها نحن نقتتل، ويتراجع العرب، أو معظمهم عن الدفاع عما كان يسمى القضية المركزية (فلسطين)، انشغالاً باهتمامات أخرى أقل شأناً، وينقسم الفلسطينيون إلى شتات متناثر وفصائل تتناحر، وضاقت بنا الأرض بل الأحلام، فصرنا نختصر القضية في سلطة، ونختصر حلم تحرير فلسطين في قطعة أرض غير متصلة لا تملك أسس بناء الدولة الموعودة، ونختصر قضية القدس في مجرد البكاء عليها والتطلع لها من بعيد، بعد أن انهكها الاستيطان واحتلها أكثر من 250 ألف مستوطن، يتزايدون يوماً بعد يوم.

وتصوروا أن كل الجهود مبذولة الآن، بعد ستين عاماً من ضياع فلسطين لكي يقبل الإسرائيليون التفاوض مع الفلسطينيين على 22 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية، تشكل الضفة الغربية وغزة، وبينما غزة محاصرة داخل 360 كيلومتراً مربعاً ومليون ونصف مليون فلسطيني مسجون فيها، فإن الاستيطان ابتلع نحو 60 في المائة من الضفة يحتلها أكثر من 400 ألف مستوطن، بعد أن تم نزع القدس والأغوار، ولم يبق لما يسمى التفاوض سوى 40 في المائة من الضفة!

ومن عبث الأقدار ألا يتعلم الفلسطينيون ومعهم كل العرب، درس التاريخ، فإذا بالتناحر بين حماس في غزة وفتح والسلطة في الضفة، أسخن وأسوأ، مما بينهم وبين إسرائيل، بينما يقف البعض عاجزين..

لم تكن النكبة قبل ستين عاماً في احتلال اسرائيل للأرض الفلسطينية فقط، ولكن النكبة الأكبر ترسخت عبر ستة عقود في تبدد ثورة التحرر وتهاوي عزيمة المقاومة عند الأغلبية العظمى، حتى عشنا زمناً يقتتل فيه الثوار وانظر إلى حدة الخصومة، بل العداء بين حماس وفتح.

ولا يكفي أن يبرئ العرب ذمتهم، فيعلقوا العبء، كل العبء، على الفلسطينيين، وينصرفوا في الذكرى الستين للنكبة بل إنهم شركاء في المسؤولية، شركاء في أعباء النكبة، شركاء بقدر ما حاول بعضهم توظيف واستغلال القضية الفلسطينية لمصلحة أهدافه ومصالحه، وبقدر ما حاول بعضهم بيع القضية للراعي الأمريكي، وبقدر ما حاول بعضهم الآخر، ولا يزال يمد جسور المحبة والود والتعاون مع إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته.

ولعل أسوأ النكبات الجديدة التي تولدت من النكبة الكبرى، بروز ما يشبه الإجماع العربي على أن الأمل الوحيد الباقي هو القبول بالقليل القليل، الذي تعرضه إسرائيل الآن قبل فوات الأوان وضياع آخر فرصة، وبالتالي فإن هناك اتجاهاً عربياً، قبل، وبعد أن يكون أمريكياً وإسرائيلياً لتحجيم المقاومة عند أقل الحدود، أو باعتبارها إرهاباً فلسطينياً وفقاً للرؤى الأمريكية الإسرائيلية، لأنها مقاومة متهمة بعرقلة التسوية والمفاوضات.

ورغم اختلال موازين القوى مع الجانب الإسرائيلي المسنود أمريكياً، فإن بقاء روح المقاومة، هي الأمل الحقيقي، إن لم يكن استعادة كل فلسطين، فعلى الأقل في تحسين شروط التفاوض، كما فعلت الثورات التحررية الوطنية من فيتنام شرقاً إلى الجزائر غرباً.. كانت تقاتل وتتفاوض في وقت واحد، حتى حققت أهدافها..

لكن تجليات النكبة الكبرى والنكبات الصغرى، تعود فتتجدد لتخدم الأهداف الإسرائيلية الأمريكية، حين ينطلق الخطر الداهم على المقاومة الفلسطينية.

في الذكرى الستين للنكبة، يرتكب العرب خطيئة تاريخية بتقصيرهم في حق فلسطين وشعبها وقدسها، وفي الذكرى ذاتها يرتكب الفلسطينيون جريمة في حق تاريخهم بهذا الانشقاق والاقتتال والتناحر، بينما الجانب الإسرائيلي يصادر الأرض، ويحاصر الشعب، ويعاقب الأبرياء جوعاً وحصاراً.. ثم يقيم الاحتفالات بالانتصار.

* * آخر الكلام: يقول الشريف الرضي:

وأعوذُ بالصبر الجميل تعزياً

لو كان بالصبر الجميل عزائي

أضف تعليقاً جديداً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق