فلسطين: اشواق وحب اكبر من النكبة
كل امرىء في هذا الكون له قدره وكذلك الدول والشعوب، وفي أحيان كثيرة تكون المصيبة اقوى من البطولات والتضحيات ولكن من يصمد في معركة عض الاصابع هو الذي يفوز بالجائزة الكبرى. هكذا قال لي المسن الفلسطيني التسعيني، وليس الستيني، من جيل النكبة عندما زرته في دار للمسنين في سدني لاستمع إلى ذكرياته.
ذهبت إليه ليستعيد لي احداث النكبة فإذا به اقوى من الحزن واكبر من المواساة وكله ذكريات واشواق من فلسطين إلى فلسطين. قال إن الحياة هجرة متواصلة ونكبات مستمرة ودموع فرح وحزن ولذا فإن الندب واللطم على الأطلال لا يفيد ولا يعيد امجادا غابرة.
وقال الرجل الذي يستحي من وسائل الإعلام إن هناك من يعيش في أوهام ويحلم أحلام اليقظة في الشرق الاوسط ولكنه اعترف أن نار الشوق تحرق قلبه، وأقر ايضا عن ندمه الشديد لانه لم يرجع إلى فلسطين منذ ستة عقود وقال أنه لم يعد لأنه كان يشعر بالقهر طوال هذا الوقت لكن عندما رحلت زوجته عن هذه الدنيا بكى مرتين: الأولى لأنه كان يحبها والثانية لأنه لم يرافقها إلى يافا.
ولأن الحب هو للحبيب الأول فقد سألوه في سدني عندما وصلها في مطلع الخمسينات: هل سيكون ولاؤك الأول لاستراليا والثاني لفلسطين، فأجاب بعفوية وعنفوان الفلسطيني: فلسطين أولا واخيرا ولا للباقي، وكان من الصعب في تلك الايام العثور على مترجم يستطيع أن يترجم كلمة « نابية» ولكن موظف الهجرة الاسترالي فهم المقصود وضحك من كل قلبه وشكره على صدقه وعمق إنتمائه لوطنه الاصلي. وكتب الموظف في تقريره أن امثال هؤلاء تستطيع استراليا ان تعتمد عليهم في أي وقت لأنهم صادقون واصحاب كرامة وولاء لا نظير له. وبالفعل فإن سيرة هذا المسن الوقور أكدت توقعات موظف الهجرة.
وروى الرجل كيف هرب من يافا إلى القدس مع عائلته وقال إن جيل النكبة هو جيل الابطال مهما حاول البعض تصويرهم على النقيض من ذلك. فالعنف الذي مارسته المنظمات اليهودية في ذلك الوقت لم يكن بالأمر السهل وكانت مجازر الارمن في تركيا واليهود في اوروبا ماثلة في الاذهان، وكان الوقت مرعبا ومروعا في كل ثانية ولحظة والناس خائفون على اطفالهم ونسائهم. واضاف والحسرة تكاد تقتله: من مددنا لهم يد المساعدة انقلبوا علينا وأخذوا بيوتنا وشردونا، ومع ذلك أهل السماح طيبون ( قالها بالعامية الفلسطينية- امناح).
وقال الرجل أن المسامح اقوى بكثير من غيره واقدر منه على الصمود لأن المسامح يستطيع ان ينظر إلى الأمام بوضوح تام بينما لا يستطيع فعل ذلك الاخر. وإستذكر اصدقاءه الذين سقطوا دفاعا عن يافا والقدس وفلسطين وقال والدمعة لا تفارق عينيه: لا تنسوا الشهداء والاسرى ولا عائلاتهم لأنهم افضل منا جميعا وهم الابطال الحقيقيون.
ويرى البطل التسعيني أنه لولا ذلك الجيل لما استطاع الشعب الفلسطيني أن يستجمع قواه . ويقول قبل أن استأذن للمغادرة: لا ننسى أن جيل النكبة هو الذي مهد الطريق للفدائيين واطفال الحجارة وللنابغين الفلسطينيين في شتى العلوم والمجالات، وهو الجيل الذي زرع في الفلسطينيين حب فلسطين. ومع ذلك فقد كانت له كلمات قاسية وحكيمة للمجتمع الفلسطيني: أفيقوا من غفوتكم وأبعدوا عنكم خطر التخلف ولا تقعوا في الفخ الذي ينصب لكم.
وفي كل بيت من بيوت المهاجر والمغتربات الفلسطينية قصة أو قصص عن الوطن والذكريات، ولكن اجملها ما سمعته من طفلة صغيرة وهي تتحدث مع والدها: «ابي...انا احب فلسطين»، وهذا الحب هو الذي يجعل من المستحيل أن تنتصر علينا النكبة.
*انطون سابيلا
*صحفي فلسطيني مقيم في سدني







أضف تعليقاً جديداً