الموسيقار بارينباوم: يدفعني الى الجنون مقدار ما نرتكبه من ظلم نحن اليهود يومياً

دانيل بارينباوم
لندن -
- نشرت صحف عالمية عدة من بينها "انترناشنال هيرالد تريبيون" الدولية و"ذي غارديان" البريطانية مقالاً طويلاً للموسيقار اليهودي الاسرائيلي الشهير دانيل بارينباوم يمناسبة مرور 60 عاماً على قيام دولة اسرائيل وجه فيه انتقادات قوية الى الدولة العبرية، مشيراً الى انهى ستبقى غير مستقرة وشاعرة بعد الامان مهما بلغت من القوة. وهذه مقتطفات واسعة من مقال بارينباوم الذي يحمل جواز سفر فلسطينيا اضافة الى جوازه الاسرائيلي وكان صديقاً للبروفيسور الراحل ادوارد سعيد:
"منذ عام 1952 كنت امتلك جواز سفر اسرائيلي. ومنذ كنت في الخامسة عشرة، سافرت حول العالم كموسيقي. وقد عشت في لندن وباريس وتنقلت بين شيكاغو وبرلين". ويضيف: "قبل ان احصل على جواز سفر اسرائيلي، كان لدي جواز سفر ارجنتيني: ثم حصلت لاحقا على جواز اسباني. وفي عام 2007، اصبحت الاسرائيلي الوحيد في العالم الذي يستطيع عرض جواز سفر فلسطيني عند معبر حدودي اسرائيلي.
ويمكن القول بأنني دليل حي على حقيقة ان حلا براغماتيا فقط ( او الافضل من ذلك، مهما بدا ذلك غريبا، هو اتحاد فيدرالي بين ثلاث دول: اسرائيل وفلسطين والاردن) يمكن ان يجلب السلام الى المنطقة. وجوابي على اولئك الذين يقولون انني ساذج، وفنان فقط هو انني لست شخصا سياسيا، حتى اذا كنت صافحت يدي ديفيد بن غوريون وشمعون بيريز في طفولتي. ولكن الانسانية كانت دائما امرا يعنيني. ومن هذا المنطلق اشعر انني قادر، كفنان، ومؤهل بشكل خاص لتحليل الوضع.
ان اجدادي لأبي ولأمي كانوا يهودا روس فروا الى بوينس آيرس من مذابح عام 1904. وللأسف، فانني لم اسأل ابدا والديّ كثيرا حول ماضي اسرتنا.
وعندما وصلا الى ميناء بوينس آيرس، (عندما كان هو في السادسة عشرة وكانت هي في الرابعة عشرة) بعد الرحلة الطويلة البائسة، تم الاعلان عن ان العائلات فقط سيسمح لها بالنزول، وبذلك فان الحصة النسبية لكل الآخرين قد استنفدت.
كان كل منهما لوحده، وأخذ جدي جدتي وقال: "هيا نتزوج"، وهذا ما فعلاه.وعند نزولهما، ذهب كل منهما في طريقه. وبعد عامين او ثلاثة التقيا ثانية بالصدفة، واحبا بعضهما وامضيا بقية حياتهما معا.
وهذه الجدة كانت صهيونية متحمسة. وفي عام 1929، كانت قد ذهبت الى فلسطين لنصف عام مع بناتها الثلاثة – ومن بينهم والدتي التي كانت في السابعة عشرة – لرؤية ما اذا كان يكمن العيش هناك.
من الجهة الاخرى فان اسرة والدي، كانت مستوعبة تماما: "الارض المقدسة" لم يكن لها اهمية بالنسبة اليهم، على الاقل الى ان اكتشفوا انني كنت موهوبا موسيقيا. وفجأة بدا مهما بالنسبة الى اسرتي انني، كفنان مستقبلي، يجب ان اترعرع كجزء من غالبية وليس كجزء من اقلية في مكان ما من الشتات. وهذه القناعة بأن الحياة الطبيعية ستكون عنصرا اساسيا في تطوري الفكري كانت ان صح القول، الوقود لنيران صهيونية جدتي: وصممت اسرة بارينباوم على الهجرة الى اسرائيل.
وفي كانون الثاني (ديسمبر) 1952، وصلنا الى اسرائيل. كان موسم الخريف، وكان العام الدراسي قد بدأ منذ وقت طويل، وكان على ان اتعلم ابجدية جديدة ولغة جديدة. لم يكن الأمر سهلا، ولكن بما انني كنت طفلا منطلقا وغير معقد، فقد تكيفت بسرعة، وكانت هذه بداية حياة جديدة رائعة ومكثفة جدا.
وبالنسبة الى بن غوريون، الذي قدرته بشكل كبير كرجل دولة وصاحب رؤية، فقد جاء من مدينة بلونسك البولندية وكان يسمى في البداية ديفيد غرون. وكان هو من حاول اقناع والدي بأنني لن اصبح مشهورا مع اسم بارينباوم ( النسخة بلغة الايديش لكلمة برينباوم، شجرة الأجاص): وشعر بأن أغاصي، الكلمة العبرية للاجاص، ستكون افضل بكثير. ويمكن للمرء ان يعتقد بأنني قد اكون ايطاليا. ولكن أيا منا لم يكن متحمسا فعلا الى هذه الفكرة.
وبالمعنى الدقيق، فان المدة التي امضيتها في اسرائيل ليست كبيرة. وكانت محدودة بشكل رئيسي بين عامي 1952 و 1956. وفي عام 1966 التقيت بعازفة الكمان جاكلين دوبري في لندن. وقد شعرنا فورا بالانجذاب لبعضنا البعض، شخصيا وموسيقيا. وبعد شهرين او ثلاثة، قررنا الزواج. وبدون اي تأثير من جانبي، اخذت جاكلين على عاتقها التحول الى الديانة اليهودية.
ولعبت فكرة انجاب اطفال في نهاية المطاف دورا في قرارها، اضافة الى حقيقة انها كانت تعرف الكثير من الموسيقيين العظام اليهود. واعتناقها للديانة لم يكن دائما نعمة لحياتها المهنية: اذ يقرأ المرء ويسمع انها انضمت الى "المافيا الموسيقية اليهودية".
وفي حزيران (يونيو) من عام 1967، تزوجنا في القدس بعد وقت قصير من حرب الأيام الستة. وكان بن غوريون، الذي لم يكن يقدر الموسيقى كثيرا، حاضرا في زفافنا. وابدى اعجابه بأن فتاة انكليزية غير يهودية يمكن ان تتماهى مع بلاده بهذه القوة.
ومنذ الستينات، لم اعد اشعر بالراحة في اسرائيل. وهي بيتي بالطبع، ووالداي عاشا هنا ودفنا في القدس. وكلما كانت هناك حرب في اسرائيل، كنت اعزف هناك: في 1956 و1967 و1973. والموسيقى هي لغتي و"سلاحي".
ولكن بعد ايلول (سبتمبر) 1970، قالت غولدا مائير: ما هو الكلام عن الفلسطينيين؟ نحن الشعب الفلسطيني! وعند هذه النقطة لمعت الفكرة في خاطري: ان ذلك كان غير مقبول اخلاقيا.
نعم، ان لليهود الحق في ان يكون لهم دولتهم الخاصة بهم، وان لهم الحق في هذه الدولة. وهذا المطلب قد اصبح اقوى نتيجة للمحرقة النازية وشعور الاوروبيين بالذنب بعد عام 1945. ولكن من السهل جدا نسيان ان هناك صهيونية معتدلة. وان هناك اشخاصا مثل مارتن بوبر الذي قال منذ البداية ان الحق في دولة يهودية يجب ان مقبولا لدى السكان الموجودين، من غير اليهود. ومن الجهة الاخرى، فان الصهيونية المقاتلة لم تتطور اكثر في تفكيرها، اذ ما زالت حتى اليوم تستند الى كذبة: ان الارض التي استوطنها اليهود كانت خالية.
واليوم، فانه ليس لدى الكثير من الاسرائيليين اية فكرة عما هو الشعور بأن تكون فلسطينيا – وكيف هو العيش في مدينة مثل نابلس، وهي سجن يعيش فيه نحو 180 الف شخص. ما الذي حصل للذكاء اليهودي المشهور هناك؟ وانا لا اتحدث حتى عن العدالة او الحب. ولماذا يواصل المرء تغذية الكراهية في قطاع غزة؟
لن يكون هناك ابدا حل عسكري. وهناك شعبان يتقاتلان على الارض الواحدة ذاتها. ومهما بلغت اسرائيل من قوة، فسيكون هناك دائما خوف وعدم شعور بالامان. ان الصراع يغذي نفسه وينهش الروح اليهودية، وقد سمح له بذلك.
لقد اردنا امتلاك ارض لم تكن ابدا ملكاً ليهود وان نبني مستوطنات هناك. ويرى الفلسطينيون في ذلك استفزازا استعماريا، ولديهم الحق في ذلك. ومقاومتهم هي مفهومة تماما – ليست الوسائل التي يستخدمونها لهذه الغاية، وليس العنف ولا اللاانسانية الوحشية – وانما كلمة "لا" التي تصدر عنهم.
ويجب علينا نحن الاسرائيليين ان نجد الشجاعة لعدم الرد على هذا العنف، والشجاعة للوقوف الى جانب تاريخنا.
ولا يمكن للفلسطينيين ان يتوقعوا انه كان علينا الاهتمام بأي احد آخر باستثناء انفسنا بعد المحرقة النازية: كان علينا البقاء. والآن يجب علينا ان نفعل ذلك، ويجب علينا ان نتطلع الى الأمام بشكل جماعي.
وبشكل اساسي، فاننا لم نتقدم اكثر مما كنا عليه في عام 1947 عندما صوتت الامم المتحدة على تقسيم فلسطين. والاسوأ الآن هو انه في عام 1947 كان ما يزال بامكان المرء ان يتخيل دولة ثنائية القومية. وبعد ستين عاما، يبدوان هذا لا يمكن تصوره. واليوم، يتحدث الناس عن الفصل وعن الطلاق باحترام من خلال حل الدولتين: با للسخرية، ان الطلاق غير ممكن الا بين اشخاص كانوا يحبون بعضه بعضاً ذات مرة.
وانا عانيت من هذا الوضع، وكل ما افعله له علاقة بهذه المعاناة، سواء عندما اقود فرقة موسيقية تعزف موسيقى فاغنر (ولست بأي حال اول من يفعل ذلك)، او اتلو الدستور الاسرائيلي في الكنيست، او اؤسس اوركسترا ديفان الغربية- الشرقية مع الكاتب ادوارد سعيد، او اؤسس حضانة موسيقية في برلين، او اؤدي كما فعلت اخيراً في القدس عرضا موسيقيا للشعبين.
تبالغ وسائل الاعلام بشأن بعض من هذه الامور، ولكنني افعل ما افعله لأنني أجن لرؤية مقدار الظلم الذي يرتكبه اليهود يوميا، وكم نعرض للخطر الوجود المستقبلي لاسرائيل
وعلى قدر ما يبدو الامر ساخرا، فانني سعيد لكوني ولدت في عام 1942 وليس في 1972. وآمل انني لن اعيش لرؤية اليوم الذي يصبح فيه من الممكن الا تظل دولة اسرائيل موجودة، تماما مثلما انني لن اعيش لرؤية اليوم الذي قد لا تبقى الموسيقى الكلاسيكية تلعب دورا في تفكيرنا ومشاعرنا.
لسنوات عديدة لم اعش في اسرائيل، وانا واع جدا لوجهة نظري كشخص يعيش في الخارج. ويسألني الناس احيانا: "من هو اليهودي؟". وجوابي هو التالي: ان يهوديا عايش تجارب معاداة للسامية في برلين عام 2008 مختلف عن اليهودي الذي عايش تجارب معاداة للسامية في عام 1940. ان اليهودي في الاربعينات كان يشعر بالتهديد، اما اليهودي اليوم فيمكنه ان يفكر ببلاده، اسرائيل.
واستطيع القول اليوم: "اما ان تتعلم التعامل معي، ايها المعادي للسامية، او ان يذهب كل منا في طريقه". وهذا يحدث فارقا وجوديا. انا متشائم قصير الاجل ازاء الشرق الاوسط، ولكنني متفائل طويل الاجل.
واما ان نجد طريقة للعيش معا او اننا سنقتل بعضنا بعضا.ما الذي سيعطينا الامل؟ انها صناعة الموسيقى . والسبب أنه قبل سيمفونية بيتهوفن وسيمفونية موزارت المسماة دون جيوفاني أو مقطوعة تريستان وايسولد لفاغنر ، كان جميع البشر متساوين.
*دانييل بارينباوم، عازف بيانو وموسيقار، وهو المدير الموسيقي لفرقة ستاتسكابيل برلين وقائد الفرقة الرئيسي الضيف في اوبرا "لا سكالا" في ميلانو. وهو المؤسس المساعد مع البروفيسور الراحل ادوارد سعيد لاوركسترا ديفان الغربية – الشرقية، التي تضم موسيقيين عربا واسرائيليين.







أضف تعليقاً جديداً