الضحية الفلسطينية في لعبة الامم
ما دمنا نحن العرب نفتقر الى استراتيجية في مواجهة اسرائيل، قبل قيامها، وخلال قيامها، وحتى هذه الساعة، وما زلنا نشغل انفسنا باحصاء السنوات التي مرت على النكبة، ونقضي وقتنا في التهرب من التفكير في المستقبل، ونقصر في الاستعداد لتحمل تبعاته، لنجعل من هذا الوقت ماضيا اشد سوادا واسوأ حالا من الماضي الذي سبقه، فلنحاول معاودة النظر في ما فعلناه وما جرى حولنا، فلسنا وحدنا الذين نخطىء، ولكننا وحدنا الذين يصعب عليهم حصر اخطائهم واحصاؤها، والا لما كان الحال الذي نحن عليه من التخلف والضعف حال امة هبطت عليها الاديان من السماء، ومن ارضها نبع النفط، وهذا يؤكد لنا بلا جدال انه ان كان هناك من خلل فهو في عقولنا وطرائق تفكيرنا، وهذه جاءت نتيجة قرون طويلة من الاذعان نامت فيها عقولنا، وهبطت نفوسنا، وشلت ارادتنا.
سنحاول ان ننعش صحوتنا السياسية بالنظر في مشاهدة لعبة الامم، وكشاهد في قلب الحدث في الزمان والمكان اقول: في ليل 28 شباط 1955 قام ارئيل شارون بقيادة سريتين قوامهما 150 مظليا بغارة برية على قطاع غزة، اطلق عليها الاسم الحركي «السهم الاسود». وقد استهدفت هذه الغارة ايقاع اكبر عدد من الخسائر في صفوف القوات المصرية. فقد نصبت القوات الاسرائيلية كمينا في بساتين البرتقال الى الشمال من وادي غزة جنوب المدينة. وقامت بمناوشة الحامية المصرية في شمال القطاع لاستدراج نجدة تأتي من رفح فتقع في الكمين، وقد حدث ذلك كما توقعه الاسرائيليون، فوقعت شاحنة عسكرية مصرية كانت مكدسة بالجنود (وهذا من سوء التدبير) في الكمين، واستشهد من بينهم 38 جنديا.
وقد جعلت المصادر الاسرائيلية من هذه العملية الصغيرة والغادرة معركة بطولية دمرت فيها القوات الاسرائيلية مركز القيادة العسكرية المصرية في قطاع غزة. ولم يتصور احد بأن عملية عسكرية بهذا الحجم المحدود سوف تغير مجرى الاحداث السياسية والعسكرية في الشرق الاوسط.
ففي خريف 1955 حصلت مصر على صفقة الاسلحة التشيكية التي كانت دفاعية في معظمها، والتي كان هدف السوفيات منها تقوية مصر في وجه حلف بغداد وليس تدمير اسرائيل، والمعروف ان حلف بغداد هدفه احتواء الاتحاد السوفياتي. وان صفقة الاسلحة التشيكية لمصر تدفعنا لاستذكار لعبة الامم التي وقع ضحيتها الشعب الفلسطيني. ففي برقية الى ايهود افريل ممثل الهاجاناه في العاصمة التشيكية براغ، طلب بن غوريون منه ارسال شحنات سريعة من الاسلحة، فكان ان حطت طائرة شحن من طراز داكوتا قادمة من تشيكوسلوفاكيا محملة بالاسلحة، ففي 1/4/1948، في مطار عسكري بريطاني مهجور في جنوب فلسطين، ثم تتابعت شحنات الاسلحة التشيكية الى القوات الاسرائيلية عن طريق البحر. ولا عجب في ذلك، فقد كانت امدادات الاسلحة متناغمة مع موقف الاتحاد السوفياتي من قضية فلسطين، الذي ايد مندوبه سيمون تساربكين في 13/10/1947 خطة لجنة الامم المتحدة الخاصة بتقسيم فلسطين. وقد استتبع ذلك تصويت كل من الاتحاد السوفياتي واوكرانيا وبيلاروسيا ومعها بولندا وتشيكوسلوفاكيا الى جانب قرار التقسيم. ولقد ارجع وولتر بيدل سميث السفير الاميركي في موسكو في هذا الموقف الى ان الاتحاد السوفياتي قد رأى ان قيام دولة يهودية عصرية في فلسطين سوف يحدد من النفوذ البريطاني اكثر من ما ستفعله الانظمة العربية، التي تعتمد على التمويل والسلاح والمستشارين من بريطانيا، وان الدولة اليهودية قد توفر موطىء قدم للسوفيات في الشرق الاوسط.
وفي واشنطن، وقع خبر وفاة الرئيس فرانكلين روزفلت وتولى نائبه هاري ترومان منصب الرئيس 1945، وقوع الصاعقة على رؤوس الامريكيين، الشعب والادارة والكونغرس والجيش، وبالنسبة للجميع لم تكن الكارثة تتمثل فقط في موت رئيس عظيم، بل في تولي رئيس ضعيف مكانه. فقد كان ترومان يفتقر الى الخبرة في شؤون العلاقات الدولية، ولم يكن له اعوان من الخبراء وذوي التجارب لسد هذا النقص.
وبعد ان تسلم مهماته الرئاسية، كان من ضمن العاملين في ادارة ترومان اثنان من اشد اليهود حماساً في الدفاع عن المصالح اليهودية، وهما كلارك كليفورد من ضباط الاسطول، وديفيد نايلز مساعد ترومان لشؤون الاقليات، ويقول نايلز بأنه لمس في ترومان تعاطفاً مع اليهود لم يلمسه لدى روزفلت، وفي مناسبة اخرى قال نايلز: «لو بقى روزفلت على قيد الحياة لما سارت الامور (في مصلحة اليهود) بالشكل الذي سارت عليه (مع ترومان)».
كانت المهمة الاساسية لكل من كليفورد ونايلز هي الضغط على الرئيس ترومان باستخدام ورقة الانتخابات الرئاسية القادمة في تشرين الثاني 1948، فقد كان حوالي المليونين ونصف المليون من اليهود يقيمون في ولايات بنسلفانيا وألينوي ونيويورك، وكان ترومان ليس فقط في حاجة الى اصواتهم الانتخابية، بل في حاجة اكثر الى مساهماتهم المالية في حملته الانتخابية، لذلك كان دعم مطالب اليهود في فلسطين عملية سياسية لفائدة ترومان شخصياً على حساب المصالح القومية للولايات المتحدة الاميركية.
كان كل من وزير الخارجية جورج مارشال ووزير الدفاع جيمس فورستال ضد توجهات ترومان لتأييد اليهود في فلسطين، وقد لفتت هيئة الاركان المشتركة انتباه ترومان الى ان نفط العرب ذو اهمية خطيرة على المستوى القومي الاميركي، وكان فورستال يعارض بشدة اي موقف اميركي متميز للمطالب الصهيونية، ولكنه رأى في النهاية ان لا فائدة ترجى من رئيس يتطلع الى الحصول على مكاسب سياسية بأسلوب دنيء.
وفي يوم السبت 29/11/1947، صدر عن الجمعية العامة للامم قرار تقسيم فلسطين. ولقد اخبر ترومان ايدي جاكوبسون احد كبار الناشطين اليهود في اميركا بأنه - أي ترومان - وحده المسؤول عن حشد الاصوات لتمرير قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للامم المتحدة، بالاضافة الى اصوات كل من روسيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا واكرانيا وروسيا البيضاء من الكتلة الشيوعية، وللحق كانت اليونان وكوبا الدولتين الوحيدتين من غير الدول العربية والاسلامية اللتين عارضتا قرار التقسيم.
اما آخر فصول النكبة فكانت اتفاقيات رودس 1949 بين دول الجوار العربية واسرائيل حيث التزمت الجيوش العربية مع الجيش الاسرائيلي بمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، والاشد ايلاماً انه لم يعد لنا بعد ستين عاماً من التخبط ذلك الوزن الذي كان لنا عام 1947 في وزارتي الخارجية والحرب الاميركيتين، حيث كنا سبع دول عربية فقط، ولم يكن لدينا هذا القدر الهائل من النفط.
محمد جلال عناية كاتب فلسطيني يقيم في الولايات المتحدة الاميركية










أضف تعليقاً جديداً