لاجئون بلا وجوه
الروايه الثقافيه الإسرائيلية لا زالت تتهرب من التطرق بجرأه ووضوح الى نكبة الشعب الفلسطيني ومأساته خلال حرب عام 1948 ، وتشن المؤسسة الرسمية هجوما و حصارا على المؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين تجرأوا في أبحاثهم الى نشر حقائق ووثائق عن جرائم حرب وإبادة انسانية وتطهير عرقي مارستها العصابات الصهيونية ضد السكان الفلسطينيين.
لقد لازم مشروع احتلال الأرض الفلسطينية مشروعا ثقافيا وظف بشكل منهجي و تربوي لبناء المشروع القومي التوسعي على أرض فلسطين ، لهذا فإن أدبيات الحركة الصهيونية قد صورت على مدار ستين عاما فلسطين كبلاد مستنقعات وصحراء قاحلة خالية من البشر و إن وجدوا فليسوا أكثر من رعاع وبدو و متخلفين .
وكان الهدف من ذلك إقناع الرأي العام الدولي بأهمية قيام الدولة اليهودية في فلسطين لتكون كما وصفها هرتسل محطة للغرب المتمدن لكي يصل الى الشرق المتخلف.
الدارسون للثقافة والتربية العبرية يستنتجون أن النكبة غائبة عن هذه الثقافة التي أصبحت ثقافة مسيسة تخدم أهداف سياسية في محاولة لإستبدال الواقع واحلال واقع جديد مكانه وتزوير التاريخ وسياقاته.
ولعل قراءة مناهج التدريس الإسرائيلية تظهر بوضوح الدور الذي لعبته وزارة التربية في اسرائيل في غرس مبادئ التطرف والعسكرة والعدائية والتعصب لدى الطلبة اليهود اتجاه العرب.
ان الهدف من ذلك هو التركيز على زرع بذور الدعائم التاريخية و الأيديولوجية لدولة اسرائيل الكبرى في برامج التربية الصهيونية وهو تذكير دائم للشبان الإسرائيليين بشعار بيغن القائل ( أنتم الإسرائيليون لا ينبغي أن تشعروا بالشفقة عندما تقتلون عدوكم ، لا عطف ولا رثاء حتى ننتهي من ابادة ما يسمى بالحضارة العربية التي سنبني على انقاضها حضارتنا.
لهذا فإن صورة العربي في كتب التدريس الإسرائيلية هي صورة تحمل أنماطاً سلبية ، ولا زالت دمية العربي المشنوقة التي تنتجها مصانع الألعاب في إسرائيل منتشرة في الحدائق والمدارس الإبتدائية اضافة الى الكتب التي تصور العربي وكأنه من أكلة لحم البشر ولد من أب عفريت وأم عفريتة له قرنان ، يطوف البيوت ليخطف الأولاد.
ان كتب الجغرافيا والخرائط التي تدرس في المدارس الإسرائيلية تتجاهل بصورة مطلقة القرى والبلدات الفلسطينية ، هذا التجاهل يأتي لخدمة التوجه المؤدلج بالصهيونية الهادف الى اظهار أن فلسطين قبل هجرة اليهود اليها كانت قفراء لا وجود لأي شعب آخر فيها.
وحددت كتب التاريخ أهداف التعليم بزرع حب دولة اسرائيل في الطالب والحفاظ على كيانها ، وتجذير الإعتراف القومي في قلب الطالب اليهودي، وتعزيز الشعور المشترك لديه بالمصيرالمشترك.
وتوضح الأبحاث أن الكتب التدريسية شكلت أداة مركزية بأيدي المؤسسة الرسمية في تكوين وتشكيل الذاكرة الجماعية للأمة اليهودية ومنح الشرعية لكل الأعمال والممارسات التي تقوم بها اسرائيل وفي موازاة ذلك اسقاط الشرعية عما يقوم به الآخر.
ويذكر الكاتب الإسرائيلي ( ايلي فودة ) في بحثه حول مناهج التدريس في المدارس العبرية ان الهدف الأساسي لكتب التدريس كان خلق الإرتباط التاريخي بين المشروع الصهيوني والإستيطان اليهودي في أرض اسرائيل والغاء الوجود العربي وجرى تجاهل وانكار وتغييب الشخصية العربية والفلسطينية وبهذا تعزيز لهدف وزارة المعارف تثبيت حق اليهود على أرض اسرائيل ودحض الحق العربي.
ظل مصطلح الفلسطينيين غريب على أغلبيةالكتب الدراسية الإسرائيلية اما اللاجئون فيظهرون من خلال صورة جوية لمخيم ومن دون ذكر اسمه ومن دون وجوه انسانية بينما يظهر اللاجئون اليهود مباشرة وهم جالسون على الحقائب.
وكذلك بالنسبة للخط الأخضر الذي لا يظهر على خرائط التدريس الإسرائيلية ، وعندما حاولت وزيرة التربية في اسرائيل (يولي تمير) تثبيت الخط الأخضر على الخرائط انطلقت في وجهها عاصفة متطرفة من المستوطنين واليمين في اسرائيل.
الإسرائيليون حتى الآن لا يريدون رسم حدود لأحلامهم التوسعية لهذا فإن شعار الدولتين ليس مقبولا على من تربى منذ صغره على أن فلسطين التاريخية من بحرها الى نهرها هي وطن قومي لليهود.
لاجئون بلا وجوه، صورة نمطية تشير الى مأزق أخلاقي يواجه المفكرين والمثقفين في اسرائيل والذين يتهربون من تناول الحقيقة الإنسانية والتاريخية التي جرت خلال حرب 1948.
يتضح من لقاءات مع كتاب اسرائيليين انهم مستعدون للحديث عن كل مسألة إلا المسألة الأخلاقية ، اذ يتضح أن مأزق المثقف الإسرائيلي هو ما حدث عام 1948.
وربما يعتبر الكاتب الإسرائيلي ايلان بابيه في كتابه التطهير العرقي في فلسطين من أشجع الكتاب الإسرائيليين الذين دعوا اسرائيل الى الإعتراف بالجريمة الإنسانية التي ارتكبتها عام 1948 أنه لم يعد أحد يستطيع انكار النكبة وهي الوسيلة الوحيدة للتقدم الى الأمام اذا ما اردنا أن نصل الى المستقبل حسب قوله.
ولعل المفارقة العجيبة هي الهجوم الإسرائيلي على منهاج التعليم الفلسطيني واتهامه بالتحريض على دولة اسرائيل في الوقت الذي لم يتغير فيه أي شيء على الرواية الإسرائيلية في كتب التعليم الإسرائيلية حتى بعد اتفاقات أوسلو.
وفي البحث الذي أجراه البروفيسور داني طال على كتب التعليم الإسرائيلي بعد سنوات أوسلو وجد أن هذه الكتب لا تتطرق إطلاقا الى نكبة 1948 والمذابح التي ارتكبت حينها لا من بعيد ولا من قريب ، وهي مزدحمة بالأفكار السلبية عن العربي وتدعو الى التعامل معه من خلال إلغاء شرعيته و إلغاء انسانيته.
لاجئون بلا وجوه ، صورة نمطية في العقل الإسرائيلي السياسي تهدف الى طمس التاريخ والتنصل من المسؤولية الأخلاقية عم مأساة اللاجئين الفلسطينيين ، وتهدف كذلك الى استمرار طمس الحدود لأبقاء السيطرة على الجغرافيا والسكان الفلسطينيين في آن واحد.









أضف تعليقاً جديداً