احتفال اسرائيل بقيام دولتها يظل نكبة فلسطينية

في ذكرى النكبة
لندن -
- تثير الذكرى السنوية الـ 60 لنكبة الشعب الفلسطيني التي تمثلت بتشريد غالبية الفلسطينيين من ديارهم وتدمير المئاتمن قراهم واقامة اسرائيل على انقاض فلسطين اسئلة صعبة بشأن مستقبل العلاقة بين اسرائيل والفلسطينيين. هل من الممكن تطبيق حل للصراع قائم على اساس دولتين، واحدة فلسطينية والاخرى اسرائيلية في ظل الانقسام الفلسطيني من جهة، وغول الاستيطان اليهودي والضعف البنيوي في النظام السياسي الاسرائيلي؟ هذه بعض الاسئلة التي يخاطبها الاستاذ احمد سامح الخالدي، الاستاذ في كلية سانت انتوني بجامعة اكسفورد البريطانية في مقال نشرته صحيفة "ذي غارديان" اللندنية الاثنين بعنوان "احتفال اسرائيل يبقى نكبة فلسطينية"، هنا نصه:
"في الوقت الذي تحتفل فيه اسرائيل بالذكرى الستين لاقامتها، فان واقعا مقابلا لا مفر منه يخيم على المناسبة التي تندمج معه بشكل يتعذر فصله. انها النكبة او الكارثة، الذكرى الستون لتدمير فلسطين العربية عام 1948.
وعلى الرغم من خطاب عام زعم العكس في كثير من الاحيان، فان الحركة الصهيونية شرعت ببناء دولة يهودية في فلسطين ذات غالبية يهودية. وهذا يمكن ان يتأتى فقط على حساب السكان المحليين، وغالبيتهم العظمى من العرب الفلسطينيين – مسلمين ومسيحيين. ومن هذا المنظور، فان الامر لا يتعلق بنوايا الصهيونيين ولا بردود الفعل الفلسطينية: فاسرائيل لا يمكن ان تكون قد بنيت الا على انقاض فلسطين العربية.
وفي عام 1948، فر نحو 750000 فلسطيني او اجبروا على الرحيل عن وطنهم، مما اوجد مشكلة ما تزال حتى اليوم اكبر واطول مشكلة لاجئين في العالم. وقد اوجدت النكبة واقعا سياسيا – ديمغرافيا جديدا. فمن اغلبية متجذرة منذ زمن طويل في ترابهم، تحول الفلسطينيون الى اقلية صغيرة وضعيفة وشعب مشتت وكسير يعيش في المنفى او تحت حكم اجنبي.
ولا يمكن لشيء ان يقنع الفلسطينيين بأن ما حصل لهم قبل 60 عاما كان صحيحا وسليما. ولا يمكن ان يتوقع منهم ان يشيدوا بالاحداث التي ادت الى دمارهم وتشريدهم. ولا يمكن ان يتوقع منهم مباركة دولة اسرائيل، او الاقتناع داخليا بشرعيتها. وليس هناك اية ظروف معقولة يمكن فيها للفلسطينيين التخلي عن تاريخهم لصالح الرواية الصهيونية، لأن ذلك يعني انكار روايتهم.
ولكن النزاع لا يتعلق فقط بالروايات وانما يتعلق ايضا بتحولات اساسية في المواقف والتصور السياسي. فكل التحولات الرئيسية جاءت في ظل احداث عنيفة وغير متوقعة في العادة. وليس هناك حاجة للترحيب بالعنف من اجل فهم أثره، ولا يتبع ذلك ايضا ان العنف لوحده يؤدي للسلام بالضرورة، ولكن تاريخ الصراع على ارض فلسطين يقف في تناقض صارخ مع المثل القائل بان العنف لا يوصل الى اي مكان.
ان الحقيقة المؤسفة هي ان التشنجات العنيفة كانت دائما جزءا من عملية التغيير في التعابيرالسياسية والنفسية والمادية للنزاع. ان حرب عام 1948، وبضمنها الارهاب اليهودي السابق للدولة، قد اسس دولة اسرائيل. وادت حرب عام 1967 الى ادراك العرب بأن اسرائيل كانت حقيقة لا يمكن تغييرها. وحرب عام 1973 جلبت السلام مع مصر في النهاية، ووضعت الخلفية للقبول الفلسطيني بحل الدولتين. ونتج عن حرب عام 1982 اول عرض سلام عربي شامل يقدم لاسرائيل. ودفعت الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 اسرائيل الى التحدث الى منظمة التحرير، وبلغ ذلك ذروته في اتفاقية اوسلو عام 1993.
واضافة الى ذلك فان قرار اسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 كان نتيجة لادراكها بأن البقاء لم يكن يستحق التضحية. وانسحاب اسرائيل من غزة عام 2005 كان نتيجة مباشرة للانتفاضة الثانية عام 2000. والجدل الحالي حول الحاجة لاشراك حركة "حماس" هو تعبير عن القوة العسكرية للحركة الاسلامية اكثر من كونه اقتناعا حقيقيا بأنها شريك محتمل في السلام.
واليوم، فان آفاق حل نهائي للنزاع على اساس الدولتين تتلاشى في مواجهة الوقائع الاستيطانية، والانقسامات المحلية الفلسطينية والضعف البنيوي للنظام السياسي الاسرائيلي. ولكن حتى لو كان مثل هذا الاتفاق سيتحقق، فيجب المصادقة عليه وتطبيقه والمحافظة عليه، وهناك قليل ثمين يشير الى ان ايا من الجانبين سيتمكن من انجاز ذلك.
و من المستبعد ان يكون البديل طعنة اخرى لتسوية الوضع النهائي. وليست هناك شبكة امان حقيقية ستسمح للعملية بالاستمرار بعد مثل هذا الفشل، ولا اي ضوابط متفق عليها لفعل ذلك. فالسلطة الفلسطينية والشريك الاسرائيلي ليس لديهما خطة بديلة ، وكذلك الولايات المتحدة، الراعي المفترض للعملية، مع المجتمع الدولي من خلفها. ومع ذلك، فان التوازن غير تاريخي وغير مستدام. ان تاريخ النزاع يقترح بدائل اخرى، معظمها تشير الى انزلاق باتجاه عنف اضافي اكثر اتساعا كمحفز حتمي للتغيير.
وكما تقف الامور، وفي وضع فيه غالبية الاسرائيليين منغلقون تجاه اهوال الاحتلال ويحظون بالحماية من تبعاته، و تبدد الطموحات الفلسطينية نتيجة التغييرات اليومية على الارض وفشل السلطة ذاته، من الصعب تجنب الخوف من ان التحول المقبل في الموقف سيكون نتاجا لكارثة اخرى.
وفي احد طرفي طيف الامكانيات هناك دوامة متواصلة ولا نهائية من النزاع. وفي الطرف الآخر هناك مجموعة جديدة من العلاقات بين العرب واليهود، واشكال جديدة من الارتباط على ارض فلسطين تتجاوز النموذج المحتضر لحل الدولتين باتجاه معادلات مختلفة لتقاسم السلطة والتقسيم والسيادة. وبعد قرن من الاجتياح الصهيوني لفلسطين، وبعد 60 عاما من الحدث المحدد الجلل في عام 1948، فان الامر سيحتاج الى عراف شجاع للتنبؤ بالنهج الذي سيسود".
* احمد سامح الخالدي عضو مشارك بارز في كلية سانت انتوني بجامعة اكسفورد.









أضف تعليقاً جديداً