ستون عاما من النكبة تفتح شهية الاجيال اللاحقة للابداع
– نجيب فراج - سارع المئات من الشبان والشابات وجميعهم من الاجيال اللاحقة ما بعد نكبة الشعب الفلسطيني الكبرى التي تصادف هذه الايام ذكراها الستون من المشاركة في مسابقة حول حق العودة نظمها مركز بديل الذي يعني بشؤون اللاجئين الفلسطينيين وشملت ستة ميادين وهي القصة الصحفية والافلام الوثائقية والبوسترات وقصص الاطفال وحقلي التاريخ الشفوي والاوراق البحثية ، حيث فتحت شهية هذا الجزء من الاجيال المتعاقبة على الابداع الادبي حسب ما قاله احدهم معتبرين النكبة وما تلاها من احداث متواصلة منذ ستة عقود مادة زخمة لعكس هذا الواقع من خلال الجانب الادبي والابداعي كونه احدى الاسلحة للدفاع عن حق العودة والتمسك بها ، وقد علم ان المساهمات قد قدرت بالمئات ومعظمها موادا جيدة تضمنت اما روايات حقيقية سجلت واقع النكبة واخرى حملت دلالات ادبية ورمزية كانت مستوحاة من قلب هذه المأساة .
ومن بين تلك المساهامات قصة للشاب انس ابو رحمة من مدينة رام الله وهي بعنوان المذياع والتي حكى فيها قصة اللاجيء ابو سمير الذي غادر عكا مع زوجته واطفاله في يوم النكبة حيث انب زوجته على انها تركت المذياع مفتوحا كون ذلك سيستهلك كثير من الطاقة اذا ما استذمر هذا المذياع مفتوحا ليومين او ثلاثة حتى يعودون الى منزلهما، سيبقى المذياع مفتوحا يقص اخباره للكرسي الذي على شرفة المنزل او لشتلة الجاردينيا االمزروعة قبل اسبوع من ذلك.
وجاء في رواية ابو رحمة " ان ابو سمير قد قال لزوجته ان المذياع سيبقى مفتوحا ليومين قبل ان تدخل جيوش الانقاذ العربية لتطرد جيوش الغزاة لتستقيم المعادلة ، التي لم تسر كما رسمها ابو سمير اسوة بباقي كل المشردين من قراهم ومدنهم في حينه ".
ويوضح ابو رحمة بان ابو سمير يعيش اليوم وبعد ستون سنة على ذلك في احد مخيمات رام الله " حيث اصبح شيخا كبيرا وهو يعمل كمذيع متقاعد في بيته يتلو على احفاده طوال اليوم قصصا اسمعهم اياها للمرة الالف يحدثهم عن طفولته المدللة في عكا وعن البيت والبحر الذي طالما سبح فيه شبه عاريا ويصف نفسه بانه كان سباحا ماهرا فلم يتغلب عليه احد في يوم من الايام حيث يصف نفسه كالحوت يغطس ويخرج ليغطس ثانية ويخرج ، كما اعتاد ان يروي لاحفاده قصة زواجه من جدتهم ، وحينما ياتي على وصف ذلك اليوم الذي غير مسار حياته وحياة شعب باكمله حيث يبدأ بالبكاء ويؤكد انه لم يكن ليترك ذمنزله الا خوفا على شرف زوجته وهذا حال كل اللاجئين ".
وفي رواية اخرى وكانت بعنوان سر اللون الازرق وهي لمدرس من محافظة نابلس وهو عبد الحكيم ابو جاموس حيث آثر ان يتناول اللون الازرق والذي يرمز الى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التي تاسست اثر النكبة لمواكبة اوضاع اللاجئين التي اسست مداترس وعيادات صحية ومكاتب للشؤون الاجتماعية ومطاعم تقدم فيها الغذاء لجموع اللاجئن وجمعيها كانت جدرانها مطلية باللون الازرق وكذلك شعار الوكالة ذاته ، وقد تناول ابو جاموس قصة فتاة لاجئة اصبحت معلمة في احدى مدارس وكالة الغوث سردت ذكرايتها وهي طفلة صغيرة وقد وصفت فرحتها الكبيرة حينما التحقت بمدرسة الاونوروا وكان قلبها يتراقص فرحا حينما يوزع على الطالبات القرطاسية والكتب وهي جالسةعلى المقعد الخشبي المتهالك والذي تبرز من حوافه المسامير او شظايا الخشب الرفيعة تنتظر على احر من الجمر ان ياتيها المدد من القرطاسية والكتب حيث كانت تسعد بالدفاتر الملونة باللون الازرق لتعود الى البيت وتعرض على امها جملها الثمين ليتضح في اليوم التالي ان المعلمة تسترد الدفاتر لتحتفظ بها ولا تسلمها للطالبات الا حينما يردن الكتابة وما شابه ، ويواصل ابو جاموس سرد ذكرايات هذه الطفة بحصولها وزميلاتها بطاقات صغيرة تؤهلهن التوجه بين الحصص الى مبنى مجاور للمدرسة لتناول وجبة من الطعام وحبة دواء ذات لون شفاف وبداخلها سائل بني غامق يترقرق وهو زيت السمك ، وهذا المبنى مطلي ايضا باللون الازرق .
ويواصل ابو جاموس سرد ذكريات هذه الطفلة التي كبرت واصبحت مدرسة ولا زالت تعيش النكبة التي مر عليها عقود ستة استمعت وزاسمعت الكثير من الذكريات والالام والمعانيات المترتبة عليه ، ولا زال اللون الازق هو اللون الماثل امام جموع اللاجئن رغم ان وكالة الغوث الدولية قلصت الكثير من خدماتها المقدمة للاجئن فلم تعد هذه الوكالة ذتوزع القرطاسية على الطلبة ولم تعد توزع الطعام عليهم ايضا حيث اغلقت كافة مطابخها التي كانت مفتوحة في مخيمات اللجوء بحسب مؤسسات مختصة.
وفي قصة ثالثة كانت بعنوان " لاجئون على قائمة الانتظار " وفضل صاحبها عدم ذكر اسمه جاء فيها " اجول بخاطري شوارع وازقة المخيم فتتراى لي ذكريات من الماضي استرجع شريطا بسيط يعج بالسكان، بيوته غرف متلاصقة، يفتقر الى كل ضرورات واساسيات الحياة، طريق غير معبد ممطوط كلسان حرباء تصطف على ضفتيه او تتناثر على مقربة منه سقائف وبراكيات وجدران صماء من الطوب، هكذا كان مخيمنا وقبلئذ كان مجموعة من الخيام او جدتها النكبة ".
وبهذا الصدد فقد اعرب محمد جرادات المسؤول في مركز بديل والذي نظم مسابقة حق العودة للابداع للعام الثاني على التوالي عن اتزازه بجوهر المساهمات التي عكست على مدى اهتمام جمهور واسع من الاجيال الشابة بهذا الموضوع وشغفهم في ان يساهموا فيه حيث كشفوا اولا عن مدى تمسكهم بحق العودة والذي لا يمكن ان ينتهي او يندثر حتى برحيل جيل النكبة ، وثانيا كشفوا عن ما يمتلكوه من مواهب ادبية وابداعية وبلا شك فان النكبة المستمرة تشكل لهم دافعا كبيرا للمزيد من التفوق والابداع .










أضف تعليقاً جديداً