تغييب التراث العقلاني يجدد الهزائم العربية

الجمعة يناير 25 2008 - مسعود ضاهر

االعولمة حركة مستمرة لا ارتداد فيها لتوحيد العالم بمختلف الوسائل. وكل ثقافة تخاف منها تتقوقع على ذاتها دون أن تكون قادرة على حماية نفسها من مخاطرها بعد أن تحولت إلى تيار عالمي يستحيل البقاء خارجه. أما القلق الذي يثيره ضغط العولمة في بعض الأوساط الثقافية العربية فيقدم الدليل على تراجع عملية الإبداع الثقافي لدى العرب، مما جعلهم مستهلكين لثقافات الغير. في هذا الإطار تحديدا، يرى بعض الباحثين أن العولمة لا تلغي الثقافات المحلية لأي شعب من الشعوب بل تعوضها عن النقص الفادح في طاقاتها الإبداعية. فالعولمة مرحلة تاريخية جديدة تعمل على خلق مجتمع كوني جديد لا مكان في قيادته إلا للقوى القادرة على المواجهة، وعلى كل الصعد.
وهي تتطلب تحالفات سياسية وعسكرية، واتفاقيات اقتصادية طويلة المدى تكون قادرة على تعميم ثمرات العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة وباتت العولمة قادرة على التحكم بتطور النظام الاقتصادي والسياسي والثقافي لدى جميع الشعوب، الغنية منها والفقيرة على حد سواء. لذا تبدو مقولة الأصالة أو التمسك بالخصوصيات التراثية خادعة تماما، لأنها عاجزة عن حماية نفسها من مخاطر العولمة وثقافاتها الاستهلاكية.
وحدها الهويات المبدعة، والمزودة بالتراث العقلاني، والعلوم العصرية، والتكنولوجيا المتطورة، والمواكبة لثورات الإعلام والتواصل، قادرة على الصمود.
فتفكيك الدول المحلية ليس غاية بحد ذاتها لأنها ستنهار من تلقاء نفسها إذا كانت عاجزة عن الإنتاج العلمي والإبداع الثقافي. وتشير بعض الأرقام إلى أن انهيار البورصة في يوم 22 كانون الثاني 2008 كلف دول الخليج العربية خسائر فاقت المئة مليار دولار في يوم واحد. والسبب في ذلك أن الرسملة العربية لم ترتق إلى الرأسمالية لأنها ما زالت تدخر أموالها في البنوك بدل توظيفها في مؤسسات منتجة، وتطوير علاقات الإنتاج والقوى المنتجة.
وذلك يتطلب سياسة عقلانية جديدة ترعاها دولة ديموقراطية عصرية، وثقافة عقلانية، ومؤسسات فاعلة في المجتمع المدني، وانفتاح كامل على الثقافات الإنسانية دون عقد أو مركب نقص. لكن ما يحصل على أرض الواقع العربي يثير الكثير من التشاؤم. فهناك تلازم موضوعي بين تغييب التراث العقلاني العربي وهيمنة الأنظمة التسلطية الاستبدادية على امتداد المجتمعات العربية. وهنا يبرز تساؤل منهجي حول دور التراث العربي في بناء المستقبل. فهل ينجح المثقفون المتنورون العرب في إطلاق مشروع عربي نهضوي جديد، يعطي لعرب اليوم دورا فاعلا في صياغة التاريخ الكوني، والحضارة الإنسانية الشمولية؟
للإجابة على هذا السؤال المنهجي المعقد لا بد من نقد البناء الفكري الذي بنيت عليه الثقافة العربية السائدة كمدخل للمجادلة حول مقولات الإيديولوجيا العربية المعاصرة.
فالمشروع النهضوي يتطلب امتلاك التراث العقلاني العربي على أسس المعاصرة،
فالموروث الثقافي الغربي مقيم في الفكر العربي بقوة، والصراع معه يتطلب درجة عالية من الكفاءة العلمية لمعرفته بشكل علمي دقيق ودراسة أنجع السبل للتعاطي معه. لكن الهجوم اللفظي على الغرب لا يغير في ميزان القوى المختل أصلا في ظل قيادة سياسية عربية شديدة التبعية للغرب. كما أن الترويج لمقولة حوار الحضارات أو صراع الحضارات من مواقع ثقافة تراثية ماضوية يؤسس فقط لنظرة طوباوية عن الآخر لا تستفيد منها الثقافة العربية على الإطلاق. فمع غياب نقد التخلف الذاتي خوفا من التعرض للتراث العربي استمر الحوار الثقافي مع الغرب، من موقع الرفض المطلق أو القبول المطلق، لعقود طويلة دون أن يحدث أي تغيير حقيقي. ولا يتم الخروج من هذه الحالة إلا من طريق نقد الذات إلى جانب نقد الآخر الذي هو الغرب الثقافي المقيم فينا بصورة سلبية. فالنقد البناء هو المدخل العملي الذي لا يستقيم الحوار مع الآخر بدونه. وهي مسألة في غاية الأهمية لإعادة التواصل مع التراث العقلاني العربي في مختلف مراحله، وبشكل خاص منذ عصر النهضة.
وبعد أكثر من قرن ونصف القرن على هيمنة الثقافة التراثية السلفية من جهة، والثقافة الانتقائية من جهة أخرى، ما زال العالم العربي يفتقر إلى مشروع ثقافي جديد يؤسس لنهضة عربية طال انتظارها بعد أن نجحت شعوب أخرى في بناء نهضتها الثقافية، وحافظت على خصوصياتها مع تمثل للمنجزات الثقافية المعاصرة التي تم إنجازها خارج بلادهم. ولا بد من التأكيد هنا على أن النموذج الإنساني الأرقى للتراث العقلاني العربي يقع أمام العرب لا وراءهم. والتقدم ثمرة من ثمار العلم المتطور الذي يوضع في خدمة تطور الإنسانية جمعاء وليس نتاج العقم الثقافي الذي يمجد التراث لكنه يحارب الجانب العقلاني فيه. مما أدى إلى تحجر الذهنية العربية، وزاد من اتساع هوة التخلف بين واقع المجتمعات العربية المعاصرة والمجتمعات المتطورة.
في هذا الجانب بالذات يبرز فقر الإيديولوجيا العربية السائدة اليوم بعد اكتفاء منظريها بهاجس الدفاع عن هوية مطلقة أو مغلقة، أو انتقائية تقوم على التقليد السطحي وتنتهي بالتغريب التام. والمثقف العربي مطالب اليوم بأن يتجاوز المقولات التراثية، السلفية منها والانتقائية والعقلانية على حد سواء. وأن يفتح سجالا عقلانيا لزعزعة المقولات السائدة، خاصة المقولات التي تتعبد إلى التاريخ وتحاول إحياء الماضي في الحاضر، أو تقدس تجربة الغرب وتقتبس مقولاته الجاهزة والموصلة إلى الاستلاب.
لقد أنتج المثقفون العرب عددا كبيرا من المشاريع الثقافية لكنهم عجزوا عن توليد تيار ثقافي شمولي واحد يتبنى مقولات الثقافة العقلانية، ويساهم في إطلاق مشروع نهضوي عربي جديد. فكثير من الهواجس الثقافية التي انطلقوا منها تشدد على أولوية الإصلاح السياسي. وما انفك بعضهم يدعو إلى ضرورة التعلم من دروس الحداثة الغربية لأنها مهدت الطريق أمام ثقافة كونية ذات بعد مستقبلي. علما أن شكوكا كبيرة تحوم حول مدى صلاحية ثقافة واحدة في التحول إلى ثقافة كونية يريدها البعض المثال الوحيد لجميع الثقافات الأخرى في العالم. إلا أن عددا كبيرا من مثقفي العرب اليوم باتوا على قناعة راسخة بأن نماذج التحديث التي نشرتها المركزية الأوروبية وامتدادها الأميركي لم تقدم دروسا مستفادة للعرب من أجل بناء حداثة حقيقية غير قابلة للارتداد. فهناك تلازم أكيد بين الإنسان الحر والحداثة السليمة المرتكزة إلى العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة. وكلا العنصرين مفتقدان في المجتمعات العربية كافة. وعبثا يحاول مثقفو السلطة توصيف بعض مظاهر التحديث في المجتمعات العربية على أنها حداثة سليمة ما دامت حريات الإنسان العربي الأساسية غير مصانة. وليس بالإمكان تصنيف الصراع الدائر على الساحة الثقافية العربية منذ عصر النهضة حتى الآن في خانة الصراع بين الحداثة والأصالة، بل بين قوى سياسية، في السلطة والمعارضة، ذات توجهات إيديولوجية شمولية أو توتاليتارية استبدادية أو أصولية بامتياز. وما زالت مصالح قوى السلطة وقوى المعارضة تتقاطع عند نقطة مركزية واحدة هي تغييب الديموقراطية، ومصادرة التراث العقلاني العربي، ماضيا وحاضرا. وتلتقي مصالح تلك القوى، رغم تباعد مواقفها وشعاراتها ومقولاتها النظرية، مع توجهات قادة العولمة الغربية، بجناحيها الأوروبي والأميركي، التي تعمل على إبقاء العرب أسرى التبعية للغرب. وهذا ما عبر عنه هشام شرابي بقوله: «إن علاقتنا بالغرب، وخاصة بأميركا، ما زالت علاقة تضاد واختلاف. الغرب اليوم، وأكثر من أي وقت سابق، ما زال يريد لنا غير ما نريده لأنفسنا. نحن نريد الحداثة، وهو يريد لنا التحديث. نحن نريد السيادة والاستقلال وهو يجبرنا على التبعية. نحن نصبو إلى التحرر والوحدة، وهو يدعم الأنظمة البدوية التي تقف في وجه التحرر والديموقراطية وتمنع الوحدة». لكن المثقفين العرب منقسمون حول تحديد المقولات الثقافية الواجب اعتمادها لمواجهة تحديات العولمة بثقافة عقلانية تقيم التوازن بين ثقافة تراثية لحماية الذات والانفتاح على الثقافات الكونية.
([) مؤرخ وأستاذ جامعي
صحيفة السفير - بيروت