ستون عاما !
أكثر ما يقلقني في الذكرى الستين للنكبة .. أن حديث الشارع الآن هو عن أحداث مسلسل تلفزيوني اسمه « نور « وفد الينا ضمن ما وفد تحت ظلال العولمة .. أصبح هو الحديث المفضل للناس في المواصلات العامة وفي الشوارع والصالونات .. رغم أنه لا يتحدث عن مجتمعنا ولا تراثنا ولا حتى «حواديتنا» .. فأنسانا في ذكرى النكبة أن نتفكر بأمورنا ونتحدث عن مشاكلنا وأوضاعنا ، لا نتابع الأخبار ، بل نتابع التعليقات المتعلقة بنور ... فهل هكذا نحيي ذكرى النكبة !
وأصعب ما نسمع في الذكرى الستين ، كيل الشتائم بين حركاتنا السياسية ، وقصص الاجتياحات والسرقات والاختلاسات وجرائم القتل ، وقصص الفوضى والتراجع الأخلاقي .. وقصص حفلات باذخة ، ومشاكل اجتماعية لا حصر لها .. لم تكن موجودة في ماضينا !
والأكثر مرارة في الذكرى الستين .. هو منظر القدس .. تناقض كامل بين ثلث أهلها الذين يعانون من رواسب النكبة والاحتلال . - الفلسطينيون - واقع يريهم أن لا دولة لهم .. و بين ثلثي سكانها - الاسرائيليون - الذين ينتشون ويحتفلون ويبتهجون بذكرى قيام دولتهم !
ستون عاما وهم يحتفلون بانتصارهم ، ونحتفل نحن بهزيمتنا ، يرقصون ويرفعون اعلامهم البيضاء والزرقاء في كل مكان ، ونستعيد نحن ذكريات وطن تمزق ، ومأساة وهجرة قسرية ، وعيش في الشتات نستجدي فيه معونات غذائية من الأمم الأخرى !
ستون عاما من مرارة العيش .. انقسم ما تبقى من الوطن الى كيانين لا يربطهما اتصال جغرافي ... وعاد هاذان الكيانان للإتصال في ظل استكمال قضم الوطن ، في ظل احتلال أتى ليأكل ما تبقى من اليابس ، بعد أن أكل الأخضر قبلها بتسعة عشر عاما .. ثم عاد الكيانان لينفصلا مرة أخرى .. ليس بفعلهم هم فقط ، ولكن بأيدينا نحن أيضا !
ستون عاما وشعارنا مفتاح بيت هناك نحلم بأن نعود اليه ، وستون عاما وهم يبنون ليثبتوا للعالم أجمع أنهم أقدر وأحق بالبلاد .. بينما نحن نتباكى ونحلم ونستجدي ممن لا يريدون أن يعطوا أو لا يملكون أن يعطوا حقا .. وانما يتمننون علينا بدريهمات تقينا الموت جوعا ، وتقتل فينا حتى الحلم بغد أفضل .. أو بحق يمكن أن يعود ، أو بأمل لأن يكون في العالم يوما ما من يؤمن بشيء اسمه عدل !
ستون عاما لم نكف عن التصارع .. تصارع على كيفية انتزاع حق .. وصراع على زعامات وكراسي لا يملك صاحبها الا حقه في الإستئذان من الغير ليتمكن من الحركة ، أو من النطق ، أو حتى من الاسترسال في الأحلام !
ستون عاما كدنا فيها ننسى من نحن ، ويحاول بعضنا الانتماء الى شيء يبعده عن الوطن ، ويلهيه عن المطالبة به ، ستون عاما وبعضنا يقدم طلبات للهجرة .. ويلهث وراء كرت أخضر ، أو جواز غير مؤقت ، أو يشتري بمال جمعه من عمل في الخليج جنسية لدولة تبيع حق المواطنة بمائة او مائتي ألف .
ستون عاما وكثيرون يحملون شعار « يلا نفسي « أو «أنا وبعدي الطوفان» .. نكرر أخطاء الماضي .. نتصرف بنفس الأسلوب الذي عشناه في التحزب والتصارع والطائفية والشللية والشخصانية ، نصفق للكلمات ونلهث وراء من يبيعنا اياها ، وننسى العمل الجاد وشد الساعد لبناء مستقبل يمكن أن يكون!
ستون عاما من العمل الفردي .. ومن بعض النجاحات الفردية هنا وهناك .. لكننا لم نتعلم خلالها مبدأ العمل الجماعي .. ولا طريقة الوصول الى النجاح الجماعي ، لا زلنا نتنافس فرديا لنحقق بعضا من غرور الذات وأحلامها ، ولا نستطيع أن نعمل سويا لنحقق أماني المجتمع وصلاحه !
ستون عاما بنينا فيها للغير بهمة ونشاط ، أفدناهم واستفدنا منهم ، بنينا لهم دولا كانت في الماضي مستعمرات أو كيانات ضعيفة البنية والقدرة .. ولكننا عندما بدأنا نعمل لأنفسنا ولكياننا .. لم نجن الا فشلا وراء فشل !
ستون عاما تعودنا فيها الصراخ والنحيب على من فقدنا ، على شهداء حاولوا أن يعملوا شيئا ، أو أبرياء قضوا دون أن يكون لهم دور الا تواجدهم على أرض يحاولون لأن يبقوا عليها ، لعل وعسى أن يكون هناك غد مشرق .. بعد أمس مليء بالدموع والاحزان والالم والذكريات !
ستون عاما يجب أن تعلمنا ... تعلمنا كيف تكون أحلامنا واحدة ، وخطانا واحدة ، وقلوبنا واحدة ، وسواعدنا واحدة ، وأفكارنا واحدة ، وأدمغتنا تعمل للجماعة لا للفرد!
ستون عاما يجب بعدها أن تجف دموعنا ، ويجب أن تغلظ قلوبنا ، وتقسو قسمات وجهوهنا .. وتمتد أيدينا لأي شيء غير الاستجداء .. ويجب أن تتطلع قلوبنا وعقولنا وعيوننا الى أمل بأن يساعدنا الله على تغيير حالنا ، ذلك أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
- دخول أو تسجيل مستخدم جديد لتعلق
- Email this page
- نسخة للطباعة








