وزير الاقتصاد الجزائري السابق لـ
: الإبادة الصهيونية ستتواصل توحد الفلسطينيون أم تشتتوا (2 من 2)

من العدوان الاسرائيلي على غزة
واشنطن -
من محمود بلحيمر - أصدرالسيد مراد بن أشنهو وزير الاقتصاد الجزائري السابق اخيراً كتابا بالفرنسية يحمل عنوان "الصهيونية: لاهوت إبادة جماعية" Le Sionisme, Théologie génocidaire تعرض فيه لحقيقة الفكر الصهيوني كما عبر عنه العديد من الساسة الإسرائيليين في مختلف مواقفهم وفي ممارسة دولة إسرائيل. هذه الإيديولوجية الصهيونية لم تخف، بحسب بن أشنهو، هدفها المتمثل في إقامة دولة تيوقراطية (لاهوتية) بناء على أوامر إلاهية تكون حصريا لصالح مجموعة دينية في مقابل التصفية الجسدية للشعب الفلسطيني على النحو المطلوب في الإنجيل القديم. وكشف في القسم الأول من هذا الحديث أن أي سلام في المفهوم الإسرائيلي لا يؤدي إلى اعتراف الفلسطينيين بالتخلي عن حقوقهم لا طائل منه بالنسبة الى اسرائيل، لأنه سيكون حالة تتعارض مع تعاليم الكتاب المقدس كما يفسرها الصهاينة. وهنا القسم الثاني من الحديث الذي بدأ بهذا السؤال:
* الإسلاموفوبيا (أو الكراهية ضد الإسلام) هي واحدة فقط من الأدوات التي يستخدمها الصهاينة وحلفاؤهم من جميع المشارب لتبرير الطابع الإبادي (أو طابع الإبادة الجماعية) لهذه الأيديولوجية الدينية. فالكراهية ضد الإسلام التي بلغت حاليا أبعادا خطرة في جميع البلدان التي يُفترض أنها "علمانية"، ترمي إلى محاولة إقناع الناس بأن المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني تدخل في إطار فكرة "صراع الحضارات" الشهيرة الذي صاغها صموئيل هانتنغتون الباحث الذي لم يخف قناعاته الصهيونية العميقة، وأيضا إلى تبرير سياسة التصفية الجسدية التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين. وذكرت في كتابك أن الأيديولوجية الصهيونية ترفض القيم العالمية ولا تطبق حقوق الإنسان إلا على اليهود. لماذا يسكت المفكرون والساسة ووسائل الإعلام في الغرب على هذا، بينما هناك حملة منظمة ضد الدين الإسلامي بحجة أنه لا يتلاءم مع حقوق الإنسان ؟
- إذا كانت هناك مسألة لا تترك حولها السلطات في اسرائيل أي مجال للشك فهي أن حقوق اليهود في إسرائيل تعد وحدها حقوقا مشروعة. اليهود وحدهم لهم الحق في حرية التعبير من دون حدود وحرية التنقل والعمل وحق التملك والحق في التعليم وحق العيش في سلام والحق في عدم التعرض للاعتقال والسجن من دون مبرر والحق في تشكيل الأحزاب السياسية والحق في عدالة مستقلة وما إلى ذلك. أما الشعب الفلسطيني، سواء الذي يعيش على الأرض الممنوحة لإسرائيل عام 1948، أو في الأراضي المحتلة، والتي هي خاضعة للسلطات العسكرية الإسرائيلية ليس له أي حق بالمعنى المحدد والمعترف به من الدول الأكثر تقدما. وبكل بساطة ليس له أي حق إنساني باستثناء الحق في عدم المطالبة بالحقوق والحق في الخضوع الطوعي إلى تعسف السلطات اليهودية لإسرائيل.
وعادة ما تنتقد الدول العربية لسوء معاملتها لرعاياها أو مواطنيها وبصفة خاصة النساء، ولكن عندما نقارن المعاملات اليومية التي تخصصها السلطات الإسرائيلية للشعب الفلسطيني، فإن هذه البلدان حتى وإن كانت الانتقادات الموجهة إليها مبررة، يمكن اعتبارها جنات في مجال حقوق الإنسان. فلا توجد واحدة منها (من الدول العربية) حتى الأكثر فقرا تعامل شعبها بنفس القساوة، بل لنقل الشراسة التي تعامل بها السلطات الإسرائيلية الشعب الفلسطيني بجميع مستوياته وبجنسيه. فالنساء الفلسطينيات ليس لهن أي امتيازات مقارنة بإخوانهن من الجنس الآخر. إنهن يتعرض للسجن والاغتصاب ويمنعن من التنقل ويتعرضن للطرد من مساكنهن رفقة أطفالهن ويتعرضن للتعذيب بنفس الطريقة التي يعذب بها الرجال والأطفال الفلسطينيون.
بالنسبة الى لفلسطينيين فإن إسرائيل هي عبارة عن معتقل كبير بحيث أن طرقا وحتى مدنا بكاملها مخصصة حصريا ليهود إسرائيل إذ أن عدد حواجز الشرطة في الطرقات لمنعهم من حرية الحركة أكبر بكثير من عدد الحواجز التي كانت تنصبها السلطات الاستعمارية (الفرنسية) خلال الحرب التحريرية في الجزائر. كل دقيقة من حياة الرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين هي دقيقة للعنف والإذلال والإحباط الذي يجعل أفغانستان تحت سيطرة طالبان، جنة على الأرض. هذه السياسة ليست سرا بالنسبة الى السلطات الإسرائيلية التي صنفها الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر بأنها "أبارتيد" أي سياسة فصل عنصري. وهذه السلطات لم تخف أبدا حقيقة أن الهدف من هذه الإجراءات التي تتعارض مع أبسط مفهوم لحقوق الإنسان هو إرغام الفلسطينيين على مغادرة الأرض التي يعيشون عليها، فوزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني التي تلاحقها محكمة إنكليزية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية، عبرت بصورة جيدة عن هذه السياسة، ليس فقط باقتراحها رسميا طرد مليون وخمسة آلاف فلسطيني من "عرب 1948"، ولكن أيضا بإضافة التعليق التالي: "يجب على الفلسطينيين أن يفهموا أن ليست لديهم حياة هنا ومن مصلحتهم المغادرة". فالاعتبارات الأمنية التي تقدمها السلطات اليهودية لإسرائيل ما هي إلا ذرائع موجهة لإخفاء السبب الحقيقي، وهو التطهير (العرقي) للأرض التي منحها الله لليهود، من كل مجموعة تعتبر غير يهودية.
وفي مقابل الرفض المتعمد من السلطات اليهودية لإسرائيل للامتثال للمعايير المعترف بها دوليا لمفهوم حقوق الإنسان، وهو موقف كان من شأنه أن يجعل هذه الدولة منبوذة من المجتمع الدولي منذ فترة طويلة، تبدو مزاعم إعطاء الدروس في مجال حقوق الإنسان ستارا يخفي مخططات السياسة الخارجية التي ليس لها علاقة بالدفاع عن حقوق الإنسان. وهذه الانتقادات موجهة فقط إلى الدول التي ترفض الإنصياع والامتثال للنوايا المعلنة والخفية للدول التي تعطي دروسا في حقوق الإنسان.
* مر عام على نهاية الحرب الإسرائيلية على غزة التي لا يزال شعبها رهن حصار مميت. بناء على ما ذكرته في كتابك عن الإيديولوجية الصهونية ما هي الأهداف البعيدة لإسرائيل من وراء دفع غزة إلى الوضعية التي هي عليها منذ أكثر من سنتين؟
- كما شرحت مطولا في كتابي فإن الهجوم البربري للجيش الصهيوني على سكان غزة حيث تم استخدام أسلحة محظورة بما في ذلك الذخيرة المشعة التي استخدمت بكثرة ضد المدنيين العزل، تم تقديمه على أساس أنه نتيجة لسلسلة من الأحداث المختلفة منها أساسا إطلاق صواريخ وقذائف هاون على الاراضي التي طرد منها الفلسطينيون الذين يعيشون في قطاع غزة في إطار سياسة التطهير العرقي تطبيقا للإيديولوجية الصهيونية التي تتلخص في التالي: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". كثيرون هم المعلقون الذين ذهبوا في هذا الاتجاه، بما في ذلك الذين لا يجهلون شيئا عن الإيديولوجية الصهيونية، في حين أن التصريحات المنسجمة التي أدلت بها السلطات الإسرائيلية قبل العدوان وبعده، لم تخف طابع الإبادة الجماعية لعملها في انسجام كامل مع الإيديولوجية الصهيونية: اقتلوا الفلسطينيين أو اجعلوا حياتهم مستحيلة في جميع المواقع حتى يتركوا بمحض إرادتهم الأراضي التي تعتبر إنجيليا حصرا على اليهود. فالجنرال الحاخام الأكبر لإسرائيل أكد الطابع الديني لعملية التصفية الجسدية هذه، وهو لم يقم سوى بتكرار السياسة المعلنة من جانب السلطات اليهودية الأخرى.
لقد شاهدنا تضامنا دوليا مثلا إثر الكارثة الطبيعية التي ضربت هايتي، ولا يسعنا إلا أن نرحب به. ومهما يكن عنف هذه الكارثة فإن عدد الأشخاص من دون مأوى الذي خلفته سواء نسبيا أو مطلقا، هو أقل بكثير مما خلفه هجوم القوات المسلحة الإسرائيلية ضد سكان غزة حيث فقد 90 في المائة منهم منازلهم. لقد دمرت إسرائيل عمدا ليس فقط المناطق السكنية ولكن أيضا المساجد والمستشفيات والمدارس والمحاجر ووحدات خلط الإسمنت والجسور والطرق وما إلى ذلك، وبطريقة منهجية بهدف جعل عملية إعادة بنائها مستحيلة. إن إسرائيل تضرب منذ أربع سنوات حصارا محكما ضد الفلسطينيين، وذهبت إلى حد تصنيف الاسمنت المستورد كمادة عسكرية. وهذه هي المرة الأولى في التاريخ الجمركي الدولي يتم فيها تصنيف مادة حيوية في البناء كمعدات عسكرية.
من الأجدر أن نذكر مرة أخرى هنا بسلبية المجموعة الدولية إزاء معاناة الشعب الفلسطيني الذي يعاني من الظلم بعد طرده من أرضه بالعنف، فإذا ما سارعت لنجدة المتضررين من كارثة طبيعية فهي تتصرف ببعض السلبية، إن لم تكن متواطئة، إزاء سياسة الإبادة الجماعية المنفذة عمدا ضد غزة. إن هدف إسرائيل واضح لا لبس فيه.
ليس هذا ما يمكن قوله عن موقف الدول بجميع معتقداتها الدينية وإثنياتها وأنظمتها السياسية إزاء إرادة الإبادة الإسرائيلية التي تنفذ ضد شعب فلسطين بشكل واضح لا لبس فيه في غزة، بل نجد حتى محللين يبررون هذه المعاناة بضرورة الوصول إلى توحيد سريع للصف الفلسطيني، وهو أمر (وحدة الصف الفلسطيني) يستحق الدعم بالتأكيد، ولكن من الصعب أن نجد علاقة منطقية بين حصار غزة والحظر المفروض على الفلسطينيين للعيش هناك وإعادة بناء منازلهم وحياتهم. لكن ينبغي أن نلاحظ أن السياسة الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني لن تتغير قيد أنملة سواء كانت القيادة الفلسطينية موحدة أم لا. إن المنطق الصهيوني هو منطق إبادي تواصل تطبيقه السلطات سواء كان الفلسطينيون تحت قيادة واحدة أو يواجهون العنف المستخدم ضدهم بصفوف مشتتة.
ولا يمكن لأي دولة معنية ومهتمة بتحقيق سلام عادل في المنطقة أن تستند إلى هذه الوضعية المؤسفة لتبرير موقفها السلبي تجاه المرحلة الحالية من الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني. إن ضغط المجتمع الدولي، كل الدول مجتمعة، ينبغي أن يكون ليس على الفلسطينيين ولكن على إسرائيل حتى تتخلى عن حلمها بإقامة دولة مطهرة من أي شعب آخر عدا معتنقي الديانة اليهودية، وتتخلى عن مشروعها بإقامة إسرائيل الكبرى، وأن تتخلى عن طبيعتها الثيوقراطية (الدينية) وتعتمد المعايير الدولية الحديثة للحكم، وباختصار أن تتحول إلى دولة ديمقراطية بالمعنى المقبول من جانب الدول المتقدمة التي تدعي انتسابها إليها.
* هل هذا الأمر يعد طلبا كبيرا من دولة يقدمها الكثير على أساس أنها النموذج الذي يعكس القيم الحديثة؟ أم أن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ما هي إلا أسلحة حرب تستخدم بصفة خاصة ضد أعداء معروفين، أيا كان مصدر العداء؟
- فعلا الوضع يبدو على هذه الحالة. إسرائيل هي حجر الزاوية الذي تختبر من خلاله مصداقية هذه الدعوات لأجل احترام قواعد القانون والأخلاق الدولية، والتي تظهر فيها دول كبيرة رائدة ومدافعة عنها من دون هوادة، والتي لا يجوز أن يفلت منها أي عضو في المجتمع الدولي من دون استثناء، لأن استثناء واحدا سيحولها الى مجرد ذرائع لتبرير تدخلات لا علاقة لها بالحاجة لهذا المجتمع (الدولي) لقبول حد أدنى من معايير حسن السلوك الذي يميز دولا عادية عن دول ينبغي طردها من المنظمة الأممية، وحرمانها من مزايا العلاقات الدولية المبنية على المبادئ المقبولة من الجميع، لأن ذلك من مصلحة الجميع.















التعليقات
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟