البقاء للاصلح: لا بد من قراءات ومراجعات حساب عربية واسلامية في السياسة الاميركية

الاثنين مارس 24 2008 - د. حمزه ذيب مصطفى

الحلقة الحادية عشرة

في اللقاء السابق تحدثت عن موضوع وشأن الولايات المتحدة الاميركية من مسلمي كوسوفا وقلت بأن الانتصار لهذه الفئة المؤمنة من قبل هذه الدولة العظمى هو حسنة كبيرة وموقف يجب ان تشكر هذه الدولة عليه، اذ لا يصح ان نذم وقت وساعة الموقف الخاطىء او غير العادل او الموقف الظالم لنا من قبل اميركا ولا نمدح او لا نشكر حين الموقف السليم والموقف العادل وموقف الانتصار للحق واهله.

وانا هنا ومن هذا الموقف لا اتحدث بصفتي فلسطينيا فحسب وانما لكوني انتمي الى الامة الاسلامية فاعيش همومها واحزانها كما اعيش افراحها وسعادتها سيما وان المنطلقات في هذه الدراسة هي على هذا المستوى من الانتماء الشمولي لا الانتماء الجزئي، وكون اميركا لم تعدل حيثما حلت ونزلت او لم تطبق العدالة في كل موقع يتطلب ذلك منها، فمما لا شك اننا مع ان تتحرى هذه القوة الكبيرة في العالم العدالة حيث يتطلب الموقف والتدخل، كما اننا لا نستجير لهذه القوة العظمى التي تتحكم على وجه التقريب في ربقة العالم اجمع الا تكون منصفة او يجوز لها ان تكون متحيزة لفئة دون اخرى.

غير انه في الوقت نفسه لا يصح ان نستجيز لانفسنا الا نكون نحن ايضا منصفين ولا نتحرى العدالة في حكمنا على الاخرين، وتستوي عندنا كل الحالات العادلة والظالمة، والمنصفة والمجحفة، فاننا والحالة هذه وكأننا لا نفرق ما بين الاسود والابيض، وهذا خلل في الابصار وخلل في الموازين وخلل حينئذ في المنهجية . وهذا مما لا يجوز بحال ان نكون عليه معشر المسلمين وديننا هو الذي ارسى قواعد العدالة للناس في الارض، وهو الذي علمها للشعوب والامم. ثم ليس من المنهج الصواب ان نقترف او نمارس ما ننتقده على الاخرين.

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك اذا فعلت عظيم

هذا جانب، والجانب الاخر، فاننا نقول: اذا كانت اميركا غير عادلة في مواقع وعادلة ومنصفة في مواقع اخر، لا يجوز والحالة هذه ان ارفع لواء: اما العدالة من هذه الدولة في كل مكان واما لا عدالة في اي مكان. بل الصواب ان ابارك مواقع العدالة عندها وانتقد مواقع الظلم. وفي الوقت ذاته لا بد من استمرارية المطالبة في تحقيق العدالة في كل موقع نرى ان العدالة تفتقر اليه حتى تحقق العدالة ويتحقق الانصاف الكامل والشامل، وان لم نستطع ذلك فعلى اقل تقدير نتلاقى قدر المستطاع مواقع الظلم وحينئذ نردد المقولة العربية الشهيرة: «حنانيك بعض الشر اهون من بعض».

وانا كما اسلفت من قبل: لو درسنا وتفحصنا كل موقع نحس فيه معشر المسلمين اننا مظلومون فيه لربما نجد ان لوما يلحق بنا، وعدم الاصطبار وغياب الحكمة احيانا نتحلى به، او قد تغيب عنا الخطط الاستراتيجية والتي تحتاج الى نفس طويل وتعالج بالمنطق والواقعية والمنهجية السليمة بعيدا عن العاطفة وردات الفعل. بمعنى لو تفحصنا ذلك جيدا لربما يتبدى لنا السبب في هذه المشكلات او المحن التي وقعت لنا او لنا حصة الاسد من اسباب هذه المعضلة.

ونحن حين نتحدث عن مواجهة او معالجة من هذا النوع فمما لا ريب ولا شك فيه ان مثل هذه الدراسات والفلسفات المنهجية ووضع الخطط والاستراتيجيات وبالتالي وبعد ذلك انتظار النتائج او قطف الثمار فان ذلك لا يتم في يوم وليلة وبين عشية وضحاها، اذ الحديث عن امة لا عن فرد، ومواجهة الامم تحتاج الى المزيد من الوقت والتخطيط والصبر والحنكة فعلى سبيل المثال قد نستقلل الخمسين عاما في عمر الشعوب والامم وانا هنا سأضرب مثالا واحدا على طبيعة الوقت وما قيمته وقدره من حيث طول المدة وقصرها في عمر الشعوب والامم، وذلك بالحروب الصليبية ، فاذا ما نظرنا الى الامر في ايامنا هذه نقول بأن ذلك قد اصبح جزءا من التاريخ بعد تحرير بيت المقدس ولم نعد نستكثر مدة بقاء بيت المقدس تحت نير الصليبيين هذه المدة التي قد رؤيت في زمانها ورآها اهل ذاك الزمان بأنها طويلة. وفعلا اذا قاسها الانسان بعمره القصير والذي يريد ان يرى في حياته كل شيء يتمناه يرى هذه الفترة طويلة بل طويلة جدا كيف لا وهي لا تقل عن قرنين من الزمان؟.

فمدد الظلم ومدد الاحتلالات، ومدد عذابات الشعوب قد تطول وقد تقصر وذلك بعد ارادة الله بفعل يدي الانسان، لذلك ومن هنا قال الله تبارك وتعالى «وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير» (1).

فتطول مدد الظلم والتخلف والضعف لدى الشعوب والامم اذا لم تأخذ باسباب النجاة والنجاح ولم تمسك بزمام اهداب التطور والتقدم وتركن الى عوامل الزمن ومتغيرات الظروف، يبقى الانسان حينئذ رهين هذه العوامل التي لا تزيد الانسان الا ضعفا وتخلفا.

اما اذا اخذت الشعوب والامم بالاسباب اسباب رفع الظلم وعوامل النصر، ومقدمات واسس النجاح والتقدم في الحياة ثم توكلت بعد ذلك على الله سبحانه فان الله تعالى سيحقق لها حينئذ ما تريد وستصل الى ما تصبو اليه من اهداف وغايات، وعلى هذا في تصوري يتنزل قول ابي القاسم الشابي الشاب:

اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر

ولا بد لليل ان ينجلي ولا بد للقيد ان ينكسر

وانا شخصيا لا افهم مثل هذه الابيات والتي كلها استنهاض للهمم كقوله ايضا:

ومن لم يتعود صعود الجبال يعيش ابد الدهر بين الحفر

الا من هذه الزاوية، بمعنى ان القدر وارادة الله سبحانه لا تقف ابدا في وجه طريق الانسان ان هو جد واجتهد واحسن الصنيع واحكم الارادة، بل العكس هو الصحيح اذ الله تبارك وتعالى يوفق الانسان وييسر امره ويفتح عليه ويرزقه من حيث لا يحتسب، فالله تبارك وتعالى يعطي من يشاء بغير حساب، وهو القائل ايضا جل شأنه «فاذا عزمت فتوكل على الله» (2) وقال جل شأنه: «فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور» (3). والجميع يعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سأله احد الصحابة عن دابته: أرسلها وأتوكل ام أعقلها وأتوكل؟ فقال له صلوات الله عليه «اعقلها وتوكل» (4).

فالانسان اذا ما اخذ بالاسباب وجد واجتهد وتوكل على الله فان الله تعالى يحقق له ما يريد، ولن يقف القدر دون تقدم الانسان وتطوره وافادته من الحياة، كما لا يحول القدر ما بين الانسان وبين ما يصبوا اليه ان هو اخذ بما يقوده ويحقق له ما يريد. فها هي اوروبا - والغرب بوجه عام لا تستند في حياتها الى دين ولا تركن الى عقيدة ايمان في تقدمها وتطورها وفلسفة حياتها، ومع كل ذلك تعتبر الدول الاولي في العالم، فهي اكبر بلدان العالم تقدما وتطورا، والسبب انها اخذت باسبابها التقدم المادي فوصلت وتحققت لها نجاحات كثيرة وكبيرة.

فما بالنا في المؤمنين والمسلمين لو سلكوا هذا الطريق؟ من باب اولى، وهذا الذي جعل من المسلمين حينما تمسكوا باهداب دينهم واخذوا باسباب النجاح والتطور والتقدم سادة العالم وقادته فعزوا بذلك وعز الاسلام بهم. فلما تخلوا عن التمسك بالاسلام وتحللوا من مبادئه وقيمه، ولم يولوا العلم والبحث العلمي طرائقه وقواعده ومقدماته اخفقوا وتأخروا عن ركب الامم التي اخذت بأهداب التقدم والتطور.

وهذه سنن الهية وكونية لا تحابي ولا تجامل احدا، ولا فرق عند هذه السنن ما بين مؤمن وكافر وبر وفاجر، فهي اسس وقواعد الحياة الناجحة. فالطالب على سبيل المثال ان جد واجتهد نجح وقد لا يكون مؤمنا، اما الطالب الذي لا يقرأ ولا يجد ولا يجتهد لن ينجح وان كان قائم الليل صائم النهار. الى هنا والى حلقة قادمة اخرى باذن الله. والسلام عليكم.

الهامش

1-اية رقم 30 سورة الشورى.

2-اية رقم 159 سورة آل عمران.

3-اية رقم 15 سورة الملك.

4-حديث حسن . اخرجه الامام الترمذي.

د. حمزه ذيب مصطفى

جامعة القدس

البقاء للجميع

لغة الحوار بين الحضارات كانت ولا تزال الطريقة المثلى للاتصال من اجل تقدم وإثراء الإنسانية. تحسين مستوى الإنسان ومنحه حياة أفضل ومحاولة إنهاء معاناته هي التزام أخلاقي لكل الشعوب المحبة للسلام.

الولايات المتحدة هي مثال حي كيف إن الأعراق و الأديان المختلفة تشكل قاعدة أساسية تستمد أمريكا قوتها منه والتي تقُوي قدراتنا وتوسع أفاقنا لقبول الآخرين. أن تستطيع أن تقبل الناس كما هم وليس كما تريد أن يكونوا يُعتبر العامل الأساسي للحوار والتسامح بين شعوب العالم بل ويضمن أن يُزيل أو يقلل الفروقات بين الأمم ليزيد التعاون الدولي من اجل مصلحة الإنسان.

إن قبول الجميع لبعضهم البعض بغض النظر عن العرق أو اللغة أو الدين سيكون المعادلة الأساسية لبقاء الجميع وليس كما قلت أنت بأن "البقاء للأفضل".

إذا كنا قد قبلنا أن نساعد الشعب المسلم في كوسوفو - كما قلت- والبوسنة أيضا (واستطيع أن اذكر أمثلة أخرى عديدة) إذن لماذا يُصعب القبول والتصديق إننا نريد وعلى استعداد أن نقوم بذلك في أماكن أخرى كفلسطين مثلا؟

فقط وللتذكير فان نائب الرئيس تشيني كان واضحا بعد اجتماعه مع الرئيس أبو مازن الأمس في دعم جهود إقامة الدولة الفلسطينية حيث أضاف " إننا نتطلع الي اليوم الذي تُصبح الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، والديمقراطية والمسالمة موجودة".

شكرا

سمير زيدان
فريق التواصل الالكتروني
وزارة الخارجية الأمريكية