البخيت: الفكر التكفيري تسلل إلى خطاب الإسلاميين

179
البخيت: الفكر التكفيري تسلل إلى خطاب الإسلاميين
البخيت: الفكر التكفيري تسلل إلى خطاب الإسلاميين

- استقالة الحكومة لم تكن مفاجئة بعد انتهاء استحقاق الانتخابات

- ما حققناه في ملف الأسرى إنجاز مهم للدبلوماسية الأردنية

- الحكومة ليست بحاجة لاستعادة ولايتها الدستورية لأنها لم تفقدها

- الأردن ليس ضعيفا لتمرر على حسابه مشاريع الوطن البديل

- نجاح طبقة رجال الأعمال وتراجع النخب التقليدية أثار الجدل حول الانتخابات

عمان- لا يتردد رئيس الوزراء السابق الدكتور معروف البخيت، بالرغم من الانطباعات الموجودة، في نفي أن تكون حكومته عانت مشكلة تعدد وصراع مراكز صناعة القرار، أو محاولة الاستيلاء على جزء من صلاحياتها كصاحبة الولاية الدستورية، وهي قضية شكلت مثار جدل بين النخب السياسية والإعلامية في مسيرة الحكومات القليلة الماضية.

يقول البخيت، ردا على من يدعون لأن تستعيد الحكومة كامل ولايتها الدستورية في مقابل مرجعيات أمنية وسياسية أخرى في الدولة، إن الحكومة "ليست بحاجة لاستعادة ولايتها الدستورية، لأنها لم تفقدها (..)". ومع ذلك لا يفوت البخيت التأكيد على أنه "يجب أن تكون الحكومات على قدر المسؤولية، وأن تمارس دورها الدستوري بكفاءة".

ويحمل البخيت، في أول حوار موسع معه منذ استقالة حكومته في 22 تشرين الثاني الماضي، الإعلام مسؤولية ما أسماه "دعاية" عن وجود مزاحمة على الولاية الدستورية للحكومة، ويقول "كافة المؤسسات الرسمية تشكل فريقا واحدا بقيادة جلالة الملك كل يقوم بدوره بتكاملية".

ويرفض البخيت، فيما يتعلق الاعتراف بأن الرضا على حكومته "تراجع خلال السنة الثانية من عمرها". يقول هذا "انطباع لا تؤيده استطلاعات الرأي". لكنه مع ذلك يؤكد أن "الرضا الإعلامي والنخبوي لا يجوز أن يكون على أهميته هاجسا للمسؤول الذي يتحمل مسؤوليات تتطلب، أحيانا، الابتعاد عن الأضواء والعمل بهدوء".

ويصف البخيت الفترة التي تولى فيها المسؤولية بـ "الصعبة وأحيانا كانت عصيبة". ويقول "كان لا بد من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب بعيدا عن الحسابات الشخصية، واعتبار الشعبية لأي رئيس او مسؤول هو اعتبار شخصي، ومغر، ولكنه لا يجوز أبدا أن يتعارض مع المصالح العليا".

ويرفض البخيت أن تكون حكومته دفعت ثمن تأجيل تحرير قطاع المحروقات نهائيا. ويقول "لو استمرت الحكومة لأقدمت على هذه الخطوة، وهذا واضح، وكنا ملتزمين به، بوصفه استحقاقا اقتصاديا، وبوصفه أيضا، خطوة مهمة لمعالجة خلل قائم".

ولا يشعر البخيت بأي تخوف من "انعاكسات مفاجئة لقرار رفع أسعار المحروقات" الذي اتخذته الحكومة الحالية. ويقول "الخوف كان من كلفة عدم اتخاذه، وانعكاساتها الاجتماعية والأمنية على البلد عموما، خصوصا مع الاختلال الكبير الذي ألم بالموازنة".

ويدافع البخيت عن "حسن" إجراء حكومته للانتخابات البلدية في تموز الماضي والنيابية في تشرين الثاني الماضي، أمام اتهامات المعارضة الإسلامية للحكومة بارتكاب تجاوزات واسعة وتزويرها. ويقول البخيت إن الإسلاميين "شعروا بتراجع شعبيتهم، لاعتبارات عديدة، في مقدمتها الأزمة الداخلية، داخل الحركة، التي انعكست على أدائهم في الانتخابات، ولم يعد سرا أن الحركة دعت لمحاكمات تنظيمية لقيادات من الصف الأول فيها على خلفية موقفهم السلبي من مرشحي الحركة".

ويعيد البخيت أسباب إخفاق الإسلاميين في الانتخابات أيضا الى ما اعتبرها "التحولات التي طرأت على خطاب الحركة واتجاهات بعض قياداتها، مع ربط ذلك، لدى الناس، بسلوك تنظيمات أخرى في مناطق مجاورة وهذا كله انعكس على شعبية الإسلاميين، وأسهم في إثارة الجدل".

ويتمسك البخيت الآن بمضمون خطابه الشهير بعيد الانتخابات البلدية التي حمل فيه بقوة على تيار في الحركة الإسلامية، اتهمه بـ "محاولة اختطاف" الحركة من تاريخها وخطابها المعتدل.

ويقول "التحولات على صعيد خطاب وأداء الإسلاميين كانت بادية للعيان، وليس أدل على ذلك من حادثة العزاء بالزرقاوي، وإنكار شهادة شهداء تفجيرات الفنادق، وهو ما ينم برأيي، عن تسلل فكر جديد، على فكر الجماعة، هو الفكر التكفيري، أو ما يسمونه "الجهادي"، ما يعني أن الأمور لم تعد في إطار العلاقة التقليدية، ولا النظرة التقليدية للحركة الإسلامية".

ويذهب البخيت في حواره مع "الغد" الى أن ما يعتبره "التحول الجذري" على صعيد خطاب الحركة الإسلامية "ليس شأنا داخليا بالحركة، ولا يمكن النظر إليه على هذا النحو، فالإسلام السياسي المقبول أردنيا، هو الإسلام السياسي الذي يخدم قوة الدولة وتنوعها، وليس الذي يشكل نقطة ضعف للدولة، وليس مسموحا لأي تنظيم أن يتحول الى مادة اختراق خارجي، مهما كان الثمن" على حد قوله.

ويعتبر البخيت أن "المشكلة مع الحركة الإسلامية لم تكن في اتهامات بعض رموزها للحكومة بتزوير الانتخابات، فهذا أمر اعتدنا عليه (...) المشكلة كانت في الخطاب الطارئ غير المألوف وغير المقبول الذي طغى على لغتها".

وفي باب المطلوب من الإسلاميين للعودة الى علاقتهم السابقة بالدولة من وجهة نظره، يؤكد البخيت أن عليهم "التزام تقاليد المعارضة الأردنية المرخصة والشرعية، وتنقية الحركة من الفكر الغريب ودعاته، والمطلوب احترام ثوابت البلد، وقوانينه، والابتعاد عن السلوكيات المتساوقة مع سلوكيات تنظيمات أخرى انقلابية، او غير مرخصة ولا مشروعة في بلادها".

وفي سياق آخر، يصف البخيت ما يسمى بالصالونات السياسية في الحياة السياسية الأردنية بـ "صالونات النميمة السياسية، ومجالس المستوزرين، ممن يستمرئون ترويج الشائعات، واغتيال الشخصيات، وإثارة المشاعر السلبية، وإنكار كل المنجزات لأنهم ليسوا في مواقع القرار".

ويضيف أنه شخصيا لم "يكن لدي مشكلة مع المشاغبة والمشاغبين على الحكومة، فهذا أمر مألوف، مشكلتي كانت مع الإجحاف بحق البلد ومسيرته وإنجازاته الاستثنائية، ومشكلتي هي مع حمى الشائعات التي تغتال الناس وتشهر بهم زوراً وبهتاناً".

وفيما يلي نص الحوار..

* حظيت حكومتكم بعد تشكلها، أواخر 2005م، وربما اكثر من غيرها، بترحيب وتوقعات متفائلة من قبل محللين وسياسيين، خاصة وأنكم لم تأت من الطبقة السياسية التي اعتادت في العقدين الآخرين إفراز رؤساء الحكومات، وإنما جئتم من الجهاز البيروقراطي الذي تدرجتم فيه من أولى درجاته، لكن حكومتكم أنهت ولايتها وقد تراجع عنها مستوى الرضا النخبوي والإعلامي الى حد كبير.. هل تتفق أولا مع وجهة النظر هذه وكيف تفسرها?

- أرجو أن أوضح، ابتداء، موضع الخلط، حتى لا أقول الخطأ في نص السؤال، فأنا أتيت من مؤسسة الديوان الملكي، وكنت قبل ذلك قد عملت سفيرا لبلادي، أما جل خدمتي ففي المؤسسة العسكرية الأردنية، وأما خدمتي في الجهاز الإداري أو البيروقراط كما تحب أن تسميه فقليلة نسبيا.

المهم، أنني أعتقد أن ما تسميه ترحيبا ورضا، كان لثقة الناس المطلقة والمنزهة، أولا بخيارات جلالة الملك المعظم، وثانيا، بمؤسستي: الديوان الملكي العامر والقوات المسلحة الأردنية، وبضرورة الحال الإدارة الأردنية، وهي ثقة مركبة وثمينة، سعيت لأن أكون أهلا لها.. أقصد هنا ثقة سيد البلاد وثقة الناس في المؤسسات الراسخة، التي تواصل إنتاج القيادات.

لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن الثقة الشعبية، يجب ان تتحول الى بحث عن "شعبية"، بالمعنى العامي للكلمة، رجال الدولة يجب ان يقاتلوا دفاعا عن الثقة، ولكنهم خليقون بالابتعاد عن "فخ الشعبية"، هناك قرارات يجب ان تتخذ بغض النظر عن شعبيتها، طالما انها ضرورية وملحة للمصلحة العامة، وعدم اتخاذها يعني ضياعا للمصالح الاستراتيجية وتعريضا للبلد والمواطن للسيناريوهات الأخطر.

الفترة التي توليت فيها رئاسة الحكومة كانت صعبة، وأحيانا كانت عصيبة، وكان لا بد من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، بعيدا عن الحسابات الشخصية، واعتبار الشعبية لأي رئيس او مسؤول هو اعتبار شخصي، ومغر، ولكنه لا يجوز ابدا ان يتعارض مع المصالح العليا.

على كل حال، فإن ما تسمونه تراجعا في الرضا عن الحكومة خلال السنة الثانية من عمرها، هو "انطباع" لا تؤيده استطلاعات الرأي، ومع ذلك، فإن الرضا الإعلامي والنخبوي، لا يجوز ان يكون، على اهميته، هاجسا للمسؤول، الذي يتحمل مسؤوليات تتطلب، احيانا، الابتعاد عن الأضواء والعمل بهدوء وصمت.

قد أكون فسرت ما ترونه تناقضا، او تباينا، مع تحفظي على بعض الأوصاف والأحكام دون الحاجة للدخول بالتفاصيل.

* مصدر الترحيب بحكومتكم، كما نعتقد، انطلق من ان مواصفاتكم، والأدبيات السياسية والاقتصادية التي طرحتموها، بشرت بقدرة الحكومة على استعادة كامل ولايتها الدستورية وترسيخ مرجعيتها في اتخاذ القرار.. هل توافقوننا على الطرح? وهل تعتقد ان ثمة مشكلة او إشكال حقا في مسألة ولاية الحكومة، وتقدم مؤسسات رسمية اخرى لأخذ جزء من صلاحيات الحكومة.. أم هي عملية تكامل ادوار?

- لم أطرح أية أدبيات حول ولاية الحكومة الدستورية، لأنني لا اعتقد بوجود مشكلة جدية على هذا الصعيد، ما طرحته سابقا شيء مختلفة، وكان تلخيصا لفهم الحكومة، لرؤية القائد للنهوض بالبلاد، تعبيرا عن حرصنا على ترجمة هذه الرؤية السامية، لقد حددنا ما هو شكل الاردن الذي نريد في المستقبل، وطرحت اطارا لاستراتيجيات وطنية ترتكز إلى قراءة متوزانة للمطالب والمصالح الوطنية، والتحديات التي تواجه الاردن، وهذه الاستراتيجية، وبحسب هذا التصور، قادرة على تقديم اجابات وحلول للقضايا التي تواجه مجتمعنا، وقد شملت محاور التنمية الشاملة بجوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك محاور الدفاع الوطني والأمن الداخلي والسياسة الخارجية.

ومما طرحته، حينها ايضا، وأنا مؤمن به كليا، هو: مسؤولية الحكومة المطلقة، أمام المرجعيات الدستورية والرأي العام، وقد تحدثت عن الثقة الملكية السامية بوصفها مسؤولية كبرى، يتحملها المسؤول وليست حصانة له، بأي معنى، وقلت حينها انه لا يجوز لأي مسؤول ان يختبئ وراء الملك، وان يتحصن بثقة سيدنا، فينأى عن النقد والمساءلة، فهذا يتناقض جوهريا مع مفهوم المسؤولية الدستورية وفيه إخلال بالمعادلات التي تضمن التنوع والتعددية، وهو بالمحصلة مضر بالتنمية السياسية.

الحكومة، اي حكومة، ليست بحاجة لاستعادة ولايتها الدستورية، لأنها لم تفقدها، ولم يجر اي تعديل على صلاحيات رئيس الوزراء والوزراء في الدستور الاردني، الولاية موجودة وثابتة ومحمية بنص الدستور، ولا داعي لاستعادتها، كل ما هو مطلوب، برأيي، هو ان تكون الحكومات على قدر المسؤولية، وان تمارس دورها الدستوري، بكفاءة، وهذه هي القاعدة، وجميع حكوماتنا على هذا النحو، مع بعض التفاوت المتعلق بالسمات الشخصية او الاتجاهات.

مسألة المرجعية، هي قضية اخرى، فالحكومة دستوريا، جهة تنفيذية وشريك رئيس في اتخاذ القرار، والمسؤول الحصري عن التنفيذ والأخطاء وما الى ذلك.. أما المرجعيات فواضحة دستوريا، جلالة الملك هو المرجعية الاولى وهو مظلة الجميع يفيء إليه الموالي والمعارض على حد سواء، ويحتكم إليه الفرقاء، وهناك ايضا مجلس الأمة بشقيه.. هي إذن حلقات مبينة دستوريا، ولا حاجة لاكتشافها من جديد.

بهذا الفهم، يمكن القول: انه لا أشكال ولا مشكلة في قضية ولاية الحكومة.. هناك دعاية، يتحمل مسؤولية جزء منها الإعلام، في اعتماد مصطلحات تضر بصورة الاردن، والآليات الدستورية، وهناك ميل لدى بعض الإعلاميين والمراسلين الصحافيين، تحديدا، لابتكار مصطلحات رنانة صحافيا، وغير حقيقية عمليا، والمشكلة في تبني هذه الدعاية، هي في تطويرها الى "صورة نمطية" فحدود المسؤوليات في الاردن واضحة، وكافة المؤسسات الرسمية، تشكل فريقا واحدا بقيادة جلالة الملك، وكل يقوم بدوره الواضح والمحدد، ضمن عملية تكاملية.

* في موضوع تحرير قطاع المحروقات، حكومتكم مهدت للقرار لكنها لم تتخذه.. ألم تكونوا مقتنعين به? وبماذا تعلقون على من يقول إن حكومة البخيت دفعت عمرها ثمنا لعدم اتخاذ قرار المحروقات قبيل الانتخابات?

- كيف نمهد لقرار، ونعد الآليات والخطوات، ونجري الدراسات ونحن غير مقتنعين! هذا تناقض لا يمكن ان يقع به شخص مسؤول.

الحكومة التي تشرفت برئاستها، قامت بالفعل، بتنفيذ المرحلة الاولى من رفع الدعم، لإيمانها بضرورة الخطوة، وحتميتها، لصالح الاقتصاد الوطني والمواطن الاردني.

الخطوة التالية من رفع الدعم، تم تأجيلها لاعتبارات عديدة، وأعلنا عن تأجيلها ولم نعلن أبدا عن إلغائها، وهذه القضية، اقصد رفع الدعم عن اسعار المحروقات، لم تكن موضوع نقاش او خلاف، بل كانت محط إجماع لأهميتها، النقاش كان في قضايا اخرى فرعية، وليست اساسية.

كنا نناقش آليات توجيه الدعم لمستحقيه، وسبل توفير العدالة، أنا شخصيا كنت مقتنعا وماأزال، بأن آلية الدعم السابقة لم تكن عادلة، لأنها كانت موجهة لدعم السلعة وليس المستحق، وبالتالي يستفيد من الدعم المواطن المستحق، وغير المستحق، ويستفيد اكثر المقتدر لأن استهلاكه أعلى بكثير من استهلاك الفقير او المستحق، هناك من يستهلكون خمس اسطوانات غاز على مدار شهر كامل للدفء وهناك قطاعات تجارية تستهلك مئات الاسطوانات يوميا، وهذا مدعوم وهذا مدعوم، فأين هي العدالة! وهناك ايضا من تدور ماتورات التدفئة في منزله او شركته على مدار الشتاء مستهلكا آلاف الليترات من السولار، وهناك من يشتري الكاز يوما بيوم، وبالحد الأدنى الكافي لإدامة شعلة مدفأة صغيرة، والحالتان مدعومتان، هذا ما أقصده بغياب العدالة، وهو ما استدعى التدخل لمعالجة الخلل وتوجيه الدعم لمستحقيه.

الحكومة لم تدفع ثمن عدم اتخاذ قرار الرفع من عمرها، فهي لو استمرت لأقدمت على هذه الخطوة، وهذا واضح، وكنا ملتزمين به، بوصفه استحقاقا اقتصاديا، وبوصفه ايضا، خطوة مهمة لمعالجة خلل قائم، وبالمناسبة، استقالة الحكومة لم تكن مفاجئة، وإنما كانت في وقتها المفترض، تبعا للعرف التقليدي، بعد إنجاز الانتخابات النيابية.

* استقالة نائبكم وزير المالية السابق د. زياد فريز، على خلفية قرار المحروقات، ودعوته لعدم التأجيل، هل تم حسم التباين في وجهات النظر داخل حكومتكم جماعيا، وماذا كانت مبررات التأجيل?

- الدكتور زياد فريز، صديق ومحل احترام كبير، وهو من أبرز خبراء الاقتصاد وطنيا، وهو رجل دولة بكل معنى الكلمة ويتمتع بحس عال بالمسؤولية، وموقفه من تأجيل رفع الدعم كان واضحا، وبالمناسبة: وجيها، من موقعه كوزير للمالية، أي كمسؤول مباشر عن سلامة الاقتصاد الوطني وواقع الموازنة.

من هذا الموقع المسؤول تمسك الدكتور فريز برأيه، واعتبره أولوية ملحة ولذلك تقدم باستقالته، وهذا سلوك مدني حضاري، يعطي الصورة الصادقة عن مؤسسية الدولة الاردنية، واحترام مسؤوليها لقناعاتهم ولأنفسهم.

على الجانب الآخر، كانت مبررات التأجيل قوية، وكانت كلفة التأجيل لا تقل عن كلفة اتخاذ قرار الرفع في حينه، والمسألة لم تكن سهلة ابدا، لقد تمحورت مبررات التأجيل حول مدى جاهزية شبكة الامان الاجتماعي، لمواجهة انعكاسات الاستحقاق الاقتصادي اجتماعيا، والحقيقة ان الشبكة لم تكن حينها جاهزة كليا، وكنا بحاجة الى شهرين او ثلاثة اشهر لانجازها، وهذا المبرر كان الاقوى، فالتوجيهات الملكية كانت حاسمة باتجاه ضرورة بل واولوية توفير البدائل للشرائح المتضررة من الرفع وحمايتها على نحو منهجي، لا ارتجالي ولا على طريقة الفزعات.

المبرر الثاني، كان في التوقيت، آنذاك، إذ كان الموعد المختلف عليه متزامنا مع مناسبات عديدة كلفها الاقتصادية مرتفعة على المواطن، اول المناسبات واكرمها كان شهر رمضان الفضيل، ومعروف ان السلوك الاستهلاكي في هذا الشهر المبارك يميل الى الإنفاق العالي نسبيا.. وثانيا، كنا على ابواب الفصل الدراسي، وتكاليف المدارس المتباينة، على العائلات، وكان ايضا فصل الشتاء على الابواب، بما يترتب على ذلك من مصاريف عالية، وكان الرأي، داخل الحكومة، ان رفع الدعم في هذه المرحلة سيرهق الكثيرين، مع الانتباه الى المبرر الأول وكون شبكة الأمان غير جاهزة تماما في ذلك الوقت، فإن قرار التأجيل كان أقوى.

* بعد إصدار الحكومة الحالية لقرار المحروقات وما رافقه من اجراءات في شبكة الأمان الاجتماعي.. هل جاء القرار ومرفقاته في إطار ما كنتم تتوقعون او تخططون له في الحكومة السابقة?

- الحكومة الحالية قامت بتنفيذ استحقاق كبير، بالحد الأعلى من الشفافية والدقة والمسؤولية، والصحيح ان للسمات الشخصية لدولة الأخ نادر الذهبي دورا كبيرا، في طريقة الإخراج والتنفيذ الناجحة، فالرئيس الذهبي شخص منظم وواضح، وبحكم دراسته الهندسة وخدمته العسكرية، يميل الى الدقة في التنفيذ، والشفافية العالية.

العمل العام في الدولة الاردنية، عمل تراكمي، وجهد متصل، وفق تقاليد محترمة، ولا ننسى ان عمر الدولة الاردنية الحديثة اليوم يزيد على 86 عاما، فهي الأقدم والأعرق على صعيد المنطقة بالاستناد الى عاملي التواصل والمؤسسية.

* ثمة تحذيرات قوية من انعكاس مثل هذا القرار على الأوضاع الاجتماعية وحتى الأمنية، هل لديكم مثل هذه التخوفات? وما المطلوب برأيكم لمواجهة مثل هذه الانعكاسات المحتملة?

- قبل اي شيء علينا ان نعترف ان هناك كلفة لرفع الدعم وهناك ايضا كلفة لعدم الرفع.. برأيي إن كلفة عدم الرفع على الدولة والمواطن والاعتبارات الاجتماعية والأمنية أعلى بكثير من كلفة الرفع، عندما تتباطأ في اتخاذ قرار حاسم، فإنك تعرض الواقع الاجتماعي والاقتصادي وحتى الأمني بمفهومه الشمولي للمجازفة، وهذا ينطبق تماما على مسألة رفع الدعم عن المشتقات.

ارتفاع اسعار المحروقات هو أزمة دولية، تلقي بظلالها وانعكاساتها على الدول الغنية والفقيرة، ونحن بلد فقير من حيث الموارد والإمكانات المادية.. الفرق ان الاردن امتاز بقدرته الاستثنائية على الاستجابة، ومجابهة التحديات، باستشرافها اولا، ومن خلال تغليب الاعتبارات العامة، بما في ذلك المصلحة الوطنية العليا، ومن هنا جاء تعاطي الدولة الاستباقي مع هذه الأزمة العالمية، لتخفيف انعكاساتها، والحد من آثارها على الشرائح الاكثر تضررا، فجاءت شبكة الأمان الاجتماعي، وقبل كل شيء كانت المبادرات الملكية السامية على صعيد الإسكان والمناطق التنموية والتأمين الصحي، وغير ذلك الكثير.

الأمن الاجتماعي - الاقتصادي، هو هاجس دائم لدى جلالة الملك، وتجربتي في العمل، خلف قيادة جلالته، منحتني فرصة ثمينة، في التعرف على رؤى جلالته، والاطلاع على القضايا التي يمنحها القائد صدارة اهتماماته، وأقولها بصدق، وبعد هذه التجربة، ان لا شيء يتقدم في فكر وأولويات جلالة الملك على المواطن، وجلالته، وبكل معنى الكلمة، وبدلالة الشواهد العديدة، منحاز، ضميريا ووجدانيا، تماما لفئة الفقراء، ومنحاز وعيا ورؤية للطبقة الوسطى، وحريص ليس فقط على تماسكها وسلامتها، ولكن ايضا: على دورها في الحياة الاجتماعية وبوصفها حجر الزاوية وصمام الأمان الرئيس.

هذا الانحياز الملكي، يعبر عن نفسه على شكل توجيهات وأوامر ومتابعة دائمة، وكذلك على شكل برامج وسياسات، والحكومات المتتالية، تجهد لتكون عند ثقة القائد، لتنفيذ هذه الرؤى، وليشعر المواطن بجدية العمل وبثماره عليه.. وليس أدل على ذلك من المبادرة الملكية الكريمة، مؤخرا، لإسكان ذوي الدخل المحدود، حيث حدد جلالته العام 2008، بوصفه عام الإسكان، تعبيرا جليا عن حرص القائد على تأمين مستلزمات الحياة الكريمة للأردنيين، وانحيازه العملية، بالجهد والتخطيط والمتابعة للفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود.

بكل صراحة لا أشعر بأي تخوف من انعاكسات مفاجئة، والخوف كان من كلفة عدم اتخاذ القرار، وانعكاساتها الاجتماعية والأمنية على البلد عموما، خصوصا مع الاختلال الكبير الذي ألم بالموازنة.. ولا قدر الله في حال وقوع اي مكروه على الاقتصاد الوطني، فإن الفقير سيدفع الثمن ايضا وأكثر من الغني.

* في قضية النفط والمحروقات، وقعتم مع العراق اتفاقية تفاهم لتوريد النفط للاردن، بأسعار تفضيلية، لكن الاتفاق فشل عمليا.. ألم يكن بالإمكان أفضل مما كان في تأمين دعم نفطي للاردن، سواء من العراق او من دول الخليج العربي?

- يدرك الجميع، انه من غير الحكمة الاعتماد على مصدر واحد لاستيراد النفط، واكثر من ذلك، فأنا اعتقد ان في الاعتماد على جهة حصرية، مجازفة كبيرة، لا يجوز القبول بها، او الاستمرار فيها، من هنا، جاءت الجهود التي بذلت لاستيراد النفط من العراق، وهو احد البدائل او الخيارات الاستراتيجية، الدائمة، بالنسبة للاردن، وسواء أكان الاستيراد من خلال انبوب نفط او بواسطة الصهاريج.

وعودا الى ما تسميه "فشلا"، فلقد توافرت الإرادة السياسية لدى البلدين، عند توقيع الاتفاقية، وعلى صعيد الحرص على تنفيذها، وبهذا المعنى ليس هناك اي فشل، ولكن، يمكن القول ان ظروفا قاهرة، نعرفها جميعا وتتمثل بالحالة الامنية في العراق، دفعت باتجاه عدم التنفيذ الكلي حتى الآن، وبشكل كامل، وبما يجعل من المصدر العراقي النفطي دائما ومستمرا.

* الانتخابات النيابية الاخيرة، وقبلها البلدية، التي أشرفت حكومتكم على اجرائها، هي الاكثر جدلية، من بين الانتخابات السابقة، وتعرضتم كحكومة لاتهامات واسعة، خاصة من قبل الإسلاميين، بارتكاب تجاوزات فيها واستهداف مرشحي المعارضة، كيف تعلقون على ذلك?

- ابتداء، لا بد من إعادة النظر في تسمية تهمة استهداف مرشحي المعارضة، فأنا لم اسمع أية تهمة من اي تنظيم من تنظيمات المعارضة الاردنية المرخصة، بهذا الاتجاه، هناك اتهام تقليدي دائم من حزب العمل الإسلامي والإخوان المسلمين، وهذا الاتهام اعتدنا عليه.

قد اتفق معك، بأن هناك جدلا دار حول الانتخابات، ولكن لا بد من ملاحظة جملة من التغيرات عبرت عن نفسها، خلال الانتخابات البلدية والانتخابات النيابية، ففي الانتخابات البلدية كانت هذه اول انتخابات شاملة تتم بعد ضم المجالس البلدية، بمعنى ان الخرائط الانتخابية التقليدية لم تعد صالحة، والتحالفات والاعتبارات القديمة تغيرت، وهذا ما تسبب بالجدل، وقد انعكس ايضا على شكل مشاكل خفيفة واحتجاجات، خصوصا انه مع دمج البلديات لم تعد المنافسة في المجلس البلدي بين أفراد عشيرة واحدة يقطنون قرية او بلدة بعينها، وإنما صار بين مجموعة عشائر وعائلات، انضمت بلداتهم وقراهم، بفعل قرار الدمج.

أمر آخر، لعب دورا مهما، في تغيير الحسابات الانتخابية التقليدية، وهو المتعلق بأعداد المسجلين والمقترعين، وقد لمس المتابعون ان أعداد المسجلين للانتخابات البلدية عام 2007، تضاعفت تماما عن أعداد المسجلين للانتخابات التي سبقتها، وأعني هنا انتخابات 2003، وهو ما انعكس بالضرورة على أعداد المقترعين، وبشكل خاص في المدن الكبرى مثل عمان واربد والزرقاء والرصيفة، ومع هذا الارتفاع ظهر واقع جديد، تضاءلت معه فرص من كانوا يتفوقون بسبب الاستنكاف، وكانت الحسابات والأدوات الانتخابية التقليدية غير قادرة على إثبات جدواها، ما تسبب فعليا بإثارة الجدل حول الانتخابات البلدية.

الانتخابات النيابية، كذلك، سبقها ظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال، رغبت بالتعبير عن نفسها من خلال مجلس النواب، وقد استعدت وحشدت وأثار نجاح أفراد منها الجدل، وبغض النظر عن رأيي او موقفي، من هذه الظاهرة، فإنها عبرت عن نفسها، ونجحت في ذلك، مع تراجع جلي للنخب التقليدية، وهو ما ظهر في نتائج الانتخابات، وبالتالي، فإن الجدل كان متوقعا وطبيعيا.

لقد أثير كثير من الجدل حول حالات شراء الأصوات، وقد اتخذت الحكومة في حينها اجراءات مشددة للحد من هذه الحالة، وتم ضبط بعض المتورطين وتحوليهم إلى القضاء، وقد قلت آنذاك، وما أزال متمسكا برأيي: إن من يرتضي ان يبيع أرادته السياسية مقابل النقود، فقد انتهك حقه الدستوري أولا، وأساء لنفسه مباشرة، قبل ان يسيء للمجتمع.

بالنسبة للإسلاميين، وهذا حديث يطول، ولكنني اعتقد أنهم شعروا بتراجع شعبيتهم، لاعتبارات عديدة، في مقدمتها الأزمة الداخلية، داخل الحركة الإسلامية نفسها، التي انعكست على أدائهم في الانتخابات، ولم يعد سرا ان الحركة دعت لمحاكمات تنظيمية لقيادات من الصف الأول فيها على خلفية موقفهم السلبي من مرشحي الحركة.

هناك ايضا التحولات التي طرأت على خطاب الحركة واتجاهات بعض قياداتها، مع ربط ذلك، لدى الناس، بسلوك تنظيمات اخرى في مناطق مجاورة وهذا كله انعكس على شعبية الإسلاميين، وأسهم في إثارة الجدل.

* المركز الوطني لحقوق الإنسان ركز في انتقاداته وملاحظاته على مجريات الانتخابات النيابية، على قضية انتقال مئات وربما آلاف الأصوات بين الدوائر الانتخابية.. هل من رؤية منهجية لهذه الانتقادات?

- المركز الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة وطنية نحترم ونجل.. ولقد تعاملت حكومتي مع المركز كقيادات ومسؤولين، ومع تقارير المركز، بكل التقدير والاهتمام والجدية والحرص على المتابعة.

على صعيد نقل الأصوات بين الدوائر، نعم هذه الممارسة موجودة، وقديمة.. ولها اعتبارات بعضها مفهوم، والحقيقة، ان هذه الممارسة في جزء من أوجهها قانونية، فالأنظمة والتعليمات تسمح، بحدود ما، بنقل الأصوات، ومن الممكن ان يصار لاحقا الى معالجة هذه الظاهرة، وتضييق أطرها، لمنع استغلال أي ثغرات في الأنظمة والتعليمات.

* في سياق العلاقة مع الاسلاميين، شهدت هذه العلاقة في عهد حكومتكم تأزيما غير مسبوق، كانت ذروته تصريحاتكم المشهورة غداة الانتخابات البلدية، وتحذيركم من نقل تجربة نهر البارد الى بلادنا، وما أسميتموه اختطاف الحركة الاسلامية من قبل فئة متطرفة، هل وصلت الحركة الاسلامية الى هذه الدرجة من الخطورة، برأيكم، أم ان ما قلتموه حينها كان رد فعل ورسالة قاسية فقط للإسلاميين بعد اتهاماتهم بتزوير الانتخابات البلدية?

المشكلة مع الحركة الاسلامية لم تكن في اتهامات بعض رموزها للحكومة بتزوير الانتخابات، فهذا امر اعتدنا عليه، وللحقيقة فقد سبقت اتهاماتهم بدء العملية الانتخابية، المشكلة كانت في الخطاب الطارئ غير المألوف وغير المقبول الذي طغى على لغة الحركة.

الحكومة لم تعمد الى التأزيم مع الاسلاميين، على العكس من ذلك، فقد كنا حريصين على ان تستعيد الحركة الاسلامية مكانتها كجزء اصيل من النسيج الوطني، وأنا شخصيا اجتمعت مع قيادات الحركة في اكثر من مرحلة، اكثر مما اجتمع معهم أي رئيس وزراء آخر، وكنا في كل اجتماع نؤكد على الثوابت، ونصل الى صيغة مناسبة للعلاقة، مع الحركة الاسلامية، بوصفها تحت مظلة الدولة.... المشكلة كانت في إصرار البعض على تجاوز هذا الثابت، حتى انه في احد المؤتمرات المتخصصة، كانت هناك كلمة لقيادي نقابي محسوب على الاخوان، وقال في كلمته إن النقابات شريك للدولة، ما دفعني للرد حينها، وأمام الحضور، بأن النقابات والأحزاب والهيئات هم نسيج الدولة وتحت مظلتها وليسوا شركاء الدولة، وممكن ان يكونوا شركاء للحكومات، في مجالات محددة، وبما يتفق مع مبدأ الولاية الدستورية وقواعد الشراكة.

هذا النمط من التفكير، مع ما شهدته الحركة الاسلامية من تحولات جدية خلال الأعوام السابقة، هما ما دفع باتجاه تحذيرهم، بلغة واضحة، من مغبة التمادي.

التحولات على صعيد خطاب وأداء الاسلاميين كانت بادية للعيان، وكتب عنها في الصحافة، وتناولها كتاب ثقاة كانوا محسوبين على الحركة ومتعاطفين معها، وليس ادل على ذلك من حادثة العزاء بالزرقاوي، وانكار شهادة شهداء تفجيرات الفنادق، وهو ما ينم برأيي، عن تسلل فكر جديد، على فكر الجماعة، هو الفكر التكفيري، او ما يسمونه "الجهادي"، ما يعني ان الامور لم تعد في اطار العلاقة التقليدية، ولا النظرة التقليدية للحركة الاسلامية.

وهنا لا بد من التوضيح، بأن التحول الجذري على صعيد خطاب الحركة الاسلامية ليس شأنا داخليا بالحركة، ولا يمكن النظر اليه على هذا النحو.... فالإسلام السياسي المقبول اردنيا، هو الاسلام السياسي الذي يخدم قوة الدولة وتنوعها، وليس الذي يشكل نقطة ضعف للدولة... وليس مسموحا لأي تنظيم ان يتحول الى مادة اختراق خارجي، مهما كان الثمن.

* ما المطلوب من الحركة الاسلامية لتستعيد علاقتها مع الدولة?

- الاجابة على السؤال قدمها قبل الحكومة محللون وكتاب، بعضهم في صحيفة الغد"، يمكنكم العودة الى مقالاتهم، المطلوب برأيي، هو المراجعة الشاملة بمبادرة ذاتية من قيادات الحركة، لادائهم العام خلال السنوات الماضية، وان يحددوا موقعهم بالضبط ليس مطلوبا من الاسلاميين ان يكفوا عن المعارضة، والدولة ترحب بالمعارضة الملتزمة ومستعدة لدعمها، ضمن برامجها للتنمية السياسية، وبالمحصلة: فهذا شأن يخصهم، المطلوب التزام تقاليد المعارضة الاردنية المرخصة والشرعية، وتنقية الحركة من الفكر الغريب ودعاته، والمطلوب احترام ثوابت البلد، وقوانينه، والابتعاد عن السلوكيات المتساوقة مع سلوكيات تنظيمات اخرى انقلابية، او غير مرخصة ولا مشروعة في بلادها.

* تسلمتم رئاسة الحكومة من حكومة سابقة، شهدت فترة ولايتها الأحداث الأليمة بالتفجيرات الارهابية في عمان، والتي انعكست ظلالها على سياسات وبرامج.. وربما كان هذا مفهوماً وطبيعياً نظراً لجسامة وخطورة ما حصل، لكن المعارضة، وتحديداً الاسلامية، اتهمت حكومتكم بطغيان الامني على السياسي، خاصة في وضعكم تشريعات مثيرة للجدل سياسياً?

- انا شخصياً لا اعرف ما هي القوانين المثيرة للجدل التي قدمتها حكومتي، وتأخذ الطابع الامني! هل المقصود قانون المطبوعات والنشر والانجاز الذي تحقق للمواطن بعدم سجنه بسبب رأيه، ام المقصود قوانين التنمية السياسية، التي ضمنت حماية المنتسب للتنظيم المعارض من اي انتقاص لحقوقه، ام تمويل الاحزاب من موازنة الدولة، ام ماذا?

الحكومة التي رأستها، تمثلت توجيهات جلالة الملك المعظم، وتصريحاته عقب التفجيرات الارهابية، وجاءت لتنفذها، عندما قال جلالة الملك إن الاعتداءات لن تحول الاردن الى دولة بوليسية، وسنمضي قدماً في مسيرة الاصلاح والتنمية. وهذا ما حدث، فالحكومة قدمت لمجلس النواب حزمة من قوانين التنمية السياسية، وبعضها اجرى عليه النواب تعديلات، مثل قانون الاحزاب، والمجلس صاحب حق في التعبير عن قناعات اعضائه ورؤيتهم، حتى لو كان ذلك بخلاف رأي الحكومة.

باستثناء العلاقة مع الاسلاميين والتي اوضحت رأيي فيها آنفاً، لا اظن ان ثم شاهداً آخر على تراجع في العلاقة مع هيئات وتنظيمات المجتمع المدني او المعارضة الملتزمة.. وعلى العكس من ذلك، تماماً، فإن الشواهد عديدة على تحسن العلاقة مع هذه الهيئات وتفعيل شراكتها، دون ان اضطر لتعداد الامثلة، في هذا اللقاء.

* كانت لديكم رؤية لتطوير الاعلام الرسمي، وقد تم الحديث غير المباشر عنها طويلاً.. هل تعتبر انكم تمكنتم من تنفيذ هذه الرؤية? وما هي رؤيتكم للاعلام المحلي عامة في اوجهه المختلفة، الصحافة الرسمية، الاسبوعية، الاذاعة والتلفزيون، وعلاقته بالدولة?

- في بدايات عهد الحكومة، أجريت حوارات مطولة مع العديد من الاعلاميين، والمعنيين بالشأن الاعلامي، للوقوف على ملاحظاتهم واقتراحاتهم. ما أود ان اقوله الان، ان الرسالة الاعلامية للدولة الاردنية واضحة وموثوقة. وما يتم الحديث عنه هو ضعف التنسيق بين المؤسسات الاعلامية.. وكذلك تفاوت الاجتهادات بين مدراء المؤسسات الاعلامية.

لقد نتج عن الغاء وزارة الاعلام افراز ست مؤسسات اعلامية، تم ربطها برئيس الوزراء. ومن الناحية العملية يصعب على رئيس الوزراء تخصيص الوقت الكافي، لكل هذه المؤسسات المتخصصة.

آنذاك، خلصنا الى نتيجة انه من السابق لأوانه اعادة وزارة الاعلام، فتجربة الالغاء لم تأخذ مداها. وكان الافضل، بحسب تلك التصورات، هو اعادة هيكلة المؤسسات التنظيمية وارتباطاتها، وايجاد مظلة تنسيقية لها. وهذه العملية، لا بد وان تأخذ وقتاً كافياً، فلكل مؤسسة قانونها او نظامها، ولا بد من اجراء تعديلات تشريعية.

* كنتم انتقدتم غيركم ما اصطلح على تسميته، في حياتنا العامة، بظاهرة "الصالونات السياسية"، التي تشاغب على الحكومات القائمة. ماذا تقول فيها الان بعد خروجك من الحكومة?

- اقول نفس ما كنت اقوله قبل تولي مسؤولية رئاسة الحكومة، واثناءها، وبعدها.. الصالونات السياسية كمصطلح، ليس مقصوداً به تلك الصالونات الراقية، التي تعد امتداداً لحالة الصالونات الثقافية... الصالونات السياسية التي نتحدث عنها، بوصفها ظاهرة سلبية ونشاز، هي صالونات النميمة السياسية، ومجالس المستوزرين، ممن يستمرئون ترويج الشائعات، واغتيال الشخصيات، واثارة المشاعر السلبية.. وانكار كل المنجزات لانهم ليسوا في مواقع القرار.

شخصياً، لم تكن لدي مشكلة مع المشاغبة والمشاغبين على الحكومة، فهذا امر مألوف، مشكلتي كانت مع الاجحاف بحق البلد ومسيرته وانجازاته الاستثنائية، ومشكلتي هي مع حمى الشائعات التي تغتال الناس وتشهر بهم زوراً وبهتاناً.

للأسف إن لهذه الحالة المرضية امتدادات إعلامية، فعدد من الصحافيين يستقي معلوماته وتحليلاته من هذه الصالونات ومجلس الغيبة السياسية، وسرعان ما تتحول النميمة الى مادة اعلامية، تشوه صورة الاردن، وتجحد مؤسسيته ومنجزاته.

* انتم، الان، عضو في نادي رؤساء الحكومات.. هل ترى لكم دوراً في عملية التطور السياسي?

- لا يوجد شيء في الاردن اسمه نادي رؤساء الوزارات. وافهم انك تقصد المعنى المجازي للكلمة، ولكن حتى هذا فهو غير موجود. لان النادي يعني التواصل الدائم بين افراده، وانتمائهم الى طبقة محددة، ومصالح محددة.. وهذا فعلياً غير موجود، وهناك من اصحاب الدولة من ينتمي الى طبقة او مدرسة سياسية او فكرية، وهناك من ينتمي الى طبقة اخرى واتجاهات ورؤيته باتجاه آخر.

انا الان كما قبل، مثلما سأبقى، جنديا من جنود القائد جلالة الملك عبدالله الثاني، سواء اكانت في الرئاسة ام في منزل.. وجلالة الملك اختارني عضواً في مجلس الاعيان، وهو مكان مناسب للخدمة والمساهمة، في الرأي والجهد، وكل ما هو مطلوب مني.

العملية السياسية في الاردن، دينامية، وفي تطور دائم، والجميع قادر من موقعه على الاسهام بالرأي او الجهد في مسيرة تطورها الدائمة.

* توليتم سابقاً منصب سفير المملكة لدى تل ابيب.. وتوليتم رئاسة الحكومة في مرحلة حرجة على المستوى الاقليمي.. ولقد بذل جلالة الملك المعظم جهوداً جبارة لتحريك ملف المفاوضات.. لكن المحصلة، هي مزيد من التمترس الاسرائيلي، رفضاً لاي التزام باستحقاقات السلام، خاصة مع الفلسطينيين.. كيف ترون افق هذا الملف?

- لقد بذل جلالة الملك، ويبذل، الجهود الاستثنائية، وفق رؤية دقيقة ونهجية، للاولويات وللتغييرات الاقليمية والدولية، في سبيل ترسيخ القناعة لدى العالم عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص، بأولوية القضية الفلسطينية ومركزيتها، وبوصفها "عقدة الصراع" في المنطقة، وبغير حلها على نحو عادل وشرعي، فلن يتحقق السلام، وسيعم الخطر والعالم كله.

قبل فترة وجيزة، ادلى جلالته بتصريحات تحذيرية من خلال مجلة "الوطن العربي"، وبلغة واضحة لا تحتمل اللبس، عندما قال جلالته واكثر من مرة "سندفع جميعاً الثمن"، في حال عدم تحقيق الحل العادل، واستثمار الوقت الحرج.. وفي زيارته الاخيرة للولايات المتحدة، وخطابه المهم هناك، اعاد جلالته التأكيد على حقيقة ان الامن والسلام صنوان.. وعلى اسرائيل ان تلتزم بالقوانين الدولية وتعود الى المفاوضات بإيجابية، لان الحصار والالة العسكرية لن يحققا لها الامن المنشود.

لقد اثمرت الجهود الملكية الدؤوبة على اعادة وضع القضية الفلسطينية على جدول اعمال الادارة الاميركية والمجتمع الدولي، وهو ما قاد الى انعقاد مؤتمر "انابولي" والان، لا بد من جهد دولي واميركي تحديداً، للضغط على اسرائيل لمنعها من التهرب من استحقاقات السلام، والكف الفوري عن الاعتداءات الموجهة لفرض سيناريوهات احتيالية. وقد لخص جلالة الملك الموقف بكل وضوح مؤخراً مشدداً على عامل الوقت وخطورته في هذه المرحلة، وان ازدياد التأزيم واستمرار الاعتداءات سيقودان باتجاه الانفجار الذي لن تحمد عقباه، وستتجاوز انعكاساته حدود التوقعات.

* هل يمكن ان نصل الى مرحلة تهدد بفرض ما يسمى بالخيار الاردني في الضفة الغربية، والذي يرفضه الاردن على أعلى المستويات? وكيف يمكن التصدي لهذا الخيار?

- ما يسمى بالخيار الاردني، هو في حقيقته، ليس خياراً اردنياً.. هو خيار اسرائيلي صريح، وموضوعه الاردن.. بمعنى أنه الخيار الذي يرى ان الحل النهائي هو على حساب الاردن. وهذا التعريف، يوضح بداهة، الموقف الرسمي الاردني، وفي مقدمته، موقف جلالة الملك من مثل هذا الخيار.

جلالة الملك لم يتردد في تكرار موقفه المبدئي الرافض لاي خيار بهذا الاتجاه، ولكل ما يمكن ان يفضي الى مثل هذا الخيار او يدعمه.. وفي تصريحات قريبة، وصف جلالة الملك هذه الدعوات، سواء كانت تحت مسمى الكونفدرالية او العودة عن قرار فك الارتباط، بأنها دعوات "مشبوهة"، ووصف دعاتها، بأنهم ايضاً: مشبوهون.. فهل هناك اي قول آخر!

الموقف الملكي مبدئي وغير قابل للتأويل في هذه القضية، وهو موقف الشارع الاردني، جملة وتفصيلاً، وينطلق الملك في موقفه من حقيقتين: الاولى: ان هذه الدعوة مضرة بالاردن ومصالحه العليا واستقراره، وهويته، وهي ثانياً: مضرة بالقضية الفلسطينية، وتعني تحايلاً صريحاً على الحقوق الفلسطينية، المنصوص عليها بالشرعية الدولية.. والتي يبذل جلالة الملك المعظم كل الجهود ويسخر كل الامكانات لتحقيقها وصونها.

هدفنا في الاردن، هو اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وهذا الهدف يلبي المصلحة الاردنية، ويفتح المجال امام بحث ملفاتها العالقة بانتظار الحل النهائي، كما انه يحقق نضالات الشعب الفلسطيني وحقه التاريخي بإقامة الدولة وحق العودة اليها.

التصدي لهذا الخيار، قائم الان، وبالتفاصيل، التي قد ترونها وقد لا ترونها. كل جهد جلالة الملك الخارجي مكرس للدفاع عن الحقوق الفلسطينية واقامة الدولة. ونحن في دعمنا للشرعية الفلسطينية، واقصد هنا شرعية السلطة، وبالأساس: المنظمة، استناداً الى قرار قمة الرباط 1974. انما ندفع ونبعد اكثر فأكثر السيناريوهات السوداء.

الاردن صاحب حضور وموقف.. وهو لم يكن في يوم من الايام ولن يكون مادة لحلول احتيالية، او موضوعاً للأسئلة، وجلالة الملك عبدالله الثاني، قائد كبير، وله مكانته الدولية.. نحن لسنا ضعافاً لتمرر على حسابنا المشاريع والخيارات.. نحن طرف رئيس وقوي وفاعل.

ما أود ان اعيد التأكيد عليه ان الاردني اقوى مما يتخيل البعض. ولدينا مؤسسية وقراءات وامكانات سياسية، لا تمتلك مثلها دول اخرى. والاردن بكيانيته ليس موضوع سؤال، وقد تجاوزنا، بثقة، المخاوف الوجودية.. ونحن الان نجابه التحديات ونحقق الانجازات وليس لدينا اي خوف على الاردن ومستقبله.

* سُجل لكم تحقيق اختراق في ملف الاسرى الاردنيين في السجون الاسرائيلية بالوصول الى تحرير اقدم اربعة اسرى ونقلهم لإكمال فترة سجنهم في الاردن.. ومع ذلك رافق هذه الخطوة جدل كبير، شكك في اهميتها من قبل البعض، خاصة في المعارضة، وهناك من اعتبرها خطوة ناقصة.. هل ثمة رد مختلف الان?

- المهم هو رأي الاسرى انفسهم، ورأي اهاليهم وعائلاتهم.. ويكفي انهم، الان بين اهلهم ويلقون معاملة حسنة ورعاية طبية.. وحسب الاتفاق، فهم سيبقون لفترة قصيرة، يعودون بعدها لممارسة حياتهم الطبيعية، وبكل حرية.

لقد كان ملف الاسرى الاردنيين في السجون الاسرائيلية هماً وتحدياً للدبلوماسية الاردنية.. وبذلت الحكومات المتعاقبة جهوداً مضنية وشاقة لتحقيق هذا الانجاز.. وهو، بالمناسبة، ملف صعب ومعقد، ويخضع لاعتبارات كثيرة ومتشابكة.. وهذا ما يجعل البعض يشكك في اتمام الانجاز، فالأمور لم تكن سهلة، وخياراتنا لم تكن واسعة.. وكنا احياناً نصل الى مرحلة متقدمة نعود بعدها لنبدأ من الصفر.

ان ما تحقق كان افضل ما يمكن الوصول اليه، ويمثل، بحق، انجازاً مهماً للدبلوماسية الاردنية. وهناك جنود مجهولون وصلوا الليل بالنهار، ليعود هؤلاء الاسرى الى وطنهم، وتنتهي معاناة عائلاتهم التي طالت لسنوات عديدة.

179
0

التعليقات على: البخيت: الفكر التكفيري تسلل إلى خطاب الإسلاميين

التحقق من المعقّب
زائرنا الكريم، نرجوا أن تكتب الرموز داخل الصورة أدناه كي يتم قبول تعقيبك، هذا الإمتحان مخصص لمنع تعقيبات السبام لا أكثر. ملاحظة: مستخدموا موقع القدس لا يخضعون لهذا الإجراء، عليك بالتسجيل كي تتجنبه أنت أيضاً.