حركة النشر في فلسطين.. دور ضعيف في إثراء الحالة الثقافية

223

رام الله- خاص بـ القدس- يبدو أن حركة النشر في فلسطين وقعت أسيرة للوضعين الأمني والسياسي ما أدى إلى الحد من مساهمتها في إثراء الحركة الثقافية. وتقف عدة عوامل حجر عثرة أمام قيام دور النشر بمهامها في نشر المنتوج الثقافي المحلي أبرزها صعوبة توزيع الكتاب بسبب الوضعين الأمني والسياسي إضافة إلى ضعف الاقبال على القراءة في الأراضي الفلسطينية علاوة على عدم وجود تسهيلات حكومية لدور النشر مثل منحها إعفاءات ضريبية. بين مد وجزر يستعرض محمد الأسمر مدير عام الهيئة العامة الفلسطينية للكتاب في وزارة الثقافة حالة النشر في فلسطين عبر مراحل مختلفة، مشيرا إلى انها مرت بحالات مد وجزر تبعا للظروف السياسية التي كان يعيشها الشعب الفلسطيني . ويبين الأسمر أن اسرائيل كانت ما قبل انشاء السلطة الوطنية تمنع عملية النشر في الأراضي الفلسطينية وأدرجت ذلك ضمن المحرمات في قانون اسرائيلي، كما كانت تمنع عملية ادخال اي كتاب من الخارج إلى فلسطين أو طباعة أي كتاب يتم تسريبه من الخارج”. ولفت النظر الى أن الكتاب شكل تاريخيا عنوان مجابهة مع اسرائيل كونه سلاحا معرفيا للحفاظ على الهوية الفلسطينية. ويؤكد الأسمر أن صناعة النشر تعززت بعد قيام السلطة الوطنية حيث شهدت فلسطين اقبالا على تأسيس دور نشر، وشهدت هذه الفترة حراكا مهما إلى حين اندلاع انتفاضة الاقصى في العام 2000 حيث تراجعت حركة النشر بسبب تردي الأوضاع السياسية والأمنية وفرض اسرائيل الحظر مجددا على استيراد الكتب. واستمرالتدهور في حركة النشر حتى العام 2005 حيث نظمت وزارة القفافة بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم “يونسكو” معرض فلسطين الدولي السادس للكتاب ورافق ذلك إدخال احدث الاصدارات ما شكل كسرا لحالة الحصار المفروضة . ويضيف “ وفي المرحلة الحالية ما زالت دور النشر تتلمس طريقها نحو النهوض “، مشيرا إلى أن وزارة الثقافة حاولت خلال السنوات الماضية مد يد العون لدور النشر من خلال تفعيل حضورها في المعارض المحلية والدولية . ويتابع” تمكنا من توفير جناج مجاني لفلسطين في المعارض العربية تتيح للناشرين الفلسطينيين المشاركة فيها ما يخفف الأعباء التي يتحملونها دون غيرهم من الناشرين في الدول الأخرى”. ضعف الدعم الحكومي ويقول نيقولاعقل صاحب دار الرعاة للنشر “إن صعوبات كبيرة تعترض مهة دور النشر في اثراء الحركة الثقافية الفلسطينية أبرزها ضعف الدعم الحكومي “. ويضيف” السلطة الوطنية لا تدعم الثقافة من خلال تقديم تسهيلات ضريبية لدور النشر بل على العكس تفرض غرامات كبيرة على استيراد الكتاب “. ويشير بهذا الصدد إلى أن كثيرا من الدول ومنها العربية تقدم تسهيلات حكومية كثيرة لدور النشر مثل منحها اعفاءات ضريبية، علاوة على اعفائها من رسوم بعض الخدمات. ويقول عقل” معظم الدول تعي أهمية دعم دور النشر لما في ذلك انعكاس مباشر على تخفيض تكلفة الكتاب وبالتالي إثراء الحركة الثقافية ونشر المعرفة، أما دور النشر الفلسطينية فلا تتلقى أي شكل من اشكال الدعم الحكومي”، لافتا إلى ان الجهات الرسمية في دول مجاورة مثل الأردن توفر بعض الدعم المادي لطباعة الكتاب. وتحدث عن وجود بند في اتفاقية اوسلو يستند إلى قانون اسرائيلي يفرض على أصحاب دور النشر الفلسطينية دفع غرامة مالية عن كتب أدب الأطفال المستوردة من الخارج والتي تكون مكتوبة بأحرف غير عبرية. واستغرب عقل موافقة السلطة الوطنية على هذا البند قائلا” اموال هذه الغرامة والتي تقدر بـ 12% من قيمة فاتورة الاستيراد تصب في نهاية المطاف في خزينة السلطة الوطنية لكن العمل بهذا البند لا يخدم المساعي لنشر الثقافة لا سيما بين الأطفال الفلسطينيين”. ويرى أن العائق الآخر الذي يحد من عمل دور النشر هو الحصار الذي يعمل على تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، قائلا “ نشر الكتاب يحتاج لحدود مفتوحة لا سيما في الاستيراد والتصدير واسرائيل تسعى إلى عرقلة هذه العملية من خلال وضع معوقات جمة من بينها عدم السماح باستيراد الكتاب من الدول العربية التي لا تقيم علاقات معها”. واشار إلى أن دور النشر العربية لا تشتري من نظيرتها الفلسطينية سوى جزء يسير من الانتاج الثقافي الفلسطيني، معللا ذلك بأن معظم إنتاج دور النشر الفلسطينية يعود لمثقفين ومبدعين مغمورين. ويضيف” المثقفون الفلسطينيون من ذوي الصف الأول غالبا ما ينتجون كتاباتهم وابداعاتهم في دور نشر عربية وأجنبية ما يحد من الدور التسويقي لدور النشر الفلسطينية”. ويتابع” حتى الكتب السياسية تنشر في الخارج “. بدوره يؤكد الأسمر على أن وزارة الثقافة تتبنى مطالب الناشرين الفلسطينيين بدعم صناعة النشر من خلال ايجاد آليات عمل تدعم سياسة النشر في فلسطين . وعن عناوين الدعم التي يمكن التحدث عنها يقول “ يجب اعفاء الناشرين الفلسطينيين من كل ما يترتب عليهم من ضرائب وجمارك “، مؤكدا أن ذلك من شأنه تخفيف الأعباء على الناشرين من جهة وايصال الكتاب إلى القارئ بأقل الأسعار بحيث يتحقق الهدف المنشود وهو تعميم سياسة القراءة والمعرفة في فلسطين. تردي الحالة الثقافية من جهته يشخص الشاعر ماجد أبوغوش صاحب دار الماجد للنشر حال دور النشر الفلسطينية بقوله “ وضعها كسائر حياة الشعب الفلسطيني حيث تعاني من الكساد وعدم استقرار الوضعين الأمني والسياسي”، مشيرا إلى أن دور النشر تحتاج لحدود مفتوحة تمكنها من توزيع الكتاب ونشره واستيراده وتوريده وهذا غير متوفر في الأراضي الفلسطينية. ويؤكد على أن عدم وجود بند واضح في موازنة السلطة الوطنية لدعم الثقافة الفلسطينية بشكل عام ودور النشر بشكل خاص من الصعوبات التي تواجه دور النشر، مبينا أن معظم تلك الدور تقوم على انتاج ابداعات وكتابات ممولة من الكاتب نفسه. ويضيف”رغم أنني أملك دار نشر غير أنني قمت بطباعة عدة كتب من انتاجي في الأردن على حساب وزارة الثقافة الأردنية التي وفرت الدعم المطلوب !! “. ويشير أبوغوش إلى أن الثقافة مثلها كالتربية والموسيقى يجب ان تحظى باهتمام حكومي، مبينا أن الحاجة أكثر الحاحا في فلسطين كون أن الصراع مع اسرائيل ثقافيا بالدرجة الأولى. ويبين أن المنهاج التربوي بحد ذاته لا يشجع الحركة الثقافية لأنه لا يحفز الطلبة على قراءة كتب خارجية، قائلا “ في بعض الدول يحتسب علامات إضافية لمن يقرأ كتاب خارج المنهاج التربوي أما عندنا فلا يوجد ذلك وهذا يعد من أسباب تراجع الثقافة الفلسطينية”. وربط أبوغوش الارتقاء بأداء دور النشر إلى تقدم الحركة الثقافية بشكل عام في فلسطين، لافتا إلى أن ضعف الاقبال على القراءة مرده انشغال العامة بتوفير قوت يومها كما ان انعدام الدعم الحكومي لمختلف المؤسسات الثقافية أدى إلى تراجع الحركة الثقافية ما انعكس سلبا على انتاج دور النشر المحلية. وقدر حجم الانتاج الثقافي لدور النشر المحلية بما لا يتجاوز نسبة 5% من حجم انتاج أي دولة عربية أخرى. كم لا نوع ورغم وجود ما يقارب من 300 دار نشر في الضفة وقطاع غزة غير أن المراقبين يرون أن الفاعل منها لا يتعدى العشر. ويقول الأسمر “دور النشر الفاعلة لا تتعدى العشر”، معتبرا أن معظمها مجرد مطابع تحت مسمى دار نشر. ويؤكد بأن معظم المؤسسات التي تحمل مسمى “دار نشر” لم تؤد رسالتها الثقافية، ويوافقه الرأي عقل بقوله “ دور النشر الحقيقية لا تتعدى أصابع اليدين في أحسن الأحوال”. وتحصل أي دار نشر على ترخيص مزاولة المهنة من دائرة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام . ويؤكد الأسمر أن مراقبة أداء دور النشر بعد حصولها على الترخيص ليس من اختصاص وزارة الثقافة وإنما يخص الأمر اتحاد الناشرين الفلسطينيين الذي يجب أن يحدد شروط العضوية. ويقول” يمكن أن يحدد الاتحاد مثلا كم الكتب المطلوب من كل دار نشرها سنويا ونوعيتها كي يحافظ على العضوية”. أما بخصوص الرقابة على مضامين الكتب التي تنتجها دور النشر فأكد الأسمر أن المواطن هو الحكم على الكتاب سلبا أم ايجابا، مشيرا إلى أنه في حالة صدور أي كتاب يتعارض مع القيم الوطنية والثقافية فإن القضاء هو الفيصل. دور النشر منقسمة على نفسها وكحال الوطن المنقسم على نفسه يوجد اتحادان لدور النشر في فلسطين أحدهما ممثلا في اتحاد الناشرين العرب أما الآخر فهو يمثل دور نشر ارتأت تكوين جسم مستقل بعد تعذر اجراء انتخابات للهيئة الإدارية لاتحاد دور النشر. ويقول عقل” اتحاد الناشرين الفلسطينيين عضو في اتحاد الناشرين العرب كما توجد جمعية للناشرين الفلسطينيين مسجلة في وزارة الداخلية تشكلت احتجاجا على عدم اجراء انتخابات للهيئة الإدارية للاتحاد منذ أكثر من 15 عاما “. ويضيف” يبقى اتحاد الناشرين الفلسطينيين هوالممثل الرسمي لدور النشر باعتباره ممثلا في اتحاد الناشرين العرب وهو يسعى دائماً إلى تقديم التسهيلات لدور النشر المحلية عند مشاركتها في المعارض الخارجية مثل توفير جناح مجاني”. من جهته يقول الأسمر “ توقفنا كثيرا في وزارة الثقافة للارتقاء بوضع دور النشر والحالة التي يعيشها الاتحاد العام للناشرين “، مؤكدا أن الوزارة ستدعو خلال المرحلة المقبلة وعندما يعود الاستقرار النسبي للأراضي الفلسطينية الناشرين الفلسطينيين لعقد اجتماعات تحضيرية وصولا إلى عقد مؤتمر يتيح انتخاب هيئة إدارية جديدة للاتحاد، مبينا أن ذلك سيكون له الأثر الإيجابي في تحديد الوجهة المستقبلية لدور النشر.

223
0

التعليقات على: حركة النشر في فلسطين.. دور ضعيف في إثراء الحالة الثقافية