جلسة ثقافية في نابلس بعنوان "سلطة اللغة ولغة السلطة تأملات في شعر محمود درويش"
- مشاهدات 112
نابلس -
- عقد المنتدى التنويري الثقافي الفلسطيني (تنوير) في اطار فعالياته الاسبوعية جلسة ثقافية بعنوان: "سلطة اللغة ولغة السلطة: تأملات في شعر محمود درويش" . تحدث فيها المحاضر في كلية الآداب بجامعة النجاح الوطنية عادل الأسطة. وأدارها الدكتور عبدالعزيز احمد.
وفي بداية الجلسة عّرف احمد اللغة بأنها تاريخ ثمارعقول أبناء أي امة ونتاج قرائحهم ودليل أخلاقها ومرآة آدابها وسائر أحوالها. وربط أهمية اللغة بتاريخ الأمة من النواحي الأدبية والعلمية والإبداعية والثقافية، معتبرا اللغة سلطة في حد ذاتها، فإما أن تكون أداة للتغيير وإما للسطوة والهيمنة. وبيّن ان للغة حروفها وكلماتها واستعاراتها ومختبرها كما للسياسة أجهزتها وجيوشها ومطبخها.
وتساءل عبدالعزيز هل للصمت سلطة أيضا؟ مستشهدا بمقولة الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت " أجمل الكلمات التي لم نقلها بعد" وبمقولة لأديب الثورة غسان كنفاني "الكلمة البندقية".
وفي حديثه بيّن الأسطة بان للشاعر محمود درويش سلطة من خلال شعره، مستشهدا بمقولته أنه لا يقل عن أي زعيم سياسي لطباعته 22 ديوانا شعريا. واضاف بان الدارسين اعتبروا أبو الطيب المتنبي أهم من سيف الدولة لأنه ترك أثرا أكثر من سيف الدولة، ولأننا نقرأ ونحفظ شعر المتنبي ولا ندرس السياسي إلا لماما أو عندما ندرس حياة الشاعر. ثم أتى المحاضر الأسطة على خطاب درويش الشعري المبكر، يوم كان في الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ركاح) قبل أن يتركه ويغادر الأرض المحتلة في العام 1970 إلى مصر فلبنان فالمنافي المتعددة. وتساءل إن كان درويش في حينه يصوغ خطاب الحزب شعرا، ما يعني أن درويش لم يكن ذا سلطة قدر ما كان خاضعا لها – أي إلى سلطة الحزب.
واوضح أن شعراء الحزب في حينه كانوا يكتبون قصائد متشابهه، لأن أشعارهم كانت تاتي من منبع فكري واحد، وغالبا ما كانت أفكار الحزب مرجعية لهم، وهذا ما لم ينكره درويش في اللقاءات اللاحقة التي أجريت معه. لكن ُجل قصائد الشاعر وهو في الحزب تركت فعلها في القراء العرب وخاصة أحمد العربي" التي حُفرت في وجدانهم.
والتفت الأسطة إلى تجربة درويش في العالم العربي ما بين 1970 – 1982 وهي تجربة مريرة، كان السؤال الذي يراود الشاعر فيها هو: هل من جدوى للغة؟ وهل توقف الكلمات القذائف وأصوات المدافع؟ فلقد تعرضت المقاومة لحصار متلاحق، وكان الدَّم غزيرا، بخاصة في الحرب الأهلية وفي معارك بيروت 1982، وفي هذه الأخيرة قال درويش :
لغة تفتش عن بنيها، تبحث عن أراضيها وراويها
تموت ككل من فيها، وترمى في المعاجم
فالموت لم يكن من نصيب اللغة وحسب، ذلك أن أبناءها كانوا موتى، فقد حوصرت عاصمة عربية، ولم تنجدها العواصم الأخرى، كأنها في عداد الأموات.
واضاف الاسطة بان أن شعور درويش بعدم جدوى اللغة لم يكن مسيطرا عليه، فقد كان أحيانا يؤمن بسلطتها وقدرتها في التأثي. وفي طريقه لزيارة حيفا خاطب سجنه حين رآه: "سلاما يا معلمي الأول في فقه الحرية".
وتوقف الاسطة أمام قصيدة "عابرون في كلام عابر" التي أثارت الإسرائيليين وأفقدتهم أعصابهم، فيهود باريس تظاهروا هناك مطالبين فرنسا بطرد الشاعر منها. وتلا القصيدة اسحق شامير من على منصة "الكنيست" قائلا اسمعوا ماذا يقول الشاعر المعتدل، انه يريد أن يخرجنا من كل البر والبحر ولا يريدنا في فلسطين، محرضا على مقطع من القصيدة:
ولنا الدنيا هنا... والآخرة
فاخرجوا من أرضنا
من برنا... من بحرنا
من قمحنا... من ملحنا... من جرحنا
من كل شيء، واخرجوا
من ذكريات الذاكرة
وقال الاسطة بان المستشرقة الألمانية أنجيلكا نويفرت اعتبرت أن الحواجز بين الفلسطينيين والإسرائيليين هي حواجز لغوية وليست سياسية، لكن بعض الإسرائيليين اعتبر أن القصيدة عنصرية لأن الشاعر يريد أن يطردنا كما طردنا هتلر " خذوا موتاكم وانصرفوا". ولم يكن يُدرك درويش أن للغة هذه السلطة فقال رادا على كل هذه الأصوات: "فككوا المستوطنات أفكك القصيدة".
وفي نهاية المحاضرة توقف الاسطة أمام تأثير اللغة على الشاعر نفسه، فالشاعر الذي كان له، من خلال اللغة، سلطة على الآخرين وقع في المأزق نفسه، حين فسر بعض النقاد قصائده بما لا يروق له وهذا ما أذاعه في قصيدة إغتيال "يغتالني النقاد أحيانا".
ورأى الاسطة أن الشاعر في أخر قصائده (لاعب النرد) قد نزل عن عليائه إلى مصاف العادي من الناس فخاطبهم :
أَنا لاعب النَرْدِ ،
أَربح حيناً وأَخسر حيناً
أَنا مثلكمْ
أَو أَقلُّ قليلاً
وفي نهاية الجلسة وجه عدد من الحضور عدة اسئلة تمحور بعضها حول تأثير الشعر المباشر والغنائي والشعبي في انتشار الشاعر. وهل تناقض موقف الشاعر في القضايا العامة يؤثر على سلطة اللغة؟ وهل الشعر الرمزي هو هروب من قول الحقيقة للجماهير أم نوع من اللغة الإبداعية؟ وهل نقطة ضعف درويش في تأثره السريع بما يقرأ؟






