مع دخول الجيش الاسرائيلي نخشى الاسوأ!
وعندما بدأت الضربات الاسرائيلية، قلقت انا وزوجتي كما الكثيرين على المواد التموينية مثل العدس. وقالت لا يمكننا الحصول على شوربة العدس لان العدس غير موجود في المتاجر، ولا حتى الارز والطحين. وفجأة دوى صوت هادر، اعقبه تتالي الانفجارات التي لم اعهدها من قبل واهتز المنزل وارتجت النوافذ.
ووسط الهلع ركضنا صوب القاعة الصغيرة. وانضمت الينا شقيقة زوجتي التي تعيش في الطابق العلوي. وكانت شديدة التأثير لعدم عودة ابنتها الصغيرة من المدرسة بعد، وطرق ساري، جارنا الصغير، بابنا بعنف طلباً للمأوى. وكان يرتجف خوفاً وهو يقص علينا بأنه كان داخل احدى سيارات النقل عائداً من المدرسة عندما وقع انفجار مزلزل، ووجد ساري نفسه يركض بدون وجهة، وعلى ما يبدو كانت الانفجارات تطارده-كما قال. وفجأة مرّ بأشخاص ينزفون على قارعة الطريق، وتوجه صوب رجل لتقديم يد المساعدة له وقام بتحسس يده، وكانت مجرد قطعة من اللحم المحروق. وصرخ احدهم عليه مطالباً اياه بالابتعاد، لهذا قام بالهرب.
ووصلت الاخبار عبر الهاتف والتلفاز، قتل اكثر من 200 شخص وجرح حتى اكثر من ذلك في اقل من عشر دقائق. واخذت الاعداد بالارتفاع وملأت مشاهد الجنازات شاشات التلفاز.
ومن الواضح ان طائرات اف 16 اسقطت اكثر من مئة طن من القنابل على غزة المكتظة، وضربت اكثر من 300 هدف في مهمة واحدة. ولابد ان الطيارين ابلغوا قادتهم ان المهمة انجزت. بيد انهم لم يبلغوا عن ألم ومعاناة الناس الابرياء وعن الخوف الذي نشرته مقاتلاتهم في قلوب اطفالنا.
وقد لازمت نور الصمت طوال اليوم. وفجأة انفجرت بالبكاء والضحك بطريقة هيسيتيرية، وهي فتاة ذكية تتمتع بمواهب فنية. وتريد نظم الشعر.
يوم الاثنين رن جرس الهاتف. كانت صديقتي سلام تطلب النصح، حيث يقوم اطفالها الاربعة الذين في سن 11، 9، 7 و5 اعوام بالتبول اللاإرادي في اسرتهم ولقد كبروا عن ذلك منذ فترة طويلة.
وبعد ثلاثة ايام من بدء الهجمات اعلن عبر الراديو عن وفاة فواز ابو ستة، استاذ العلوم السياسية في جامعة الازهر هنا. وقال النبأ ان ركام بناية الوزارة هشم منزله الصغير. وقام صديق استمع للبث بلفت انتباه مسؤولي الدفاع المدني بتفتيش الطابق الارضي من منزل فواز. فقاموا بذلك وانقذ فواز مع زوجته واطفاله وامه الطاعنة بالسن.
وتتواصل هذه المجزرة، مع الازمة الانسانية التي جلبها الحصار الاسرائيلي اصلاً لغزة: النقص في الادوية والخبز والدقيق والغاز والكهرباء وتقريباً كل شيء. وفعلياً حول الحصار غزة الى سجن كبير. فجميع حدودنا مغلقة وعليه لا يوجد اي مخرج.
وليلة الثلاثاء كانت غزة اشبه بمدينة اشباح، وكانت شوارعها مهجورة ولم يجرؤ الناس على مغادرة منازلهم. واعتقد ان الاطفال هم الاكثر معاناة. فلقد رأوا الخوف في أعين امهاتهم. واهتزت صورة آبائهم كمصدر للأمان. فلم يتمكن الآباء من تزويدهم بالغذاء وهم الان غير قادرين على حمايتهم. وبالنسبة لي، يبدو ان الفرص كبيرة امامهم للانضمام لحماس خلال بحثهم عن استبدال شخصية الاب، وعن من يوفر الحماية. وبهذه الطريقة، فإن الافعال الاسرائيلية تعمل فقط على تقوية حماس.
وتقول لنا الحكمة ان العنف يولد العنف. وتضمن وحشية اسرائيل ان شعبها لن يكون في مأمن. وقد تدمر اسرائيل الكثير وتقتل الكثير من «حماس» والفصائل، لكن هذا ليس الحل. ولقد ولدت حماس بسبب الاحتلال وفازت في انتخابات العام 2006 بسبب الوعود الكاذبة للسلام وخيبة أمل الشعب من السلطة الفلسطينية... وعلى اسرائيل وحلفائها التعاطي مع مظالم الشعب الفلسطيني وعدم مفاقمتها من خلال التنكر للعدل والامن ومن خلال انتهاك حقوق الانسان الاساسية. فمعظم الفلسطينيين في غزة يتواجدون هنا بعد تهجيرهم من ديارهم عام 1948 عند اقامة اسرائيل. ومن حينها لم نحظ بيوم من الحرية او التمتع بالحقوق المتساوية مع الاسرائيليين. وبالكاد نستطيع اطعام اطفالنا او توفير الدواء لهم لان اسرائيل تسيطر على كل شيء يدخل او يخرج.
ومن المكان الذي اجلس فيه، وسط هذا الوابل من القصف، تبدو اسرائيل وبشكل متفاقم تعيش خارج قواعد المجتمع الدولي وخارج القانون الدولي.
وأنا لست الوحيد الذي يفكر بهذه الطريقة. فقد قال مبعوث الامم المتحدة لحقوق الانسان ريتشارد فولك بأن اسرائيل تقوم بجريمة ضد الانسانية. وكان الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر ورئيس أساقفة جنوب افريقيا ديزموند توتو والرئيسة السابقة لمفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان ماري روبنسون، قد عبروا عن نفس الآراء في الماضي. فعلى اسرائيل التوقف.
ومع هذا، يبدو انه من المرجح قبيل توقف انفجارات الصواريخ، سنشهد المزيد من الأيام الشبيهة بالخميس الفائت عندما حضرت عائلة تعيش في الجهة المقابلة من الشارع الى منزلنا. فقد وصلتهم مكالمة هاتفية تطالبهم بالإخلاء لان منزلهم سيقصف. وعادة ما يقوم الاسرائيليون باجراء هذه المكالمات، لكن لا يمكن التأكد ماذا سيحدث. وبالفعل جرى قصف بعض المنازل بعد تلك المكالمات لكن بعضها للخداع.
ونزل جيراننا عندنا لساعتين قبل ان يكتشفوا ان التهديد كان مجرد خدعة ثقيلة. وبعدها يوم الجمعة وصلتنا انباء وفاة صديقة ابنة زوجتي-وهي مسيحية-متأثرة بالجراح التي اصيبت بها في وقت مبكر من الاسبوع. وامضت نور يومها بالبكاء.
لهذا، ترك الكثيرون منازلهم. والمواطنون الذين يقطنون قرب منزل احد مسؤولي حماس غادروا والحي بأكمله فارغ.
انا خائف من التداعيات، لكنني سأبقى رغم خوفي مما هو قادم. فأنا قلق عما سيعقب ذلك من سفك خطير للدماء الذي سيتلو بالتأكيد تقدم القوات الاسرائيلية على الارض.
وسيحارب مقاتلو حماس والفصائل من المنازل وفي الشوارع والاحياء التي بقينا بها.
< ملاحظة: اياد السراج طبيب نفساني ومؤسس ورئيس برنامج غزة للصحة النفسية ومفوض الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الانسان.
الدكتور اياد السراج