الأهداف الحقيقية لحرب غزة
لا يمكن لأي عاقل أن يصدق الذريعة التي تسوقها الدوائر الاسرائيلية في تبرير الحرب التي تجري في قطاع غزة، والمتمثلة في لجم حركة المقاومة الفلسطينية ومنعها عن إطلاق الصواريخ على المستوطنات والبلدات الإسرائيلية القريبة من القطاع. فالإسرائيليون أكدوا مراراً أن صواريخ المقاومة لم تلحق بهم خسائر بشرية أو مادية ترقى إلى تهديد أمنهم، أو إرباك مشروعهم في حيازة فلسطين. وكان تعبير “الصواريخ العبثية” من اليافطات الأثيرة التي يجري تكرارها بشكل يكاد يكون يومياً، في الإعلام المعادي لمشروع المقاومة.
لا بد إذن أن يكون للعدوان الاسرائيلي هدف، أو أهداف استراتيجية أخرى، غير تلك المعلن عنها، تجعل من ترويض قطاع غزة عملية تتكافأ مع الخسائر التي تلحقها العملية وتداعياتها باسرائيل، سواء كان ذلك في الأرواح والمعدات، أو في تراجع السمعة والتقدم السياسي والدبلوماسي الدولي، الذي حظيت به إسرائيل، بمباركة من قوى دولية وإقليمية وعربية، والذي شهد نكسة خطيرة في الأيام الأخيرة، بسبب حملة الإبادة على القطاع.
هناك أسباب حقيقية إذن تقف خلف هذه العملية غير تلك المعلنة، يقتضي وعيها للتعامل موضوعياً مع الحدث، واتخاذ المواقف السياسية المنسجمة مع مخاطر المشروع الاسرائيلي، ليس على القضية الفلسطينية فحسب، بل وعلى الأمن القومي العربي الجماعي بأسره.
والقراءة لما يجري الآن لا يمكن أن تكون صائبة، إن لم يتم ربطها بالمشروع الاسرائيلي والأمريكي الذي أريد منذ زمن ليس بالقصير فرضه على المنطقة بأسرها، والذي كان من المفترض أن تكون حرب تموز في لبنان عام 2006م مخاض ولادته، والمعبر عنه بالشرق الأوسط الجديد.
وللتذكير فإن تعبير “مخاض الولادة لشرق أوسط جديد” ليس من نسجنا أو اختراعنا، بل هو تعبير جرى تكراره على لسان وزير الدفاع الأمريكي السابق رامسفيلد إثر احتلال العراق عام 2003م، وأعيد تكرار ذلك أثناء حرب لبنان عام 2006م، على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس. والمشروع برمته يهدف إلى الاستعاضة بالبعد الاستراتيجي العسكري بالمناطق الحيوية، بديلاً عن الجغرافيا الطبيعية، ويهدف إلى تحقيق اندماج إسرائيل بالنظام العربي الرسمي، ليس بصيغة الشريك فحسب، ولكن بصيغة القاعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية المتقدمة للمشروع الإمبريالي الغربي على الأرض العربية.
كان إيغال آلون، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، أول من لفت الانتباه، في أوائل السبعينات من القرن المنصرم، إلى إمكانية قيام سلطة فلسطينية، تتمتع بحكم ذاتي بالضفة الغربية وقطاع غزة، وترتبط بكونفيدرالية سياسية واقتصادية مع الأردن، وترتبط من جهة أخرى، على مختلف الصعد باسرائيل، وتكون معبراً برياً للتسلل الإسرائيلي، إلى القارات الثلاث: آسيا وأوروبا وإفريقيا، في مختلف الاتجاهات. وقد تزامن مشروع آلون بربط اسرائيل بمشاريع تصدير الغاز العربي عن طريق الموانئ الفلسطينية، وبإيصال المياه عبر أنابيب تمتد من تركيا إلى الأراضي المحتلة. كما ارتبط ذلك أيضاً بالحديث عن تحقيق توسع إسرائيلي في جنوب لبنان بهدف الوصول إلى مياه الليطاني، واستكمال مشروع تحويل مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب، في القلب من فلسطين المحتلة.
لقد حالت حرب تشرين الأول عام 1973م، وتصاعد حركات المقاومة، واتخاذ القادة العرب قرارهم التاريخي باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتماسك الموقف العربي دون تحقيق مشروع آلون آنف الذكر. ولم تكن فكرة قيام دولتين مستقلتين على أرض فلسطين التاريخية قد تبلورت بعد آنذاك لدى عرفات ورفاقه.
وخلال الحقبة التي امتدت منذ منتصف السبعينات حتى يومنا هذا، كان قطاع غزة متميزاً في مقاومته ومناهضته للاحتلال. وكان القطاع من وجهة نظر الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما يمثله من ثقل سكاني وحركة رفض وممانعة مستعصية، يشكل عبئاً ثقيلاً على سلطات الاحتلال، وأثناء محادثات كامب ديفيد بين القيادة المصرية واسرائيل، حاول رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحيم بيجن إقناع الرئيس المصري، أنور السادات، بدمج موضوع القطاع بالمفاوضات، على اعتبار أن مصر كانت تدير القطاع حتى حرب حزيران عام 1967م. ورفض الرئيس السادات ضم القطاع للأراضي المصرية، خشية من تعقيدات ذلك على عملية التسوية السلمية برمتها، وأيضاً لأن الحكومة المصرية، برئاسة السادات نفسه، كانت من الذين دعموا قرار مؤتمر القمة العربي في الرباط، بمنح منظمة التحرير الفلسطينية وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني.
وبقي قطاع غزة مصدر إزعاج ومقاومة مستمرة لقوات الاحتلال الاسرائيلي. وكان عقد مؤتمر القمة العربية بعمان في تشرين الثاني عام 1987م، ولقاء الزعيم السوفييتي غورباتشوف والرئيس الأمريكي ريغان وتجاهلهما للقضية الفلسطينية، قد أزالا كل وهم لدى الفلسطينيين بإمكانية تحقيق أي تقدم على طريق إنجاز أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير من خلال مؤتمرات القمة العربية أو المبادرات الدولية. وكانت غزة، ومخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، بالذات، المكان الذي اندلعت منه انتفاضة أطفال الحجارة لتعم سريعاً مدن غزة، ولتنتقل كالهشيم للضفة الغربية، ابتداء بمخيم بلاطة قرب مدينة نابلس، ولتسجل صفحة ناصعة وفريدة في صفحات النضال الوطني الفلسطيني.
وأثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى كان قطاع غزة هو حجر الزاوية، وكان حسب وصف رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، اسحق رابين كابوساً، يقض مضاجع قادة اسرائيل، ويحرمهم الأمن والطمأنينة. وفي واحد من أكثر تصريحاته مرارة وإحباطاً تمنى ألا يستيقظ صباحاً من نومه إلا وقطاع غزة قد أزيل من الكرة الأرضية أو غرق في البحر.
ليس ذلك فحسب، بل إن إدارة رابين بادرت للاتصال بأحد قادة حركة فتح في غزة وعرضت عليه مشروع استلام منظمة التحرير لقطاع غزة، وتم تبليغ ذلك للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ولحقتها رسائل أخرى، عبر سعيد كنعان أحد الشخصيات النابلسية، وأحمد الطيبي، عضو الكنيست الإسرائيلي وأحد الشباب الذين لعبوا أدوراً بين المنظمة والحكومة الإسرائيلية، وعبد الوهاب الدراوشة عضو الكنيست الإسرائيلي، وكانت تلك الرسالة الشفوية هي وما تبعها من رسائل تضمنت استعداد اسرائيل لتسليم غزة لمنظمة التحرير، هي المقدمة لمفاوضات أوسلو، التي بدأت في أواخر عام 1992م، وانتهت بتوقيع اتفاق غزة- أريحا أولاً في 17 آب عام 1993م.
من هذه الخلاصة نصل إلى أن الهدف الإسرائيلي من الحرب التي تشن بحق القطاع ليس إعادة احتلال القطاع، بل كسر إرادة الصمود والمقاومة تمهيداً لإعادة ترتيب الأوضاع السياسية في عموم المنطقة، انسجاماً مع مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي نظر له رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق شيمعون بيريس، والذي جرى تعديله لاحقاً، وقدم تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد”، الذي سيأخذ مكانه من خلال “الفوضى الخلاقة” و”مخاض الولادة الجديدة”، كما عبر عنه احتلال العراق وحرب لبنان.
وانتهت حرب لبنان عام 2006م، من دون إجراء تعديلات جذرية فوق رقعة الشطرنج، ومن دون تحقيق مخاض الولادة لشرق أوسط جديد، ومن دون اكتمال الخريطة الجديدة لاسرائيل، وكانت كما تم توصيفها بحق من قبل بعض الزعماء الإسرائيليين، “حرباً لم تكتمل”. وبالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل أولمرت ووزير دفاعه باراك نذير شؤم بنهاية مستقبلهما السياسي.
هذه النهاية السياسية ربما تكون في مقدمة الأسباب التي دفعت بأولمرت وقيادته الى القيام بالعدوان الجديد على قطاع غزة، والتعويض عن الهزيمة التي لحقت به في لبنان، وإعادة الاعتبار لحضوره السياسي. فقطاع غزة ليس كلبنان، إن من حيث الحجم، حيث لا مجال لدى الفلسطينيين للحركة أو المناورة، أو من حيث الكثافة السكانية، حيث إمكانية الخراب والدمار أوسع وأسرع، أو من حيث إمكانية الحصول على السلاح والعتاد، كون لبنان يحاذي الأراضي السورية من الشمال والشرق، والانتصار العسكري الاسرائيلي في الحرب الدائرة، من وجهة النظر الإسرائيلية، هو بحكم المؤكد. وفي كل الأحوال، فإنه إذا ما تم سحق حركة «حماس»، فإن أولمرت سيغادر سلطة الحكم بعد فترة قصيرة مكللاً بالغار، وإن كان معمداً بالدم ورائحة الموت، والخراب والدمار الذي عم كل زوايا القطاع، وكل شبر فيه.
لكن طائر الفينيق يطل كل مرة معلناً تحديه، وملقياً بقفازه في وجه جلاديه، مؤكداً أبدية حضوره، فألوف الأطنان من القنابل قد تقتلنا ولكنها بحول العلي القدير ستعجز عن إلحاق الهزيمة بنا. إنه تحد للوجود والإرادة للعرب جميعاً، فهل نرتقي إلى مستواه؟
يوسف مكي