"ما أكبر الفكرة.. ما أصغر الدولة"

د.أحمد جميل العزم
153

وجدت نفسي، من دون تخطيط في البداية، أكتب لغالبية أيام الجمعة مقالا عن الوطن الفلسطيني، الممتد من دفء صحن زيت وزعتر لسيدة وزوجها في أقصى قرية في اسكتلندا الباردة، إلى التين الخرطماني في ميعار. وعند محاولات تهويد خان "العمدان"، دبكتُ فرحاً لذكرى دولة ظاهر العمر في الجليل، يوم جعل عكا "كوزموبوليتينية". ورأيتُ من يقول "الحياة وقفة عز": أشخاصٌ يقفون في مواجهة الأفاعي والمستوطنين والإهمال وقلة المؤازرة، ويحافظون على أرضهم في مواجهة المحاولات اليومية لمصادرتها، ويقاتلون بقبضة عارية وفأس وكاميرا وكلمة وقَسَم وعهود. وفي ربيع 2012، كتبتُ عن الشاعرة رفيف زيادة، "سوسنة الصخر"، يوم ألقت قصيدتها بالإنجليزية عن خضر عدنان، بطل ورائد الإضرابات عن الطعام، على مسرح كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (سواس) في لندن، وتقول بالعربية: "اسمحوا لي أن أتكلم بلساني العربي، قبل أن يحتلوا لغتي أيضاً". ثم تُعلِمهم بالإنجليزية عن قريتها بين حيفا ويافا، وتصف لهم فلسطين في عيون الأسير خضر عدنان الملونة، وتتحدث عن زوجة خضر، وتنطق اسم فلسطين بالعربية مشددة على الحروف، فتتعالى قبضات وصرخات شباب الجامعات اللندنية، بعيونهم وشعرهم الملون، تهتف باسم خضر. في أيلول الماضي، قُتل جندي إسرائيلي في مدينة الخليل. شكك أهالٍ وشبان بحادثة القتل، وقال لي ناشط مدني في المدينة إنّ هذه ربما "نيران صديقة" من قبل الإسرائيليين. قبل حادثة الخليل بيوم، اكتُشِفَ قيام فلسطيني بخطف وقتل جندي إسرائيلي، وإلقائه في بئر في قرية بيت أمين، شمال الضفة الغربية. بعد أيام، ظهر والد المنفذ على تلفزيون إسرائيلي، يدين ابنه ويرفض ما قام به، ويشكك في دوافعه، ويعتبره مجرما. في تشرين الأول، قُتل ضابط متقاعد داخل بيته في مستوطنة إسرائيلية شمال وادي الأردن، واعتُقل لاحقا شبان فلسطينيون. وأعلنت المصادر الإسرائيلية أنّها تُغلّب أنّ تكون الدوافع جنائية. كأنّ العالم ضاق حتى لا تكون السرقة والجرائم إلا في المستوطنات المحصنة. لم نسمع أهالي يوضحون، والفصائل لم تعترض. تكرر الأمر عندما دخل الشاب يونس الردايدة معسكرا للجيش الإسرائيلي بجرافته، وكان شقيقه قد دهس سيارة إسرائيلية في القدس قبل سنوات بجرافته أيضاً. أنكرت عائلته أن تكون دوافع ابنهم وطنية، وغلّبوا أنّ اقتحام المعسكر "كان على سبيل الخطأ". وهذا الأسبوع، يُقتَل شبان في يَطّا، في الخليل، أحدهم ابن شهيد، ويقال لنا هؤلاء "قاعدة" وسلفيون. قبل هذا، في حزيران 2011، وفي مخيم اليرموك للاجئين في دمشق، تظاهر سكان من المخيّم، في حادثة غير مسبوقة. ذهب أبناؤهم في مسيرة إلى الجولان السوري الذي تحتله إسرائيل، ما أدى إلى استشهاد بعضهم. وواجه الأهالي قيادات وفصائل فلسطينية وحاصروا مقراتها، وسقط شهداء من أهالي الشهداء برصاص الفصائل، واتهموها بتضليل أبنائهم وإرسالهم إلى الموت. لم يعد الشهيد يُستقبل بالزغاريد مهما كانت ظروف ذهابه. ليس مطلوباً أن تكون مواجهة الاحتلال من دون تفكير، وليس مستبعداً اختلاط المواجهة بانحراف فصائل تخدم أنظمة سياسية. والبعد الجنائي قد يكون موجودا في قليل من العمليات ضد إسرائيليين. كما أن التفكير يمكن أن ينضج ويصبح أكثر واقعية. على أن الناس يتساءلون: هل مسّ الروحَ شيءٌ؟ هذا الأسبوع، اعتقلت قوات أمن فلسطينية الشيخ خضر عدنان، والأسير المحرر فاروق موسى. أطلقت الأول، وحتى كتابة هذه السطور بقي الثاني. ستجد من ينتقد أداءً للشيخ خضر وبعض مواقفه. ولكن أي فشل سياسي ونضالي ألا يكون ممكناً الوصول إلى تفاهمات مع رمز وطني مثله، وطاقة شابة هائلة؟ أين الثورة التي تحتضن المناضلين؟ بات الأمر اعتقالا بحجة عرقلة رجال الأمن. أليس منطقيّا إذن استذكار محمود درويش وهو يقول "ما أكبر الفكرة.. ما أصغر الدولة". أليس من حق الناس، وقد أصبح التفاوض خيارا وحيدا، وقد زادت قضايا الفساد، أن يقول بعضهم: "فلنسلم مفاتيح فردوسنا لوزير السلام، وننجو..". ليس الأمر كذلك. هناك صبية من الناصرة، وشاب في أوروبا جاء من مخيم اليرموك، وشاب في الخليل، وطفل من سخنين، وآخرون كثر، سيقولون يوم غدٍ: لسنا "عابرين في كلام عابر"؛ عيونهم على الكرمل والجرمق وعلى النقب، ويقولون من كل فج: "برافر لن يمر".

153
0

التعليقات على: "ما أكبر الفكرة.. ما أصغر الدولة"