الاستيطان والمفاوضات والآفاق المسدودة

عوني صادق
237

ثلاث سنوات من “الجمود السياسي” امتنع فيها نجاح محاولات استئناف المفاوضات بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية . وكان السبب الرئيس، حسب التصريحات الفلسطينية الرسمية، هو عدم قبول الحكومة الإسرائيلية فكرة تجميد عمليات البناء في المستوطنات . لكن المفاوضات استؤنفت، بفضل جهود وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بعد أن تخلّت السلطة الفلسطينية عن مطلب تجميد الاستيطان .

فلسطينياً، تم تبرير العودة على أساس “رسالة ضمانات” بعث بها كيري تعهد فيها بأن تكون “حدود 1967” هي مرجعية المفاوضات، مع “تبادل للأراضي متفق عليه”، إضافة إلى تحديد سقف زمني للمفاوضات يتم في نهايته التوصل إلى “اتفاق نهائي حول قضايا الوضع النهائي وحل النزاع” . لكن تمسك الحكومة الإسرائيلية، ولو بالكتل الاستيطانية الكبرى وحدها، يفرغ من المضمون التعهد الأمريكي بشأن “مرجعية حدود 1967” حتى لو كان “تبادل الأراضي” طفيفاً، خصوصاً أن كيرى أعلن أن إسرائيل ستحتفظ بما يعادل 85% من هذه الكتل .

لقد أصبحنا نعرف جميعاً أن المشروع الصهيوني في جوهره هو “مشروع استيطاني”، نشأة ومساراً وحتى اليوم، ومن المنطقي افتراض ألا يكون أي معنى لأية محاولة تستهدف التوصل إلى “حل نهائي” للقضية الفلسطينية من دون حل مقبول لموضوع الاستيطان بشكل يرضي الفلسطينيين، ويحافظ على الحد الأدنى من حقوقهم التي اعترفت لهم بها “الشرعية الدولية”، على الأقل . وقد كان لافتاً أن توافق الحكومة الإسرائيلية على ازدياد إعلانات ومصادقات على مشاريع وعمليات بناء جديدة بعد استئناف المفاوضات! فقد وافقت الحكومة على عشرين تجمعاً استيطانياً جديداً في إطار ما تطلق عليه “قائمة الأولوية القومية”، بعد أقل من أسبوع واحد على إعلان استئناف المفاوضات، وقبل الجولة الثانية الحالية صادقت على 1200 وحدة سكنية في مستوطنات “القدس الكبرى”! وكرد فلسطيني على هذا القرار الإسرائيلي، وجّه صائب عريقات يوم 8-8-2013 رسالة إلى جون كيري، جاء فيها “إنه من دون وقف البناء الاستيطاني من الصعب رؤية كيف يمكن أن تتقدم المفاوضات باتجاه الوصول إلى اتفاق سلام” (هآرتس- 9-8-2013) .

في هذا الوقت، علّقت وزارة الخارجية الأمريكية على القرار الإسرائيلي بالصمت لأيام، ثم أتحفتنا بأسطوانتها المشروخة التي تعوّدنا عليها خلال العشرين سنة الماضية، إذ قالت الناطقة الرسمية باسم الوزارة، جينفر بساكي: “موقفنا التقليدي والمعلن بالنسبة لقضية الاستيطان لم يتغير” . وأضافت: “لقد حذرنا من أنه على الأرجح أن نشهد استمراراً لهذه النشاطات، ولكننا ومعنا الطرفان المعنيان لا نزال مصممين على المضي قدماً نحو تحقيق الأهداف المعلنة من استئناف المفاوضات” (ے 7-8-2013) . والسؤال كيف يمكن أن يفهم تصريح الناطقة الرسمية باسم الخارجية الأمريكية في ضوء رسالة عريقات إلى كيري؟ فبينما لا يرى عريقات إمكانية لتقدم المفاوضات من دون وقف البناء الاستيطاني، تقول الناطقة الأمريكية ما معناه أنهم كانوا يعرفون أن البناء سيستمر، وأن ذلك لن يمنعهم، ومعهم “الطرفان المعنيان”، من المضي لتحقيق “الأهداف المعلنة” . فهل أراد عريقات بتصريحه أن ينوّم الفلسطينيين؟ في كل الأحوال ذلك يعني أن “التعهدات” الأمريكية لا قيمة لها في موضوعنا .

وبمناسبة الحديث عن “الأهداف” التي أشارت إليها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، يذكر أنه بعد انتهاء اجتماعات الجولة الأولى من المفاوضات التي عقدت في واشنطن، وفي مؤتمر صحفي شارك فيه رئيسا الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني، تسيبي ليفني وصائب عريقات، قال كيري: “إن الهدف من المفاوضات هو التوصل إلى اتفاق حول الوضع النهائي وحل نهائي للنزاع خلال الأشهر التسعة المقبلة” .

أما موضوع الأشهر التسعة التي حددت في الاتفاق المبدئي لاستئناف المفاوضات، كسقف زمني للتوصل إلى الاتفاق، فلم تقرأ في تل أبيب كما قرأتها السلطة الفلسطينية . ففي مقال نشرته مجلة (مباط عليا - 25-7-2013) بقلم شلومو بروم، قال الكاتب: “إن تحديد إطار زمني من تسعة أشهر، يمكن أن يساعد في قبول الطرفين، وخصوصاً الطرف الإسرائيلي، لإجراء مفاوضات من أجل المفاوضات وليس من أجل الوصول إلى اتفاق، لأن الطرف الثاني الذي تعهد بهذا الإطار الزمني لا يمكنه أن يهدد بتفجير المحادثات” .

وعودة إلى موضوع الاستيطان في ضوء القرار الإسرائيلي الأخير المتعلق بـ “قائمة بلدات الأولوية القومية”، كتب دوف فايسغلاس، الذي كان مديراً لمكتب أرئيل شارون عندما كان الأخير رئيساً للوزراء، في مقال نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت - 7-8-2013)، يقول: الناظر إلى الخريطة التي ترسمها هذه البلدات “يجد أنه لا مناص من الاستنتاج بأن الحكومة الإسرائيلية تريد سلسلة بلدات إسرائيلية كبيرة قدر المستطاع تشق الضفة الغربية على طولها كلها تقريباً، أي أن قرار الحكومة يشكك في رغبتها الصادقة في إحراز تسوية سياسية” .

وهنا لا بد من التنويه أن فايسغلاس متمسك بالكتل الكبرى، واعتراضه ينصب على القرار الأخير الذي يشرع لمستوطنات جديدة خارج هذه الكتل، لذلك يضيف في مقاله: “إن تنمية مستوطنات تقع في كتل الاستيطان الكبرى يمكن أن تفسر بالموقف الإسرائيلي الذي حظي باعتراف أمريكي برسالة الرئيس بوش إلى رئيس الوزراء شارون في نيسان 2004 . لكن مخصصات اقتصادية لمستوطنات قليلة متفرقة في عمق الأراضي الفلسطينية تفشل إمكانية التسوية السياسية، وتجعل كلام الحكومة الإسرائيلية عن السلام سخرية” .

والنتيجة الوحيدة لكل ذلك هو أن آفاق المفاوضات، مع استمرار الموقف الإسرائيلي من الاستيطان، مسدودة .

237
0

التعليقات على: الاستيطان والمفاوضات والآفاق المسدودة