نحو حملة إنقاذ عربية شاملة
- مشاهدات 72
أرسل إليّ صديق حكمة تقول: «إن معظم مشاكل العرب وأزماتهم تنبع من أمرين، هما: إما أن يعملوا من دون تفكير أو أن يفكروا كثيراً من دون أن يعملوا أو ينفذوا ما يفكرون به».
وهذا فعلاً ما ينطبق على حال العرب في كل زمان ومكان، لا سيما بعد أن اختلطت الأمور أخيراً وتعقدت لتشمل تحت مظلتها كل المطالب وجميع القضايا، أي بين لقمة العيش والكرامة، والجوع والحرية، والعمل الشريف والديموقراطية، وتكافؤ الفرص والعدالة، والتوزيع العادل للثروات والشفافية والنزاهة لمحاربة الفساد المستشري.
لا مجال للنقاش حول حق الشعوب في الحرية، ولا خلاف على أولوية المطالب المحقة والطموحات المشروعة والتطلعات المنطقية لمستقبل واعد وآمن ومستقر، ولا اختلاف على أن «الربيع العربي» كان حتمياً وواعداً على رغم أنه جاء متأخراً وناقصاً وجرت محاولات لحرفه عن مساره وشاركت جهات عدة في تشويه صورته أو في القفز فوق جثث الشهداء وجراح الجماهير وآلامهم لفرض هيمنة أو استغلال الفرصة للتفرد بالحكم وضرب المكاسب التي حققتها الشعوب عبر تحركها السلمي وتمسّكها بالوصول إلى مطالبها المحقة والعادلة.
كل هذه المعطيات سليمة ومنطقية، لكن الانفجار الكبير لم يقع بعد في حال لم يتم تداول الأمر ونزع الفتيل وإيجاد الحلول العاجلة للأوضاع الاقتصادية المتردية والأزمات الحاصلة والمرتقبة. فمع الاعتزاز بدعوات الحرية وبراءة المطالبين بها لا بد من التفكير ملياً بآلام الجياع وذل الحاجة، من دون أن ننسى البطالة في مجتمعاتنا أكثريتها بين الشباب العاطلين من العمل الذين بلغت نسبتهم أكثر من 20 في المئة من مجموع عدد سكان العالم العربي.
ومعظم الاقتصادات العربية، كانت، وما زالت، شبه مفلسة، والخزائن خاوية على عروشها والجماهير تنهشها وحوش الفساد وتقضّ مضاجعها رموز الهدر والإهمال واللامبالاة وغياب التخطيط السليم والبناء الثابت غير المهدد بالانهيار في أية لحظة.
هذا الواقع المزري كان سائداً على مدى العقود الماضية، وكان الأمل أن ينجح الربيع العربي في انتشال الأمة من الهوة التي رميت بها. لكن الأحداث أثبتت أن الأزمات تعمقت وزادت الاضطرابات الطين بلة، أولاً بسبب غياب الخطط البديلة والوسائل الآيلة لمنع السقوط مجدداً، وثانياً بسبب استغلال فئات وأحزاب لفرصة التغيير لكي تهيمن على السلطة وتتفرد بها من دون أن تملك أجندة جاهزة للحلول الناجعة، فيما تسود حال الفوضى والاضطراب والتظاهرات لتقضي على ما بقي وتحول دون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإقتصاد المتهاوي.
وهذه هي النتيجة الحتمية لسياسة تجويع الشعوب التي كانت سائدة خلال العقود المنصرمة، وما زالت تنتظر الحلول الناجعة، خصوصاً أن ما تبع أحداث الربيع العربي زاد من حجم المأساة في غياب المظلة الواقية، وبعد أن دمرت البنى التحتية والثروات الوطنية وتشرد الملايين وضاعت فرص العمل وبقي مئات الألوف من الأطفال بلا أمل ولا تعليم ولا مستقبل، ما ينذر بهزات اقتصادية مدمرة تتبع الزلزال الكبير.
انطلاقاً من هذه الوقائع لا بد من دق ناقوس الخطر والتفكير بحلول جذرية يتبعها عمل سريع وجهود حثيثة لوقف الانهيار والانطلاق نحو إيجاد العلاج الشافي وتقويم الاوضاع لإعادة بناء الاقتصاد على أسس سليمة وتشجيع الاستثمار وتأمين فرص عمل لملايين العاطلين.
لقد طويت صفحة تجويع الشعوب وفق مبدأ «جوّع شعبك... يلحقك» التي عملت بها بعض الأنظمة. فالشعوب بشر، وهم أصحاب كرامة وعزة نفس، ما أن يتعرض لها أحد حتى تنتفض في وجه من يهينها، وهي قد تصبر، ويطول صبرها، ولكنها عندما تفقده لا ترحم ظالماً. فالجوع كافر كما يقول المثل، بل إن هناك كلاماً منسوباً إلى الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، إذ قال: «لو كان الجوع رجلاً لقتلته واسترحت». كما أن الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أوقف تطبيق الحدود الشرعية في سنوات المجاعة وفعل الشيء نفسه عدد من القادة والحكام.
نعم، هذا هو واقع الحال اليوم. وعلى جميع الأطراف من القادة وأصحاب القرار ومن القاعدة إلى القمة ومن المسؤولين ورجال الأعمال أن يفكروا طويلاً ويعملوا سريعاً تنفيذاً لقوله تعالى: «وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»، وقول الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) أيضاً: «أعقلها وتوكل»، أي فكر واعمل. وهذه هي مسؤوليتنا جميعاً، ولا سيما رجال الفكر والإعلام، لأن النتائج ستكون وخيمة ومدمرة في حال التواكل بدلاً من التوكل، والتفكير بلا عمل، أو بالعمل من دون تفكير وتخطيط ودرس. بل ستكون شبيهة بوضع المفترس في حال التأخير أو الإهمال أو اللامبالاة.
ويزيد في حجم المسؤولية وتزايد الأخطار والأزمة الاقتصادية العالمية ومفاعيلها التي لا بد أن تترك بصماتها على العالم العربي وعلى الدول والأفراد، ولا سيما رجال الأعمال والمستثمرين والشركات وحملة الأسهم.
فهذه المرحلة قد تطول أو تقصر، ولا خيار أمامنا سوى إيجاد الحلول العاجلة للمشاكل المزمنة والمستعصية والقائمة والمتجذرة. وهذا يستدعي تآزر جميع الجهود والقوى في حملة إنقاذ شاملة تبدأ بترسيخ الاستقرار وتوفير الأمن والأمان للمواطن ودفع عجلة الإنتاج للدوران مجدداً واستعادة ثقة الجماهير والمستثمرين بالأوطان وبالحاضر والمستقبل وإحياء الأمل بالإصلاح وطي صفحة الماضي.
وفي البدء تكون الوحدة الوطنية، أي قيام حكومات وطنية ائتلافية تضم جميع القوى والأحزاب والفئات بلا استثناء ولا إقصاء ولا استئثار ولا هيمنة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب وإقرار قوانين صارمة ورادعة لقطع دابر الفساد من جذوره ومعاقبة كل من يشارك في الهدر أو النهب وسرقة لقمة العيش من أفواه الأطفال والجياع والجماهير المنكوبة.
والخطوة التالية المطلوبة إعلاء شأن سيادة القانون وإحلال العدالة الكاملة مكان الظلم والتسيب والاحتكام للقوانين بعد تعديلها لتتماشى مع روح العصر وواقع الحال بعد وضع دستور دائم يضمن الاستقرار ويضع خريطة طريق للمستقبل بإجماع الآراء.
فاليوم فكر وغداً أمر، وعندما تضع الحروب أوزارها سنكتشف حجم الأضرار والخسائر والدمار الذي لحق بالحجر والبشر، ونجد أمامنا قنابل متفجرة وحقول ألغام وفتائل جاهزة لتفجير براميل البارود متمثلة في فرص العمل الضائعة للملايين، والمنازل التي تؤوي ملايين أخرى هدمت منازلها وكل ما يتبع ذلك من آثار ومفاعيل ومتطلبات وحاجيات كانت تعتبر في السابق مجرد كماليات.
وبالإضافة إلى المسؤولية الشعبية والرسمية الداخلية، تترتب على الأمة العربية على مستوى القمة المساهمة في دعم الحلول المرجوة ومساعدة المحتاجين والمشاركة في إعادة البناء من باب التضامن أولاً، ومن منطلق درء الشرور لأن ما يصيب دولة يلحق الأذى بالدول الأخرى وما يضعف عضواً تتداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
كما أن هذه المسؤولية تتجاوز البعد العربي لتصل إلى البعد الدولي، أي مساهمة العالم كله، والدول الغنية بالذات، في إطلاق مشروع مارشال جديد للشرق الأوسط يقيل الدول العربية من عثرتها ويدعم قيام أنظمة ديموقراطية حرة ويبعد شبح الفتن والإرهاب الفقر والجهل والحاجة والجوع وما يخلفه من أحقاد وكراهية.
إنها صرخة لا بد أن تصل إلى أسماع الجميع، وناقوس خطر ندقه للتحذير من الأخطار لمن لم يسمع حتى الأنين، أنين الثكالى وعويل الأطفال وصرخة آلام الجياع والمحتاجين والباحثين عن لقمة العيش الشريفة في مواضع الكرامة وعزة النفس.





