هل استقال رئيس الوزراء أم لم يستقل؟!
- مشاهدات 97
بعد مرور أكثر من سبعة أسابيع على قبول استقالة رئيس الوزراء د. رامي الحمد الله من قبل رئيس السلطة الوطنية الرئيس محمود عباس، يثور التساؤل عن المركز القانوني لرئيس الوزراء وبالتالي لمجلس الوزراء برمته. بكلام آخر هل استقال رئيس الوزراء أم لم يستقل؟ فإذا استقال فمتى تدخل الإستقالة حيز التنفيذ؟ وهل عاد رئيس الوزراء عن استقالته، وهل يملك العودة عنها بعد أن قبلها الرئيس؟ وهل أعاد الرئيس تكليفه بتشكيل الوزارة؟ وإلى متى يبقى الدكتور رامي الحمد الله دستوريا يشغل منصب رئيس الوزراء؟!
إذا تمت العودة للوقائع، فهي تقول أن رئيس الوزراء السابق استقال من منصب رئيس الوزراء، فكلف الرئيس الدكتور رامي الحمد الله بتشكيل وزارة جديدة حيث حلفت اليمين القانونية بتاريخ 6/06/2013 امام الرئيس. وما لبثت أن استقالت بتاريخ 20/06/2013 بحجة تنازع الصلاحيات. وقبل الرئيس استقالة رئيس الوزراء بتاريخ 23/06/2013 أي دخلت حيز التنفيذ. ومنذ هذا التاريخ جرت مياه كثيرة سياسية ونشرت شائعات صحفية كثيرة حول موضوع الوزارة الجديدة التي لم تعمر سوى أسبوعين، لكن الوضع القانوني لرئيس الوزراء بقي غامضا وغير واضح وإن بقي مصّرفا عمليا لأعمال السلطة الفلسطينية. وبالتالي غدا لزاما العودة لنصوص القانون الأساس لعام 2003 لجلو غموض الوضع، فهو القانون الأسمى والأعلى والخاص ببيان اختصاصات الرئيس ورئيس الوزراء وأوضاعهما القانونية.
الإستقالة في اي موقع هي تعبير عن الرغبة في ترك العمل الموكول أو المكلف به المستقيل. وتبين الأنظمة القانونية المختلفة تاريخ دخول الإستقالة حيز التنفيذ هل هو تاريخ التقديم أو تاريخ القبول. وفي الحالة الفلسطينية حصلت الإستقالة وحصل القبول. وبذا لم يعد هذا الموضوع مثارا. وغدا رئيس الوزراء المعين أو المكلف لا يتمتع بصفة قانونية لترؤس مجلس الوزراء أو بالصلاحيات التنفيذية والإدارية بعد أن قبلت استقالته من الرئيس بل هو شخص عادي كبقية المواطنين الفلسطينيين.
الأمر الاكثر اشكالية أن الفقرة الخامسة من المادة 83 من القانون الأساس تقرر أن الحكومة تعتبر مستقيلة إذا استقال رئيس الوزراء، أي أن جميع الوزراء أصبحوا مستقيلين تبعا لإستقالة رئيس الوزراء. وبالتالي فقدوا صفتهم ومراكزهم القانونية كوزراء وغدوا أشخاصا عاديين ليس لهم صلاحيات قانونية أو تنفيذية أو إدارية. وهنا يثور التساؤل المشروع حول قراراتهم وتصرفاتهم الحكومية في المرحلة اللاحقة لقبول الإستقالة من الرئيس إلى هذا اليوم بل إلى اليوم الذي يذهبون فيه إلى بيوتهم مع كامل الإحترام لهم.
هذا الوضع يشكل أزمة دستورية لأن القانون الأساس لم يعالجها بالتفصيل وإن دار حولها واقترب منها حينا وابتعد حينا آخرا. فالقانون الأساس قد تعرض في المادة 65 لقضية إخفاق رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة المنتظرة حينما نص على أنه " فور تكليفه ( رئيس الوزراء ) من قبل رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية يتولى رئيس الوزراء تشكيل حكومته خلال ثلاثة أسابيع من تاريخ اختياره، وله الحق في مهلة أخرى أقصاها اسبوعان آخران فقط ". لكن الحالة هنا والتي يتم مناقشتها في هذه العجالة مختلفة تماما. فرئيس الوزراء المكلف نجح في تشكيل الوزارة وشكلها بالفعل خلال أيام، ولكنه آثر الإستقالة وقبلها الرئيس بعد أن كان قد حلف اليمين القانونية،. وهذه الحالة مختلفة تماما عن إخفاق رئيس الوزراء حينما لا يحصل على ثقة المجلس التشريعي لأنه لا يوجد مجلس تشريعي قانوني، ولا يوجد طلب للحصول على ثقة المجلس التشريعي من أساسه، وبالتالي فالمهلة الممنوحة لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وفق هذا النص لإستبدال رئيس الوزراء خلال اسبوعين غير قائمة أساسا لإختلاف الموضوع اختلافا بينا وجوهريا.
يبقى الملاذ الأخير لحل هذه الأزمة الصامته كامن في نص الفقرة الثالثة من المادة 78 من القانون الأساس. وللتوضيح نورد المادة 78 بفقراتها الثلاث والتي نصت على ما يلي " 1- يتم حجب الثقة عن رئيس الوزراء وحكومته بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس التشريعي 2- يترتب على حجب الثقة عن رئيس الوزراء وحكومته انتهاء ولايتهم 3- عند انتهاء ولاية رئيس الوزراء وأعضاء حكومته يمارسون أعمالهم مؤقتا باعتبارهم حكومة تسيير أعمال ولا يجوز لهم ان يتخذوا من القرارات إلا ما هو لا زم وضروري لتسيير الأعمال التنفيذية لحين تشكيل الحكومة الجديدة ". وبمجرد انتهاء قراءتها يتولد انطباع قوي أن فقراتها الثلاث تتعلق بموضوع حجب الثقة عن الحكومة. وهو موضوع مختلف عن الموضوع الذي نناقشه من جميع الزوايا.
حتى لو تم الإفتراض أن الحكومة الحالية هي حكومة تسيير أعمال على غرار سابقتها وهو افتراض غير صحيح بالمرة، ذلك أن هذه الحكومة شكلت ثم استقالت وقبلت استقالتها، بينما السابقة لم تستقل بعد تشكيلها، فالأمران مختلفان كليا. ولو تم قبول مفهوم حكومة تسيير الأعمال لمدة غير محدودة ولا متناهية لكانت هذه دعوة صريحة مباسرة لتعطيل أحكام القانون الأساس ولما كان هناك من داع لوجوده أساسا. أضف أن المادة 83 من القانون الأساس تؤكد على أن " تعتبر الحكومة مستقيلة ويعاد تشكيلها وفقا لأحكام هذا الباب "، وهذا لا يعني التأجيل والتراخي. فضلا أن التعديل الدستوري لعام 2003 استهدف خلق منصب رئيس الوزراء ومنحه صلاحيات واسعة، وبدون رئيس وزراء معين تعطل مجموعة هامة من أحكام القانون الأساس سعى لتعدادها في المادة 69 ، وهي صلاحيات خطيرة وهامة بكل المقاييس والمعايير تتصل بالمصلحة العليا ومصالح الأفراد.
قد يعتقد البعض أن المهل والمواعيد الواردة في القانون الأساس وغيره من القوانين أمور شكلية، ولا بأس إن تم القفز عنها أو حتى تجاهلها وإرجاؤها. هذا الأمر أو هذا الإعتقاد يذهب الدولة القانونية وسيادة القانون إلى الدولة البوليسية والإنحراف عن أهداف القانون ومبادئه العامة. وقد يقول قائل أن الوضع استثنائي وهو في حكم الطوارىء والقانون يزيد الأمور تعقيدا، هذا الكلام ما هو إلا ذرائع ومبررات، والمطلوب سدها وليس فتحها. فكثيرة هي المبررات التي تبدو جميلة ولكن منظرها مخادع والقبول بها يهدم الأساس القانوني للدولة. ويصبح الموضوع برمته مزاجات سياسية تتعكر وتصفو!
القانون الأساس هو القانون الأسمى والأرفع درجة ويتمتع بالسمو الشكلي والموضوعي. وعلى جميع العاملين في الدولة أيا كانت صفتهم ووظيفتهم أن ينصاعوا لحكم الدستور حتى يحقق والدولة القانونية بدل أن تكون شعارا براقا. القانون الأساس يفترض مواعيدا يجب احترامها والعمل من خلالها حتى نحقق سيادة القانون الذي هو اساس الحكم في فلسطين وتخضع بموجبه السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص.





