هل ستنجح اوروبا في تحقيق السلام الاسرائيلي- الفلسطيني؟
- مشاهدات 92
يوم ١٩ تموز الماضي نشر الاتحاد الأوروبي أمرا ملزما سيكون نافذ المفعول يوم ١ كانون الثاني ٢٠١٤ والذي قالت صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية إن أحد كبار المسؤولين الاسرائيليين وصفه بأنه "زلزال".
الأمر يحظر أي نوع من التمويل الأوروبي أو التعاون مع أي هيئة تنشأ أو تعمل "داخل المناطق التي تحتلها اسرائيل منذ العام ١٩٦٧"، وهي تشمل هضبة الجولان وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية". وبالإضافة لذلك، فالأمر ينص على أن أي اتفاقيات مستقبلية بين دول الاتحاد الأوروبي واسرائيل أو أي هيئة اسرائيلية يجب أن تشمل بندا يؤكد بصورة محددة على أن هذه الأراضي المحتلة ليست جزءا من دولة اسرائيل.
ويعتبر الأمر دليلا قويا على أن صبر الأوروبيين على تعنت اسرائيل وتحديها للقانون الدولي آخذ في النفاد، وأن الاتحاد الأوروبي شرع في مسار عمل جديد سيؤدي إلى مبادرات أقوى تنسجم مع القانون الدولي، ومع سياسة خارجية أكثر أخلاقية.
وهناك مبادرتان محتملتان تخطران فورا على البال.
ففي ضوء الموقف الأوروبي الواضح والصريح بأن حدود اسرائيل تنحصر في تلك التي كانت قائمة قبل حرب حزيران ١٩٦٧، فليس هناك سبب قانوني أو منطقي لتلك الدول التي لم تكن ضمن الدول الـ ١٣٢ التي اعترفت بفلسطين دولة ضمن حدود ١٩٦٧ لكي تمتنع عن الاعتراف بدولة فلسطين. وهذه الحدود، كما اعترفت بها الأمم المتحدة في القرار الصادر يوم ٢٩ تشرين الثاني ٢٠١٢، الذي أكد وضع فلسطين كدولة، تمثل بدقة، وبشكل حصري، أن هذه المساحة من أرض فلسطين الانتدابية سابقا والتي لا يعترف بها الاتحاد الأوربي على أنها أراض تحت السيادة الاسرائيلية.
وإذا اعترفت دول الاتحاد الأوروبي كلها أو معظمها بدولة فلسطين على كامل حدودها قبل ١٩٦٧، بغض النظر عن احتلالها من جانب اسرائيل طيلة ٤٦ عاما، فإن الكتابة ستكون واضحة على الحائط. وسيصبح إنهاء الاحتلال وقيام شرعية حل الدولتين وفقا للقانون الدولي لتتحول واقعا لدولتين محترمتين على الأرض مسألة وقت وليس مسألة إمكانية.
وبالإضافة لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يطلب من أي اسرائيلي يرغب في زيارة أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي الحصول على تأشيرة تثبت أنه مقيم في اسرائيل (أو أي دولة عدا فلسطين المحتلة) كشرط للتأشيرة. أما الاسرائليون المقيمون في فلسطين المحتلة فلن يسمح لهم بزيارة أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي، وأي أشخاص من هذا القبيل يسافرون بجوازات سفر أخرى، ولكن يعرف أنهم مقيمون في فلسطين المحتلة، سيتم إرجاعهم عند حدود الاتحاد الأوروبي.
ووفقا لمواثيق جنيف، وبروتوكول روما الذي أنشأ محكمة الجنايات الدولية، فإن النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة هو جريمة حرب. وبالتأكيد فإن الاتحاد الأوروبي لا يرغب في فتح أبوابه أمام مجرمي الحرب ولن يرحب بهم ولا بمن يشاركون في جرائم حرب.
كما أن من الواضح أن معظم الاسرائيليين لا يسعون للاندماج في اوروبا، ولكنهم يعتبرون اسرائيل واحة الحضارة الأوروبية وسط "غابة من العرب والمسلمين البدائيين". وهم يشعرون بسرور بالغ بمشاركتهم كدولة اوروبية في كرة القدم الأوروبية ومنافسات كرة السلة، وحتى في مسابقة "اليوروفيجن" للغناء السنوية. ( وتعليق المشاركة الاسرائيلية في هذه المسابقات كلها سيكون كذلك خطوة بناءة إلى حد كبير). ويسعى البعض أيضا إلى حصول اسرائيل على عضوية الاتحاد الأوروبي.
وبالتالي، فإن سياسة تأشيرات من هذا النوع سيكون لها نتائج بناءة للغاية على المستويين العملي والنفسي.
والمستوطنون غير الشرعيين الذين يجدون أبواب الاتحاد الأوروبي مغلقة أمامهم سيكون لديهم حافز واضح وقوي للانتقال إلى "الجانب الصحيح" داخل الخط الأخضر، ودافع واضح وقوي لعدم الانتقال لمستوطنات غير شرعية وهذا كله سيعزز فرص السلام.
أما الاسرائيليون الذين يعيشون في اسرائيل فسيتضايقون وينزعجون من إجراءات التأشيرة الجديدة التي ستتقاضى منهم "ثمنا" عمليا ونفسيا بسبب استمرار حكومتهم في الاحتلال وستزيد أعداد الاسرائيليين داخل "الجانب الصحيح" وراء الخط الأخضر، وهم الذين يعتقدون أن الاحتلال كانت له نتائج سلبية على نوعية حياتهم، وأن الوقت قد حان لوضع حد للاحتلال.
وفي جنوب أفريقيا كان الوضع "منبوذا" في نظر تلك الشريحة من البشرية التي تعاطف معها سكان جنوب أفريقيا البيض، وهو ما دفع بهم لاستنتاج أن نظام الأبارتهيد كانت له نتائج سلبية على نوعية حياتهم وأن الوقت حان لإنهاء ذلك النظام. وقلائل من الجنوب أفريقيين (وغيرهم) يندمون اليوم على تحويل بلادهم إلى دولة كاملة الديموقراطية وغير عنصرية.
ونوع مماثل من "الحب القاسي" المتواصل والمكثف تجاه الاسرائيليين من جانب اولئك الذين يتعاطفون شخصيا مع الاسرائيليين يمكن أن يتمخض عن نتائج مماثلة، وإذا حدث ذلك، فإن عددا قليلا من الاسرائيليين (أو غيرهم) سيندم.
وكثيرا ما يقول البعض إن الدعم الأميركي هو كل ما تهتم به اسرائيل، وصحيح أيضا أن الدعم الأميركي غير المشروط هو الذي أتاح لاسرائيل حتى الآن أن تواصل طريقها المدمر للذات وبالتالي الانتحاري. وعلى أي حال فإن اوروبا من الناحية الجغرافية والاقتصادية والعاطفية هي أقرب لاسرائيل والاسرائيليين من الولايات المتحدة. وتمتلك اوروبا الإمكانية للعب دور بناء إلى حد كبير في إنهاء الاحتلال وتحقيق سلام فيه قدر ما من العدالة، لما فيه مصلحة الاسسرائيليين والفلسطينيين.
والأمر الجديد الصادر عن الاتحاد الأوروبي هو خطوة أولى متواضعة، لكن لكل رحلة خطوة أولى. ويأمل الجميع أن الأفضل لم يأت بعد.





