تشديد العقوبات الأمريكية على إيران.. التوقيت وأبعاده
- مشاهدات 229
لندن -
، نشرت مركز الخليج لللدراسات الاستراتيجية دراسة تتناول فرض العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران وذلك بالتزامن مع تسلم الرئيس الجديد روحاني الرئاسة وجاء فيه: أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على إيران لإرغامها على وقف أنشطتها النووية فهذا ليس جديدًا، لكن الجديد هذه المرة هو توقيت فرضها؛ فقبل أيام فقط من تنصيب "حسن روحاني"، وقبل أن يتبين أي ملمح لسياسة النظام الجديد، وافق مجلس النواب الأمريكي يوم 1/8/2013، بغالبية 400 صوت ضد 20 صوتًا على مشروع قانون يقضي بتخفيض صادرات طهران من النفط بمقدار مليون برميل يوميًا على مدى عام في محاولة لتقليص تمويل برنامجها النووي المتنازع بشأنه.
وفي الحقيقة لم يكن هذا القرار الأول من نوعه، إذ تفرض واشنطن عقوبات (جزئية وليست شاملة) على إيران منذ "أزمة الرهائن" الأمريكيين عام 1979، مما أدى إلى حظر تجاري كامل على طهران عام 1995، أما فيما يتعلق ببرنامجها النووي فتعود العقوبات على طهران إلى العام 2008 عندما منعت واشنطن المصارف الأمريكية من الوساطة في تحويل أموال من إيران، وقننت تلك العقوبات بإصدارها قانون "العقوبات الأمريكية على إيران" على قطاعي الطاقة والبنوك عام 2010، وشددت عقوباتها على الأشخاص الذين يقدمون دعمًا لقطاع النفط الإيراني عام 2011، وأصدرت حزمة عقوبات متهمة إيران بالمضي قدمًا في تنفيذ برنامجها النووي في يوليو 2012، شملت الحرس الثوري، و9 شركات تابعة له، و6 من قواده، ووزارة الدفاع كونها المتحكمة في صناعة المتفجرات النووية والصواريخ الباليستية، وثلاثة مصارف هي: "ملي" و"ملت" و"صادرات" بتهمة تمويل البرنامج النووي، وفي أغسطس 2012 وقعت عقوبات ذكية ضد مسؤولين إيرانيين و20 مؤسسة مالية، ثم العقوبات التي صدرت قبيل الانتخابات الإيرانية بأيام في يونيو 2013، وأخيرًا العقوبات المشار إليها سلفًا التي شملت قطاع النفط وعدة قطاعات اقتصادية أخرى بينها المناجم والسيارات.
ورغم تأثير هذه العقوبات على الاقتصاد الإيراني حيث تشير كافة الدراسات والتقارير الدولية إلى أنها أثرت سلبًا عليه جراء تراجع إنتاجها النفطي لأكثر من النصف، وتراجع قيمة الريال الإيراني، فعندما تسلم "نجاد" السلطة 2005، وسعر الدولار الأمريكي يقارب 9004 ريال إيراني، غادرها وسعر الدولار يعادل 24747 ريالاً، ما يعني أن العملة الوطنية فقدت نحو 70% من قيمتها خلال رئاسة "نجاد"، وارتفع معدل التضخم إلى 31,5% حتى مارس عام 2013 بعدما كان عام 2005، 21,1، بحسب مركز الإحصاء الإيراني الرسمي.
لكن إيران في مقابل ذلك استطاعت أن تكيف اقتصادها على مواجهة التحديات والالتفاف عليها والحيلولة دون تحقيق الهدف الأمريكي المتمثل في شل اقتصادها، كما لم تفلح سياسة العقوبات في وقف تخصيب اليورانيوم، حيث لا توجد بيانات تشير إلى تباطؤ عمل البرنامج النووي على مدى السنوات الماضية، ولكن على العكس زادت نسبة اليورانيوم المخصب وأجهزة الطرد المركزي إلى 20 درجة متخطيةً بذلك الأغراض السلمية التي تقف عند 10 درجات.
وانطلاقًا من ذلك يمكن القول بأن هناك عددًا من الدوافع وراء تشديد الكونجرس العقوبات على إيران، أولها: إدراكه أن العقوبات القديمة أخفقت حتى الآن في تحقيق أهدافها الأساسية. وثانيها: وضع هؤلاء المشرعين تركيبة نظام الحكم الإيراني في اعتبارهم، كونه يتكون من سبع مؤسسات تعطي المرشد الأعلى مسؤولية الإشراف على السياسات العامة الداخلية والخارجية، ومن بينها السياسة النووية، وقيادة القوات المسلحة والاستخبارات، ويليه الرئيس.. أي أن الولايات المتحدة تدرك أن تغيير اسم الرئيس الإيراني لا يهم، من منطلق أن السياسات الخارجية ستظل قائمة بنفس أهدافها، ومن ثم استكمال البرنامج النووي.
ومع أنه من المعتقد -وفقًا لما أوردته صحيفة "واشنطن بوست" في افتتاحيتها يوم 1/8/2013 بعنوان: "مجلس النواب يشدد العقوبات على إيران"- أن "روحاني" -الذي يتولى السلطة بعد "أحمدي نجاد" الذي اتسمت فترة رئاسته بالجدل الداخلي واللهجة الخطابية شديدة العداء للولايات المتحدة- أكثر اعتدالاً من سابقه، وصاحب خبرة كمفاوض في الشؤون النووية، وجاء بوعود انتخابية بخلق دولة إيرانية أكثر اعتدالاً تتمتع بعلاقات دولية جيدة، مما يبعث الأمل في مفاوضات أفضل في المستقبل، بيد أن الكثير من صناع السياسة الأمريكيين تجاهلوا هذه القضية الأساسية في السياسات الداخلية الإيرانية في أخذهم للقرار.
أما ثالث الدوافع وراء تشديد العقوبات الأمريكية فهو إرسال رسالة إلى النظام الإيراني الجديد مفادها أن الولايات المتحدة ستظل على نفس سياستها في فرض العقوبات طالما لم يتخذ خطوات جادة تجاه البرنامج النووي، فهذه العقوبات بالنسبة للولايات المتحدة ستجبر "روحاني" على الدخول في مفاوضات بل وتقديم التنازلات ولاسيما في ظل وراثته اقتصادًا متدهورًا، وهو ما أشارت إليه افتتاحية صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" يوم 31/7/2013 التي جاءت تحت عنوان: "مجلس الشيوخ يصوت على فرض عقوبات جديدة صارمة ضد إيران"، حيث رأت أن مشرعي القانون إنما يريدون إرسال إشارة قوية إلى طهران قبل المفاوضات، ولم يصدقوا تصريحات "روحاني" بأنه يريد علاقة أفضل مع الغرب.
وهو ما أشار إليه الكاتب أيضًا "هاورد لافرنشي" في مقال له بصحيفة "كرستيان ساينس مونيتور" يوم 3/8/2013 تحت عنوان: "فرض مجلس الشيوخ المزيد من العقوبات على إيران.. هل هو إشارة إيجابية؟".. بأن دعاة فرض العقوبات الجديدة يسخرون من فكرة أن روحاني هو قمة في «الاعتدال» بين القيادة الإيرانية أو أن لديه أي نية لتعطيل البرنامج النووي.
من ناحية أخرى، أوضحت صحيفة "نيويورك تايمز" في افتتاحيتها يوم 2/8/2013، نقلاً عن النائب "إليوت إل إيجل" -راعي مشروع القانون- أن إيران لم تبد أي رغبة في وقف برنامجها النووي، وأن هذه العقوبات سوف تجبرها على الجلوس على طاولة المفاوضات. وسواء جرى هذا التصويت رغم تنصيب "روحاني"، أو تم تحديدًا بسببه، "فإن هذه رسالة إلى الإيرانيين بأنه لن يتم منحهم مهلة أخرى، وأن الكلمات والابتسامات لن تكون كافية"، وذلك على حد قول رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نيتنياهو"، فوفقًا لما أشار إليه داميان مسيلروي في مقال له الرئيس الإيراني حسن روحاني يصف إسرائيل بـ"الجرح الذي يجب التخلص منه" في صحيفة "دايلي تليجراف" يوم 2/8/2013، ترفض إسرائيل استبعاد الحل العسكري في ظل شكوكها أن طهران تطور برنامجًا للأسلحة النووية، ومن ثم تهديدها لوجودها.
بيد أن مثل هذه الخطوة -فرض عقوبات جديدة على إيران- لم تلق استحسان البعض، فقد قوبلت بانتقاد من الداخل الإيراني وعلى المستوى الدولي، ففي مقال له بصحيفة "الجارديان" يوم 1/8/20123 بعنوان: "إيران تشجب مشروع قانون العقوبات الأمريكية الذي مرره مجلس النواب" أوضح المحلل "سعيد كمالي دنغان" نقلاً عن "عباس عراقجي"، أن تشديد العقوبات سوف يؤدي فقط إلى جعل حل القضية النووية أكثر صعوبة.
من ناحية أخرى، لم تنف الولايات المتحدة هذه المسألة، فوفقًا لما نقله الكاتب «تيموثي هومان» في مقال له بعنوان: "مجلس النواب يمرر مشروع قانون لتشديد العقوبات الأمريكية على إيران" والذي نشر في صحيفة "بلومبرج نيوز" يوم 1/8/2013، عن عضو الكونجرس "إد رويس"، فإن المرغوب من هذه العقوبات هو أن تؤثر بشدة على النظام الذي يتعين عليه إما أن يلين وإما أن يواجه الاضطرابات.
وعلى الرغم من أن هذا الخطر بفرض عقوبات قاسية يبدو وكأنه وضع مثالي يصب في مصلحة أولئك الذين ينظرون إلى إيران باعتبارها تهديدًا للسلامة الإقليمية والدولية، يمكن أن يؤدي سقوط النظام الإيراني إلى شرق أوسط أكثر خطورة وأكثر تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، فإن فرض مثل هذه العقوبات مع تنصيب الرئيس "روحاني" سينتج عنه العديد من الآثار السلبية والأخطار التي تمثل في حد ذاتها تهديدًا للولايات المتحدة نفسها ولدول الخليج، أهمها:
- حدوث اضطرابات داخل النظام الإيراني ذاته، أو أن يصل إلى حد التهديد الوجودي لها، وعند النظر إلى الضعف الذي تعانيه أفغانستان عبر مرورها بعقود من الصراع، وفي ظل بقاء باكستان بؤرة للأنشطة الإرهابية، فضلاً عن الصراع الطائفي الذي يفرض نفسه في كل من العراق وسوريا على حد سواء، فإن إيران لن يكون خاليًا من العنف ولن يحل بسرعة، بل سيجعلها تنضم إلى سلسلة دول غير مستقرة من البحر المتوسط إلى الحدود الغربية للصين.
ولا شك أن هذا الأمر سيسبب مشاكل أكبر بشأن حماية الولايات المتحدة وحلفائها ومصالحها الخارجية، بالإضافة إلى أن الجماعات المسلحة ستكون لديها كامل الحرية المطلقة للتعامل مع عدد قليل أو قوى إقليمية تكون قادرة على السيطرة على تحركاتها (في إشارة إلى الجماعات المسلحة).
- إذا تم جعل هذه العقوبات بمثابة قوانين صارمة يجب تنفيذها، فإن ذلك سيؤثر على العلاقات الأمريكية مع الدول الأخرى، فواشنطن تهدد بالفعل بقطع العلاقات مع الدول والشركات التي تتعامل مع إيران في مجالات معينة، كالصين وكوريا الجنوبية والهند وتركيا...إلخ.
وفي السياق ذاته، أشارت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية في تقرير لها يوم 23/7/2013، إلى أنه في حالة ما إذا قررت الصين واليابان تجاهل الطلب الأمريكي بوقف جميع وارداتها النفطية لإيران، ستضطر الإدارة الأمريكية إلى وضع بنوك كل منهما في القائمة السوداء، مما سيلحق أضرارًا اقتصادية واسعة تطال الأمريكيين أنفسهم.
- من شأن فرض هذه العقوبات أيضًا أن تشجع المحافظين المتشددين داخل إيران على خنق أي محاولات من جانب «روحاني» لإبرام أي اتفاق مع المجتمع الدولي بخصوص البرنامج النووي، وفي حالة ما إذا كان «روحاني» جادًا بشأن الاتفاق والتصالح، فإن وضع عقوبات جديدة قبل جولة المفاوضات، سيؤدي إلى زعزعة موقفه، وحتى إن لم يكن جادًا، فإن الحظر النفطي سيحبط النجاحات الدبلوماسية الأمريكية أمام ايران.
مما سبق، يبدو أن الولايات المتحدة ستستمر في اتباع نهج "واقعي" حيال قضية الملف النووي الإيراني، ففي تقرير له بصحيفة "نيويورك تايمز" يوم 3/8/2013 تحت عنوان: "مجلس النواب يفكر في التدابير الإيرانية في خضم الشكوك بشأن الوقت"، لخص "مارك دبويتز" - الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات - ذلك بقوله إن مقدمي مشروع القانون يدركون أن إيران "لديها استراتيجية تفاوض مبنية على أساس المجازفة السياسية"، ورغم أنه قد يكون هذا هو الحال تحت حكم «نجاد»، إلا أن الاستمرار في اتباع هذا النهج وعدم الفهم لفرصة تغيير القيادة قد يدفع إلى فشل الولايات المتحدة في مواصلة العلاقات مع إيران، ومن ثم الفشل في إمكانية التوصل إلى مفاوضات تسفر عن حل سلمي لأزمة برنامجها النووي.
أما في حالة استغلالها وصول قائد إيراني جديد وافق - عندما كان في السابق كبير المفاوضين فيما يتعلق بالمسألة النووية - على وقف تخصيب اليورانيوم والسماح للمفتشين الدوليين بالمزيد من التدقيق على المنشآت النووية الإيرانية تحت رئاسة الإصلاحي "محمد خاتمي"، قد تستطيع إقامة علاقة بين الدولتين، الأمر الذي يؤسس لإقامة مفاوضات مستقبلية، لاسيما بعد أن أثبتت سياسة فرض العقوبات على إيران عدم جدواها، بل أدت إلى زيادة عنادها.
عمومًا.. إن فرض عقوبات جديدة على النظام الإيراني تفضي إلى الانهيار ليس الطريقة المستدامة التي يمكن بموجبها منع تهديدها النووي؛ فمن الممكن أن تؤثر عواقب ذلك بالسلب، إلى حد كبير، على السلام الدولي سواء من خلال زيادة إصرارها أو عبر خلق دولة فاشلة أخرى في منطقة الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، فإن الطريقة الأفضل هي بناء علاقة ثقة مع إيران، وقد يمثل «روحاني» الفرصة المثلى للقيام بذلك.






