الإيرانيون والمنشور الملون المصري

534
مظاهرات 30 يونيو 2013 ميدان التحرير
مظاهرات 30 يونيو 2013 ميدان التحرير

لندن - القدس - نشرت العرب اللندنية مقالا تحت عنوان "الإيرانيون والمنشور الملون المصري" بقلم يوسف عزيزي جاء فيه: العالم يتابع التطورات السياسية في مصر والشرق الأوسط أكثر. لكن الإيرانيين يتابعون الشأن المصري لأسباب عديدة ومختلفة وفقا لما يريده كل شخص أو مجموعة من مصر.

 

ويبدو لي أن مصر باتت منشورا ملونا بالنسبة للإيرانيين، حيث كل فرد وفئة ترى فيه اللون الذي يبتغيه. الأديب يرى فيه نجيب محفوظ وطه حسين وأحمد شوقي، واليساري والقومي يرى فيه جمال عبد الناصر، والملكي يرى فيه أنور السادات، والليبرالي والعلماني يرى فيه جبهة الإنقاذ الوطني، والجميع- البتة- يرون فيه أم كلثوم. ولم نر مثل هذه النظرة إلى دول عربية أخرى. كما أن الإيرانيين يرون في المجتمع المصري، مجتمعا تاريخيا يماثل مجتمعهم الذي تمتد جذوره إلى آلاف السنين.

 

وفي أوائل الخمسينيات زار الزعيم الوطني محمد مصدق، القاهرة بدعوة من رئيس الوزراء المصري نحاس باشا، وبعد سقوط الملك فاروق وأثناء العدوان الثلاثي على مصر قامت تظاهرات حاشدة مساندة للشعب المصري في طهران بمبادرة من الجبهة الوطنية الإيرانية الموالية لمصدق.

 

ويدعي الإيرانيون أن عبد الناصر أمم قناة السويس مستلهما ذلك من تأميم النفط بواسطة الدكتور مصدق.

 

غير أن محبة القوميين الإيرانيين لعبد الناصر لم تدم طويلا بعد اشتداد الخلافات بينه وبين الشاه، وخاصة بعد ان وصف الخليج بالعربي.

 

وقد حاول الرئيسان محمد خاتمي وأحمدي نجاد مرارا استئناف العلاقات المقطوعة منذ عهد الخميني دون جدوى. وزار أحمدي نجاد ووزير خارجيته علي أكبر صالحي، القاهرة بعد وصول محمد مرسي سدة الرئاسة لتقديم دعم اقتصادي لمصر مقابل استئناف العلاقات بين البلدين، ورغم ترحيب الإخوان المسلمين بمثل هذه الزيارات، غير أن السلفيين في الداخل والخليجيين في الخارج أبدوا امتعاضهم من أي تقارب مصري- إيراني.

 

ومما زاد من خوف المصريين هـي الأنباء التي تحدثت عن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني لمصر، واقتراحه للرئيس المعزول محمد مرسي تشكيل قـوة عسكرية تماثل الحرس الثوري الإيراني لـدعم حكم الإخوان المسلمين. لكن اختراق المجتمع المـصري- المتماسك نسبيا- بالـتغلغل المذهبي والأمني الإيراني كـان يمثل ولا يـزال الخشية الكبـرى للمصريين. وتؤكد التصـريحات الأخيرة لرئيس لجنة الأمن والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي ما ذكرته آنفا حيث وجه اللوم إلى محمد مرسي بسبب عدم قيامه بتغيير جذري لبنية القوات الأمنية والعسكرية في مصر، وفقا لما فعلته الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

 

وقد ساند النظام الإيراني، الرئيس المعزول محمد مرسي إبان حكمه، وكان آخر تعبيرات المساندة على لسان نائب وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان يوم 30 يونيو، وتكرر ذلك بعد عزل مرسي، على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس عراقجي. ولو كانت العلاقات مستأنفة بين إيران ومصر الإخوان المسلمين لكان الدعم الإيراني أقوى وعلى مستويات أعلى. ومع ذلك يؤكد هذا الدعم أن النظام الديني في إيران يؤيد حكم الإخوان المسلمين لأسباب عديدة:

 

أولها؛ العلاقات العاطفية والفكرية الخاصة التي تربط مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي بجماعة الإخوان المسلمين قبل وبعد الثورة الإسلامية في إيران. إذ قام خامنئي في عهد الشاه بترجمة كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب إلى الفارسية.

 

كما كان كمال الهلباوي وقبل استقالته من جماعة الإخوان المسلمين في مارس 2012 الرابط الأساسي بينهم وبين خامنئي لعدة سنوات، حيث تربطه علاقات شخصية حميمة مع مرشد الجمهورية الإسلامية.

 

لكن العلاقات أصبحت مباشرة وعلى مستوى حكومي بعد وصول محمد مرسي إلى سدة الرئاسة في مصر في يونيو 2012.

 

ثانيا إن نظام الإخوان المسلمين، نظام ديني يحبذه النظام الإيراني ويرجحه على أي نظام علماني أو ليبرالي أو قومي في مصر. ولو كان هناك وزن للطائفة الشيعية أو الفرق القريبة منها في مصر، لقام النظام الإيراني بدعمها. كما يفعل حاليا في العراق ولبنان وسوريا.

 

ثالثا، صرح المرشد الأعلى علي خامنئي قبل أكثر من عامين أن الثورات العربية متأثرة بـالثورة الإسلامية في إيران، رافضا بُعدها الـتعددي الــديمقراطي.

 

وقـد تأكد ذلك لخامنئي بعد انتخاب حكومات من التيار الإسلامي في كل من ليبيا وتونس ومصر.

 

وبما أن الثورة الثانية في مصر في 30 يونيو تنقض هذا الاعتقاد، فإن إيران ستبذل قصارى جهدها لدعم الإخوان المسلمين كي يعودوا إلى السلطة مرة أخرى، ولن تبخل في هذا المجال من بذل المال وإعطاء الاستشارات لقادة الإخوان المسلمين.

 

رابعا، نظام ولاية الفقيه المتمثل بوجود المرشد الأعلى على رأس السلطة السياسية- الدينية في إيران، يحتاج إلى نظام يماثله في العالم العربي والإسلامي، وقد وجد ضالته فــي نظام الإخوان المسلمين في مصر، حيث كان الرئيس مرسي ينفذ ما يصدر عن مكتب مرشد جماعة الإخوان.

 

وهذا ما يحتاجه خامنئي لكي يقول للإيرانيين وللعالم، أن رئيس الجمهورية ليس في إيران فقط تابع للمرشد بـل في مصر أيضا. إذ يماثل «مكتب الإرشاد» في المقطم بالقاهرة، «بيت المرشد» في «باستور» بطهران.

 

وبيت المرشد- كما يوصف في إيران- هو فــي الواقع قصر الشاه السابق الذي تحول إلى بيت ومكتب للمرشد علي خامنئي.

 

وبعد الثورة المليونية المصرية في 30 يونيو وعزل محمد مرسي، شاهدنا مواقف متباينة من قبل الإيرانيين، حيث وصف الإصلاحيون هذا الأمر بالانقلاب العسكري وهو يشابه نوعا ما موقفي السلطة الإيرانية والحكومة التركية.

 

فيما رحب العلمانيون والليبراليون واليساريون بهذا الحدث التاريخي، معتبرين ذلك لطمة للإسلاميين بما فيهم الحكام في إيران. وستمنح الثورة المصرية الثانية الثقة إلى القوى الليبرالية واليسارية والعلمانية في مواجهتها للمتشددين النازعين إلى الاستبداد في إيران.

 

وهناك أصوات إيرانية تطالب بأخذ العبر والدروس من حركة المثقفين والنشطاء المصريين وعــدم الاقتناع بفتح نوافذ صغيرة كانـتخاب روحاني رئـيسا للبلاد.

 

ويرى هؤلاء أنه يجب التخلص من عقدة «سَورنة» الأوضاع في إيران، وإتباع أساليب نضالية مماثلة للمصريين لدحر النظام الديـني الاستبدادي الجاثم على صدور الإيرانيين منذ أكثر من 3 عقود. ومــما لا شـك فــيه أن ارتـدادات الـزلزال المصـري الأخــير سيصل المجتمع الإيــراني المستعد أكثر من أي مجتمع آخر للتأثر بالحدث المصري.

 

ويبدو أن ثورة يونيو المصرية- إذا نجحت- ستصبح نقطة انعطاف في عملية الصراع بين الحداثة والتراث في الشرق الأوسط ولصالح الأولى.

534
0

التعليقات على: الإيرانيون والمنشور الملون المصري

التحقق من المعقّب
زائرنا الكريم، نرجوا أن تكتب الرموز داخل الصورة أدناه كي يتم قبول تعقيبك، هذا الإمتحان مخصص لمنع تعقيبات السبام لا أكثر. ملاحظة: مستخدموا موقع القدس لا يخضعون لهذا الإجراء، عليك بالتسجيل كي تتجنبه أنت أيضاً.