موقف ايران من احداث مصر بين البراغماتية السياسية والخطاب الديني
- مشاهدات 1421
لندن -
- اثبت نظام الجمهورية الإسلامية منذ نشأته، بالرغم من خطابه "الثوري" وتوجهه "الإسلامي"، انه براغماتي بدرجة كبيرة كلما دعت المصلحة واقتضت الضرورة. وفي هذا يكاد لا يختلف على الاطلاق عن غيره من الأنظمة في العالم عندما يصطدم بجدار واقع السياسة وضرورات البقاء. فهو يقيم سياساته على أساس الواقعية السياسية او ما يعرف في علم السياسة بـ Realpolitik.
فعلى سبيل المثال التزمت ايران الصمت حيال قمع المسلمين الايغور في مقاطة شنغيانغ الصينية ومقتل العشرات منهم خلال اضطرابات تموز (يوليو) من عام 2009. وفسر المراقبون حينها هذا الصمت بان ايران مرغمة على اتخاذ مثل هذا الموقف لانها لا تريد ازعاج الصين التي هي بحاجة الى دعمها في نزاعها مع اميركا والغرب وللحفاظ على تجارتها وعلاقتها الاقتصادية معها في ظل الحصار المفروض عليها.
ونفس الشيء ينطبق على الحرب في الشيشان في تسعينات القرن الماضي. اذ اعتبرت إيران الأزمة في جمهورية القوقاز ذات الغالبية المسلمة شأنا روسيا داخليا وتحفظت على مطلب شعبها والحركات الانفصالية هناك بالاستقلال عن روسيا.
ولم يحظ شن الجيش الروسي الحرب على الشيشان في أواخر عام 1994 واعمال العنف التي ارتكبت ووصفت بالمجازر من قبل منظمات حقوقية دولية، باستنكار واضح وصريح من جانب الجمهورية الإسلامية.
فايران التي تقطنها قوميات واثنيات عديدة كانت تخشى من تداعيات ما يجري في جمهورية الشيشان ودول القوقاز على وضعها الداخلي وتشجيع الحركات الانفصالية داخل حدودها.
ايران كانت ولا تزال تربطها مصالح اقتصادية وسياسية مهمة مع روسيا، والجانبان يجمعهما هدف الحد من نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.
من جهة أخرى انها لم تشأ اغضاب روسيا بإدانة اعمال العنف ضد المسلمين هناك، فهي بحاجة الى روسيا كما هي للصين في نزاعها مع الغرب وتبنيها (روسيا) موقفا اكثر اعتدالا بشأن برنامجها النووي.
ان موقف الجمهورية الإسلامية من الثورة السورية ووقوفها الى جانب النظام السوري العلماني يكشف بوضوح مدى استعداد طهران لانتهاج سياسة براغماتية من اجل ضمان مصالحها ونفوذها في سوريا والمنطقة.
لقد خلطت "الازمة المصرية" الأوراق وقلبت حسابات الكثيرين وابرزت مواقف مثيرة للاهتمام تتضارب احيانا داخل المعسكر الواحد للحلفاء والخصوم على حد سواء.
فبينما رحب الرئيس السوري بشار الاسد بالاطاحة بالرئيس محمد مرسي وحكم "الاخوان" معتبرا ذلك نهاية وفشل ل "الإسلام السياسي" في المنطقة وفي العالم، أعربت ايران، الحيليف الأكبر له، عن امتعاضها لما حصل معتبرة ذلك انقلابا على الشرعية، وهو ما يعني ضمنا بالنسبة لها نهاية لحكم إسلامي كان يمكن ان يكون حليفا محتملا لها بالرغم من الاختلاف في المذهب والتوجه.
تواجه ايران حاليا معضلة فيما يتعلق بالموقف النهائي إزاء ما يحدث في مصر. وقد تراوحت تصريحات بعض مسؤوليها بين الوضوح والغموض وان لم تخف معارضتها الاطاحة بالرئيس محمد مرسي. وجاءت تصريحات الناطق الرسمي لوزارة الخارجية عباس عراقي اكثر حدة حين قال أن تدخل القوات المسلحة في المشهد السياسي امر غير مقبول، وانه لا يجب الإطاحة برئيس منتخب ديمقراطيا. وهو ما رفضته الخارجية المصرية معتبرة ذلك تدخلاً في شؤونها الداخلية.
من جانبه رفض علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) الإيراني امس الثلاثاء اتهامات الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية لطهران بالتدخل في شؤون مصر، قائلا ان "بيانات الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية بشان تدخل ايران في الازمة الداخلية في مصر هي اسقاط للوم عن عدم القدرة على ادارة الشؤون الداخلية للبلاد وصرف انظار الرأي العام عن الحقائق على الارض في ذلك البلد".
برغم كل هذه التصريحات يمكن القول ان الموقف الإيراني حيال "الثورة الثانية" بحسب معارضي مرسي او"الانقلاب" بحسب مؤيديه، لازال مرتبكاً الى حد ما وان بدا اكثر وضوحاً خلال اليومين الأخيرين. جل ما سمعناه حتى الان هو تصريحات الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية وبعض المسؤولين لكن لم نسمع لحد الان من الرئيس الإيراني المنتهية ولايته احمدي نجاد او الأهم من ذلك من المرشد الأعلى خامنئي.
ايران تتحرك بحذر في المرحلة الحالية، فهي تدرك ان استفزاز النظام الجديد واستعدائه لن يصب في صالحها وسيؤدي الى مزيد من عزلتها في المنطقة ويعقد علاقاتها اكثر مع السعودية والامارات اللتين سارعتا باعلان دعمهما منذ اليوم الأول للجيش والإدارة الجديدة في مصر وتقديم منح ومساعدات مالية تقدر بعدة مليارات من الدولارات.
ايران تتبع سياسة "الانتظار والترقب" ويتوقع ان تبلور موقفا اكثر وضوحا حين يتضح المشهد السياسي في مصر اكثر في الفترة المقبلة. فهي لا تريد ان تحرق الجسور خلفها وتسعى الى الإبقاء على كل الخيارات والتعامل مع الازمة السياسية في مصر وفق ما تقتضيه مصالحها القومية.





