هل سيغير انتخاب "حسن روحاني" سياسة إيران الخارجية؟
- مشاهدات 392
لندن -
، أعد مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية دراسة حول سياسات إيران الداخلية و الخارجية في فترة رئاسة حسن روحاني جاء فيه: كعادتها تأتي الانتخابات الإيرانية بمفاجآت غير متوقعة؛ فرغم ما كانت تذهب إليه جميع التوقعات في نجاح أحد الوجهين المقربين من المرشد "سعيد جليلي" المفاوض الأبرز مع الغرب في الملف النووي منذ 2007 وأمين عام مجلس الأمن القومي، و"محمد باقر قاليباف" عمدة طهران والقائد العسكري المرموق، جاء فوز المحسوب على التيار الإصلاحي الدكتور "حسن روحاني" في الانتخابات التي أجريت في 14/6/2013، ليكتسب مزيدًا من الاهتمام الإقليمي والدولي، ولا سيما في ظل انتهائها بفوز رجل وعد بتبني سياسة مرنة مع الخارج، ربما تساعد في تنفيس حدة الاحتقان والتوتر الذي فرضته السياسة المتشددة التي تبناها الرئيس السابق "أحمدي نجاد".. فهل سينجح "حسن روحاني" الرئيس الإيراني الجديد في تبنيه لهذه السياسة الجديدة؟!.. وهل سيحقق ما عقدته عليه العديد من القوى الإقليمية والدولية من آمال لتغيير سلوك إيران الخارجي؟!
لا شك أن العالم وقف صامتًا أمام إعلان وزير الداخلية "مصطفى محمد النجار" على شاشة التلفزيون الإيراني الرسمي في 15 يونيو 2013، حصول "روحاني" على أكثر من 50% من الأصوات، في حين جاء "قالبياف" في المركز الثاني بنسبة 15,76%، يليه في المركز الثالث "جليلي" بنسبة 11,16% من أصوات الناخبين، الأمر الذي لا يستدعي معه إجراء جولة إعادة مع أي من المنافسين الخمسة الآخرين أصحاب العقلية المحافظة بشكل أكبر.
ويمكن القول بأن الذي ضخ هذا الزخم المفاجئ الذي رفع "روحاني" إلى هذا الانتصار غير المتوقع هو ما شهده الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية من إقرار أوراق اعتماد "روحاني" من جانب القادة الإصلاحيين "محمد خاتمي" (الرئيس الإيراني السابق)، و"هاشمي رفسنجاني" (الرئيس السابق أيضًا الذي منعه مجلس الوصاية من الترشح للانتخابات الرئاسية لهذا العام)، و"رضا عارف" (الذي انسحب من سباق الانتخابات قبل أربعة أيام من الموعد المحدد لإجراء الانتخابات)، وهو ما أشار إليه بعض المحللين البريطانيين والأمريكيين بأن الطريقة التي احتشد بها القادة الاصلاحيون خلف "روحاني" ربما شجعت جمهور الناخبين على التعبير عن رغبتهم في الاعتدال.
فكما أوضح "جاسون رزيان" و"جوبي واريك"، في تقرير نشر في صحيفة واشنطن بوست في 15/6/2013 تحت عنوان "رجل الدين المعتدل حسن روحاني يفوز في انتخابات الرئاسة في إيران"، فإن "الكثير من المحللين الإيرانيين صرحوا بأنه من الواضح أن روحاني ركب موجة الحماسة التي ظهرت مؤخرًا في السباق، عندما بدأ أنصاره الشعور بأن المعتدل من الممكن أن يتغلب على المرشحين المحافظين المنقسمين الذين اعتمدت حملاتهم على العلاقات الوثيقة بالقائد الأعلى والولاء لسياساته".
وعلى ذلك فقد تم تفسير نتائج الانتخابات على أنها انعكاس لمشاعر السخط المتنامية بين الشعب الإيراني تجاه الأوضاع الراهنة وتجاه ممارسات حكومة الرئيس السابق "أحمدي نجاد"؛ فالأخطاء والممارسات التي انتهجتها هذه الحكومة والتي تسببت في تردي الاقتصاد وعزلة إيران الدولية اختزنتها ذاكرة المواطنين.
وفي مقال كتبه "مايكل سكوت" لصحيفة صنداي تايمز تحت عنوان "الناخبون يطلقون ثورة إيرانية جديدة"، والذي نشر في 16/6، وصف كيف أن "جمهور الناخبين أذلوا القادة المتشددين في طهران من خلال الإطاحة برجلهم واختيار شخصية إصلاحية تتولى الرئاسة في الفترة القادمة"، وفي اليوم ذاته جاءت افتتاحية اندبندنت أون صنداي تحت عنوان "انتصار روحاني فرصة للغرب أن يستعيد العلاقات مع إيران" لتقول إنه رغم حقيقة أن إيران مازالت بعيدة عن أن يتم وصفها بأنها ديمقراطية حرة، فإن الناخبين "استغلوا الخيارات المحدودة المتاحة أمامهم بالشكل الأمثل"، وأنه بانتخابهم المرشح الأكثر اعتدالاً بين المرشحين الآخرين، "قد وجهوا ضربة صادمة لما يسمى القائد الأعلى علي خامنئي".
من ناحية أخرى، فعلى مدار الحملة الانتخابية، سعى "روحاني" إلى النأي بنفسه عن سابقيه المحافظين من خلال تحديد الطرق الأكثر اعتدالاً التي سيسير بالجمهورية الإسلامية بها من خلالها داخليٌّا وخارجيٌّا، فتحدث عن التزامه بإطلاق سراح المحتجين السياسيين إلى جانب تعزيز الحقوق المدنية للرجال والنساء كجزء من وعده باستعادة "كرامة الأمة".
أما على المستوى الدولي، فقد أكد "روحاني" أنه ينتوي وضع إيران على "مسار مختلف" من خلال تفاعل بناء بشكل أكبر مع العالم، في إشارة إلى الوضع الذي وجدت إيران نفسها فيه نتيجة برنامجها النووي المثير للشكوك.. وهذا التعليق يمكن تفسيره على أنه شجب مستتر لحكم "أحمدي نجاد"، الذي تميزت فترة رئاسته بموقفه العدواني تجاه محيطيه الإقليمي والدولي.
بهذا البرنامج نجح "روحاني" في حشد أصوات الطبقة المتوسطة والشبان، وبتوجهاته المعتدلة، وخطاباته الإصلاحية التي بدأ بها حملته الانتخابية، وأكدها عقب فوزه بمنصب الرئيس، استطاع أن يحظى بالدعم الغربي، فأصبح هناك شعور حذر بالتفاؤل عم أوساط الصحافة البريطانية والأمريكية التي ترجمت فوز "روحاني" على أنه نقطة تحول محتملة فيما يتصل بالسياسة الخارجية الإيرانية وتحديدًا البرنامج النووي الإيراني، كما تم النظر إليه على أنه بارقة أمل محتملة، حيث تم تصويره على أنه الشخصية "المعتدلة" التي يمكن للغرب أن يتعاون معها لتحقيق هدفين مرتبطين ببعضهما البعض، وهما منع إيران من تطوير أسلحة نووية، وفي الوقت ذاته عدم الدخول في صراع مسلح مع إيران، لا سيما وأنه تعهد بوضوح بتسوية العلاقات مع القوى الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، كما وعد بإصلاح علاقات إيران بجوارها العربي، التي زادت سوءًا منذ اشتراك إيران العلني في الصراع الداخلي بسوريا من خلال قوات الحرس الثوري و"حزب الله" اللبناني الموالي لها.
هذا إلى جانب سجله السابق كمفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني في الفترة من 2003- إلى 2005، والذي أدى لموافقة إيران على وقف تخصيب اليورانيوم، ونجح في تجنيب إيران أية عقوبات خلال تلك الفترة.
غير أنه على الرغم من هذه الإشارات الإيجابية، يظل هناك عدد من الوقائع التي تحد حتى من هذا التفاؤل الحذر، وهذا ما أشارت إليه افتتاحية صحيفة الجارديان في 23/6/2013 من أنه يتعين على الدول الغربية التعامل بحرص وإقامة علاقات أكثر دقة مع النظام الإيراني الجديد الذى يترأسه الدكتور "حسن روحاني"، منوهة أن انتخابه طرح كثيرًا من الأسئلة بين شعوب العالم وقليلاً من الأجوبة؛ حيث تنبع هذه الأسئلة من رد الفعل على انتخابات عام 2009 التي فاز بها "أحمدي نجاد" عندما أحاطت نتائجها بظلال من الشك. فرغم دبلوماسية "روحاني" وسجله السابق الإشارة إليه، فإن ذلك لا يلغي الوجه الآخر له، فليس بوسع أحد أن يشكك في ماضيه الثوري، فقد كان عضوًا نشطًا في المعارضة التي أطاحت بالشاه عام 1979، كما لا يزال عضوًا في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس الخبراء، والأخيران مجلسان استشاريان نافذان، ومع تشكيل المجلس الأعلى للأمن القومي شغل "روحاني" منصب ممثل قائد الثورة الإسلامية فيه، ثم أصبح أمين المجلس مدة 16 عامًا بين 1989 و 2005 .
كما أن النظام الإيراني نفسه ومن في قبضته السلطة الحقيقية يمثل أحد أهم هذه الوقائع، فبالنظر إلى منصب الرئيس داخل هيكل النظام الإيراني والصلاحيات التي يكفلها له الدستور، يلاحظ أن السلطة التنفيذية التي يتولاها الرئيس تعد في النهاية أداة لتنفيذ السياسات التي يضعها المرشد الأعلى للجمهورية، وخصوصًا تجاه القضايا الأكثر أهمية مثل الملف النووي الذي يقع في مركز اختصاصات المرشد؛ فليس هناك مفر من أن المرشد الأعلى آية الله "علي خامنئي" سيظل "القائد المطلق" للسياسة النووية الإيرانية.
وفي هذا الإطار أعرب "إيان بلاك"، محرر صحيفة الجارديان لمنطقة الشرق الأوسط، عن هذه المشاعر في افتتاحية بتاريخ 16/6 جاءت تحت عنوان "انتخاب حسن روحاني كرئيس إيراني قُوبلت بتفاؤل حذر"؛ حيث علق "بلاك" على كيف أن "الآمال التي كان يكنها الغرب بغية تحسين العلاقات مع طهران قد تضاءلت في ظل التفهم بأن "علي خامنئي" لا يزال أقوى شخصية في البلاد، وبتسليط "بلاك" الضوء على هذه الفكرة، "فإن نظام الحكم الإيراني المختلط، سيجعل السلطة الحقيقية في نهاية المطاف في يد "خامنئي"، وليس لدى الرؤساء المنتخبين أي حرية في تغيير مسار القضايا الأمنية والدفاعية والسياسة الخارجية الأخرى".
وتابع "بلاك" تلك الحقيقة أدركها رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، الذي قام بتحليل انتصار "روحاني" ومدى التفاؤل الحذر المحيط به؛ حيث سارع إلى تحذير المجتمع الدولي بأنه "لا يجب الاستسلام لأية تمنيات وإغراءات من أجل تخفيف الضغط على إيران ووقف برنامجها النووي"، ولعل ذلك نابع من أن "نتنياهو" رغم التعليقات التي أدلى بها "روحاني" في أول خطاب شعبي له منذ الإعلان عن نجاحه الانتخابي، لم يجد شيئًا يقوض حقيقة أن إيران، تحت قيادة "خامنئي"، تنطلق نحو القدرة على إنتاج الأسلحة النووية بالسرعة القصوى - وهو "الخط الأحمر" الذي أصر "نتنياهو" أنه في حال توصلت إيران إلى هذا المستوى، فإن هذا الأمر من شأنه أن يستفز إسرائيل للاشتباك عسكريٌّا مع إيران.
وهنا يوضح "أليستير دوبر"، مراسل صحيفة الاندبندنت بالقدس، في مقال له يوم 17/6، أن الرئيس المنتخب "حسن روحاني" قال إنه "لن يطرأ أي تغيير على تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي الإيراني"، بل تعهد بمواصلة بلاده العمل على تخصيب اليورانيوم، مدينًا نظام العقوبات القاسية "غير العادلة"، ومع ذلك تعهد بزيادة مستوى الشفافية بشأن البرنامج النووي، وأصر على أهمية المفاوضات من أجل حل النزاعات بين إيران والمجتمع الدولي ككل، وهو ما جعل المتشككون يشيرون إلى مهمة "روحاني" السابقة باعتباره المفاوض النووي الإيراني في ظل ما يسمى بأساليب المماطلة الإيرانية.
وهكذا من الواضح أن وجهة نظر الغرب تجاه احتمالات تغير السياسة الخارجية الإيرانية بعد انتخاب "روحاني" ترى أن إيران تريد أن تظهر من وراء نجاح "روحاني" في الانتخابات أنها تسترضي منتقديها الدوليين عبر إعلانها دعم المفاوضات، وفي الوقت ذاته تضغط من أجل المضي قدمًا نحو تطوير الأسلحة النووية، وذلك من خلال واجهة "معتدلة" ستعمل على ضمان تمدد دور إيران في الإقليم خلال الفترة المقبلة، عبر أدوات جديدة، تقوم على الدبلوماسية الهادئة، والحوار مع الدول المهمة في الإقليم والعالم، كما ترى أن قدرة "روحاني" على إحداث تحول استراتيجي في السياسة الخارجية لإيران مرتبطة بمدى رغبة المرشد في ذلك خلال الفترة المقبلة؛ إذ يبدو أن وجود مناخ دولي وإقليمي مرحب حتى الآن بفوزه غير كافٍ؛ حيث سيظل قرار المرشد هو الفيصل، بحيث يتبقى للرئيس الجديد مساحة لإدارة السياسة الخارجية بأدوات أكثر تنوعًا من ذي قبل، دون قدرة على التحكم في السلوك الخارجي للحرس الثوري، وبالتالي من الصعب تصور أي تغيير جذري في نهج السياسة الخارجية الإيرانية على الأقل في المستقبل القريب.






