27-05-2013
سيناريوهات جبهة الجولان في خضم التوترات على الحدود السورية - الاسرائيلية
واشنطن -
من محمد دلبح - تفتح التهديدات الإسرائيلية بقصف مواقع عسكرية سورية وغيرها من المواقع بعد شن طائراتها الحربية غارتان جويتان في وقت سابق من الشهر الجاري على موقع قيل إنه لصواريخ فاتح 110 قرب دمشق، تفتح باب التكهنات بأن إسرائيل تهيئ لخوض حرب إقليمية جديدة تستند إلى تأييد الولايات المتحدة التي أعلنت عقب الغارتين الإسرائيليتين دعمها لما سمته "حق إسرائيل في حماية أمنها" في وقت ينخرط النظام السوري بقواته العسكرية في حرب داخلية مع الجماعات المسلحة على كافة مساحة سوريا الجغرافية. ومما يعزز هذه التكهنات إعلان الرئيس السوري بشار الأسد عن فتح جبهة الجولان امام المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وقد لجأت إسرائيل إلى دق طبول الحرب عبر الإعلان عن اجراء مناورات داخلية مكثفة لتعزيز جهوزية اجهزة الطواريء المختلفة ونشر قوات اضافية على الحدود الشمالية، يرافقها ضغوط المستوطنين في المستعمرات الشمالية للتخفيف من هواجسهم الأمنية. المناورات التي تجري بدءا من يوم الأحد وتمتد لاسبوع كامل، هي احد اركان مناورات الطواريء التي تجري سنويا بثبات طوال السنوات الست الماضية، لسد الثغرات اللوجستية التي كشفتها حرب تموز لعام 2006.
وقد عبر وزير الجبهة الداخلية الإسرائيلي غلعاد اردان عن المخاوف بالقول "لم يعد السؤال قائما فيما ان كانت ستطلق صواريخ على المناطق الاسرائيلية السكنية الرئيسة، بل متى ستبدأ،" في مسعى لادخال بعض الطمأنينة لسكان المستعمرات القلقين لإمكانية سقوط آلاف الصواريخ والقذائف التي هددت سوريا وحزب الله بأنها ستستهدف المنشآت الاستراتيجية عامة، مصدرها الجبهتين الشمالية والجنوبية.
ويرى مركز الدراسات العربية والأميركية في واشنطن في تقرير تحليلي أن وسائل الاعلام الاسرائيلية مهدت لمناورات وحث الجميع الالتزام الصارم بالتعليمات والارشادات والتعاون التام لا سيما في الانسحاب لمواقع مغايرة افضل أمنا؛ وتلعب وسائل التقنية المتطورة دورا بارزا في الاداء اللوجستي بمعاونة وزارة التربية التي استحدثت استمارة تستجوب الطلبة ان كانوا واهاليهم قد دخلوا الملاجيء المخصصة.
وستكون المناورة الشاملة الاولى التي سيتم اختبار نظام الانذار المبكر فيها بصورة كاملة، فضلا عن صفارات الانذار، وسيتلقى سكان المستعمرات تنبيهات متواصلة عبر وسائل الاتصالات المختلفة والتي تشمل الهواتف النقالة ووسائل التواصل الاجتماعية والنشرات المتلفزة.
واشار المركز إلى أن الخطاب السياسي السوري تغير نحو التشبث بالحقوق واستردادها، كما جاء في تصريحات وزير الاعلام السوري عمران الزعبي بأن الرد السوري على الاعتداءات الاسرائيلية سيكون باسترداد هضبة الجولان المحتلة سيما وانها "كانت ولا تزال ارضا عربية سورية.. ويتعين على اسرائيل الادراك انه لم يعد بوسعها الدخول في نزهة فوق الاجواء السورية اذ ان الارض والاجواء السورية لن تكون نزهة لأحد".
كما حذرت القيادات الاسرائيلية على مختلف مواقعها من عدم أخذ التحذيرات السورية على محمل عالٍ من الجدية، ليس آخرها وزيرة العدل تسيبي ليفني. فيما شرع سكان المستعمرات الشمالية في اعادة تأهيل الملاجيء وتحديث خطط الطواريء، خاصة تلك التي لا تبعد سوى بضع مئات من الامتار من خطوط الهدنة مع سورية.
كما شهدت التدريبات العسكرية لقوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان تطويرات في اساليبها التقليدية لتشمل مواجهة قوات غير نظامية مسلحة بمعدات مضادة للدروع، اوجزها رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، افيف كوخافي، في "مؤتمر هرتسيليا" الدوري ان وحداته تجهز نفسها لمواجهة محتملة مع حزب الله في لبنان، مع الاشارة الى ان التدريبات المتخصصة المشار اليها قد تكون مقصورة على الوحدات المواجهة للقوات السورية.
ويقول المركز إن سوريا واجهت ارتفاع منسوب التوترات الاقليمية الذي ينطوي على عدة مسببات، على رأسها الغارات الجوية الاسرائيلية ضد سورية الثلاثة منذ شهر كانون الثاني الماضي والتي كان من شأنها مفاقمة التوترات الاقليمية، واجهتها بتهديدات مماثلة بإطلاق صواريخ بعيدة المدى على اسرائيل، مع تأكيد المسؤولين الروس على الوفاء بتنفيذ كافة اتفاقيات مبيعات الأسلحة إلى سوريا والتي تشمل صواريخ اس300 طويلة المدى، ليضاعف وتيرة التوتر، مما دفع قائد سلاح الجو الاسرائيلي، امير ايشيل، الى اطلاق صفارات التحذير من ان "اندلاع حرب بشكل مفاجيء مرشح الحدوث عبر عدد من السيناريوهات الراهنة.. ومن شأن اشعال احداث غير مترابطة تصعيد الأمر بشكل سريع".
وتفيد المعلومات الميدانية أن سوريا قامت باعادة توزيع قوات كبيرة لها من جبهة الجولان التي وصفها مسؤولون غربيون بانها "الاشد أهمية خلال 40 عاما، ليلحق بضعة آلاف من الجنود على الاقل الى جبهات المواجهة بالقرب من دمشق في الاسابيع الاخيرة".
سيناريوهات جبهة الجولان
ويرى المركز في تقريره التحليلي أن مستقبل تواجد قوات حفظ السلام التابعة الامم المتحدة في هضبة الجولان له فعل مؤشر هام على مسار الحرب المقبلة، سيما وان قوات الفصل الدولية (الاوندوف) المؤلفة من نحو 1200 عنصر لا يزال نطاق عملها قائما بمراقبة وقف اطلاق النار على الهضبة السورية منذ العام 1974، فيما تداعيات الازمة السورية ترخي ظلالها على مستقبل مهمة هذه القوات، التي تعرضت للمرة الثانية لاختطاف بعض افرادها من القوات الفيليبينية على ايدي المتمردين السوريين؛ واطلق سراحهم لاحقا لكن الحكومة الفليبينية اعربت عن نيتها لسحب الوحدة وعودتها الى بلادها.
وأكثر ما تخشاه اسرائيل ان يؤدي انسحاب قوات الامم المتحدة، او بعض وحداتها، الى عدم استقرار الاوضاع السياسية السائدة في هضبة الجولان، اسوة بالحدود المشتركة مع لبنان. الامر الذي يرجح من احتمالات قيامها بعمل عسكري.
غير أن عددا قليلا من المعنيين الإسرائيليين يخففون من وطأة وجدية التهديدات السورية، سيما الواردة على لسان وزير الاعلام السوري باطلاق قذائف صاروخية على مراكز التجمعات السكانية، بانها لا تعدو عاصفة صيف سرعان ما تتبدد. اما الحقائق والتدابير المتخذه تشير إلى غير ذلك، في ضوء تصريحات متتالية لمن هم في قمة هرم القيادات العسكرية بأن "المستوطنين سيواجهون تحديات غير مسبوقة".
وما يعزز تنامي التوتر في الاتجاهين جاء عبر تصريحات متكررة لرئيس هيئة قيادة الاركان، بيني غانتز، حذر فيها سوريا من انه "لا يستطيع ولن يسمح لمرتفعات الجولان التحول الى منطقة مريحة للأسد".
كما اشار قائد قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي يائير غولان، بوضوح الى نيته التدخل بغية انشاء منطقة عازلة في الجولان. وقال ان "احد التدابير التي ليس بوسعنا التغاضي عنها يكمن في انشاء منطقة عازلة دفاعية على الجانب الآخر" من خط وقف اطلاق النار، على غرار المنطقة العازلة سابقا في الجنوب اللبناني، موضحا ان اقامتها سيتم "عبر طرف سوري محاور ممن تتوفر لديه النية للتعاون معنا ضد العناصر الاخرى التي تشكل تهديدا لهم ايضا". وقفز غولان عن الخسائر البشرية العالية التي تكبدتها "اسرائيل" في اعتداءاتها على لبنان وخسارتها مراهنتها على توفير الاستقرار عبر تلك السياسة التي ادت الى انكفائها عن جنوب لبنان.
ويلخص الخبراء العسكريون في الجانبين استراتيجية المواجهة بان الجانب الاسرائيلي سيعتمد على سلاح الجو بشكل مكثف، والجانب السوري سيستند الى حرب استنزاف عمادها اطلاق الصواريخ بكثافة مما يستلزم الرد المضاد يؤدي الى استدراج واستنزاف القوات المعادية، وربما توسيع رقعة الاشتباك التي قد تخرج عن سيطرة الطرفين عن الحد من نطاقها. كما من شأن اي توغل "اسرائيلي" في الاراضي السورية، كما تعود سابقا في لبنان، لن يكون نزهة وسيترتب عليه مخاطر هائلة للطرفين، وسيؤدي الى استنهاض الحمية الوطنية السورية للدفاع عن الوطن، وربما تقويض حدة الازمة الداخلية وتوحيد بعض القوى المتضادة سابقا للرد على الاعتداء. كما لا ينبغي اهمال الضغط الشعبي الهائل المتوقع في كل من الاردن ومصر ومطالبته بالغاء الاتفاقيات المبرمة مع "اسرائيل،" والتي بدورها ستواجه مزيد من العزلة الدولية كطرف معتدي.
في السياق ذاته من المسلم به ان اسرائيل لن تقدم على عمل عدواني ضد سورية دون الحصول على مباركة او موافقة اميركية، سيما وان ادارة الرئيس الأميركي باراك اوباما بدأت تترنح من وطأة الفضائح السياسية التي تلاحقها داخليا، وقد تنظر لايجاد مخرج لحرف الانظار عن أزماتها الداخلية بالتوجه نحو ساحة خارجية. الامر الذي تجد تجلياته في السياسات الاميركية، لا سيما في حرب تشرين لعام 1973 حين وضع الرئيس المحاصر ريتشارد نيكسون القوات الاميركية على درجة عالية من التهيؤ والاستعداد لمواجهة تحركات الاتحاد السوفياتي، كما قيل، لصرف الانظار عن فضيحة ووترغيت التي باتت تطوقه من كل جانب.
بعض المصادر الاستخباراتية الاميركية تشير الى "انشاء حزب الله مراكز للتدريب على حرب العصابات بالقرب من العاصمة السورية دمشق مهمتها استهداف الشق الاسرائيلي من هضبة الجولان". واوضحت اسبوعية "دبليو ان دي بوليتيكس" الاميركية ان معسكرات التدريب "تضم مجموعات فلسطينية واخرى من القوات الخاصة السورية تنتظر الضوء الاخضر من الرئيس بشار لتنفيذ مهامها في القريب العاجل".






