البروفيسور رشيد الخالدي عن جهود كيري لتنشيط عملية السلام: تكرار لنهج فاشل شاهدناه من قبل

1
1558
هدم بيوت الفلسطينيين تحت الاحتلال الاسرائيلي مستمر
هدم بيوت الفلسطينيين تحت الاحتلال الاسرائيلي مستمر

واشنطن – القدس – نشرت مجلة "فورين بوليسي" الاميركية على موقعها الاخباري مقالاً للبروفيسور الفلسطيني-الاميركي رشيد الخالدي استاذ الدراسات العربية في جامعة كولومبيا يعلق فيه على جولات وزير الخارجية الاميركي جون كيري المكوكية في الشرق الاوسط محاولاً تنشيط "عملية السلام" بين الفلسطينيين واسرائيل. وجعل البروفيسور الخالدي مقاله تحت عنوان "ما حدث من قبل يتكرر مرة اخرى"، وهنا نصه:

"لا يملك المرء وهو يراقب جهود وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري لاعادة تنشيط المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين الا ان يشعر انه يشاهد تكرار شيء حدث من قبل. ودشن كيري الذي زار اسرائيل والاراضي الفلسطينية الاسبوع الماضي مبادرة لتحسين الاحوال الاقتصادية للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد تعتبر هذه الخطة مبتكرة لولا ان خطة لـ"تحسين نوعية حياة الفلسطينيين" – وهو ما يعني عملياً تحسين احوال رعايا اسرائيل الفلسطينيين بينما يجري تجاهل اخضاعهم – قد اطلقها في 1983 وزير الخارجية (الاميركي آنذاك) جورج شولتز. وفي العقود التي مرت منذ ذلك الحين، ساءت "نوعية حياة" الفلسطينيين الى حد كبير.

وبالمثل، ثمة انباء تقول ان كيري يستعرض خطة سلام عربية من شأنها ان تعيد توكيد حدود 1967 كأساس لتسوية. وكان قد قدم نفس هذه الخطة في الاصل ولي عهد المملكة العربية السعودية آنذاك الامير عبد الله في مؤتمر القمة العربية في 2002، وتم تأكيدها مرة اخرى في 2007، وقوبلت في المرتين كلتيهما بعدم اكتراث من جانب اسرائيل والولايات المتحدة. ولم تكن المبادىء الجوهرية في المبادرة الاصلية مبتكرة: اذ كررت ببساطة بنود قرار مجلس الامن الدولي 242 الصادر في 1967. وكما حدث لخطط سابقة مطابقة تقريباً، تجاهلت الحكومة الاسرائيلية الخطة، مع انها تتضمن اشارة صريحة الى امكانية اجراء "مبادلات" للاراضي، وهو امر طالما اصرت عليه اسرائيل.

واخيراً، هناك مرة اخرى تمتمات عن مبادرة جديدة من الولايات المتحدة لاعادة بدء المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وبعد اكثر من عقدين من الزمن على محادثات فاشلة برعاية الولايات المتحدة على اساس نموذج مدريد-اوسلو، فان هذا الاقتراح بعيد هو الآخر عن كونه مبتكراً.

ما الذي يمكن ان يجعل تكرار تلك المقاربات الفاشلة قادراً على ان يعكس اتجاه التصلب المضطرد لمشروع اسرائيل الاستيطاني واحتلالها منذ 46 عاماً للضفة الغربية، والقدس الشرقية وقطاع غزة مع انها فشلت في عمل ذلك في الماضي؟ لقد جادلتُ في الواقع في كتابي "وسطاء الخداع" ان هذه العاقبة ناتجة الى حد كبير من هذه المقاربات الاميركية: ذلك ان الولايات المتحدة فعلت، عن طريق الدعم الثابت لاسرائيل، الشيء الكثير لتوطيد الاحتلال الاسرائيلي، ومشروعها (اسرائيل) الاستيطاني، وانكارها المستمر للحقوق الفلسطينية. ان هذا العمى الارادي عن دروس الماضي يمكن تفسيره برعب صانعي الولايات المتحدة من الخروج عن نطاق ضيق من الافكار الفاترة التي من المضمون انها لن تثير سخط الحكومة الاسرائيلية وانصارها المرتفعي الاصوات في الولايات المتحدة.

اذا كان الهدف هو تغيير الوضع الحاضر، بدلاً من تكريسه، فسيكون من الضروري اتباع مقاربة مختلفة جذرياً من جانب الولايات المتحدة وجهات اخرى.

اولاً، يجب ان يكون هناك استعداد لدى الولايات المتحدة للنظر في آراء لاعبين آخرين ذوي وزن وقيمة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، من اوروبا وروسيا والصين، والهند وتركيا، اضافة الى بلدان ابعد مسافةً مثل البرازيل وجنوب افريقيا. فبعد خمسة وثلاثين عاماً من الجهود الفاشلة للتوسط في تسوية اسرائيلية-فلسطينية، يعود عهدها الى اتفاقات كامب ديفيد في 1978، فان الولايات المتحدة ليست في مركز يؤهلها للاصرار على احتكار صنع السلام، او الادعاء انها الطرف الوحيد المؤهل لتقديم اقتراحات بناءة. بل ان الصلة الوثيقة المفروضة بين المواقف الاميركية والاسرائيلية من جميع القضايا الجوهرية المتعلقة بفلسطين (التي وردت اصلاً في تعهد سري في 1975 من الرئيس جيرالد فورد الى رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحاق رابين) يجعل الولايات المتحدة غير مؤهلة للعمل كوسيط في القضية.

ثانياً، جميع المعنيين، بما في ذلك الولايات المتحدة، يجب ان يصروا على ان يستند اي حل على مبادىء اولية مثل القانون الدولي، ومعاهدات جنيف، وقرارات الامم المتحدة، والمفاهيم الاساسية للمساواة والحقوق الانسانية، والوطنية والسياسية المتكافئة للجميع. وهذا ضروري سواء كان هذا ساراً او غير سار لاسرائيل والمصفقون المستأجرون لها في الكونغرس ووسائل الاعلام. ولا يمكن ان تنتج تسوية عادلة وقابلة للدوام عن اطر محرفة اصلاً وملفقة بصورة رئيسية لتلبية الرغبات الاسرائيلية مثل صيغتي مدريد واوسلو، وذريتهما المشوهة باكملها. والواقع ان هاتين الصيغتين بالذات انتجتا الوضع الفظيع الذي يزداد سوءاً يومياً في فلسطين. وهذا هو بالضبط ما اراد مناحيم بيغن والآخرون الذين الهموه ان تفعله خطط مثل اوسلو، قائمة على اساس "حكم ذاتي للسكان وليس للارض"، وعلى اساس "فترة انتقالية" استمرت لاكثر من عقد ونصف عقد من الزمن. انها لا يمكن ان تنتج اي شيء آخر. وبعد مرور عقدين، بات من غير المنطقي افتراض ان عملية اوسلو يمكن ان تقود الى اي شيء سوى المزيد من تجريد الفلسطينيين (من ممتلكاتهم) على ايدي حكامهم الاسرائيليين.

ثالثاً، اياً تكن التطلعات المفترضة للقادة الاميركيين، فانه في ما يتعلق بفلسطين اظهر النظام السياسي الاميركي سكوناً متصلباً. وهذه حقيقة رغم التململ نحو التغيير على مستوى القاعدة، وجيل الشباب، وجامعات كثيرة وكنائس عديدة، بل وفي بعض دوائر الاعلام الرئيسية. والى ان يأتي ذلك اليوم الذي تتحول فيه هذه التحركات الى قواعد سياسية ثابتة تُجبر السياسيين ووسائل الاعلام على ان تفتح اعينها لتراها، فان الامر يعود اساسا الى اخرين ليتخذوا الخطوة الاولى اذا كان الهدف تغيير الاوضاع. وهؤلاء الاخرون يشملون المجتمع الدولي والدول العربية والفلسطينيين أنفسهم.

اذا واصل المسؤولون الاميركيون الاصرار على احتكار مسيرة جعلوها هم انفسهم عقيمة وعديمة الفائدة، ولم يسمحوا لاخرين القيام بدور بناء، فان على بقية العالم ان يقود المسيرة. ذلك ان الشرق الاوسط اهم من حيث الاستقرار الاقليمي وتدفق الهجرة الى الدول المحيطة به، او الى دول تعتمد على المنطقة في تلبية حاجتها من الطاقة، من ان يترك لقيادة واشنطن العقيمة التي ظلت لاجيال مشلولة تماما بشأن هذه القضية. ثم ان مما يستحق ان نتذكره ان المجتمع الدولي الذي تمثله هيئة الامم المتحدة، رفض باستخفاف التعامل مع العواقب المحتومة لقراراته بشأن فلسطين في العامين 1947 و1948 – تلك العواقب التي كان من بينها طرد معظم سكان البلاد الاصليين لخلق امكانية لايجاد دولة يهودية في بلد غالبية سكانه بنسبة الثلثين من العرب. لقد ساعد بذلك على ايجاد الوضع المأساوي الحالي. لذا فان الامر لا يتعلق بالمصالح الحيوية لاعداد من الدول فحسب، وانمابالوزن الاخلاقي لمسؤولية دولية تاريخية ثقيلة كان من الواجب ان تدفعهم للقيام بدور لايجاد حل لها.

ان معظم الدول العربية لم يُكمل انجاز نظام ديمقراطي مستقر وفعال بيسر يؤدي الى ان تعكس سياساته الخارجية الرغبة القوية لدى شعوبها لتحقيق العدالة للفلسطينيين. ومع ذلك فان بامكان هذه الدول الاعلان صراحة عن مواقفها المتأصلة في الدعم الشعبي العربي لحقوق الفلسطينيين، بدلا من محاولة تملق واشنطن. ولا بد لهذه الصراحة ان تظهر ليس في اللقاءات الدبلوماسية الخاصة مع صانعي السياسة الاميركيين فحسب، ولكن باعتبارها جزءا من جهد متواصل لمخاطبة الشعب الاميركي ووسائل الاعلام فيه بصورة مباشرة، تماما مثلما تفعل الدبلوماسية الاسرائيلية بمهارة ومن دون هوادة يوما بعد يوم.

لو كانت الحكومات العربية ملتزمة حقا بالسعي وراء حل عادل ودائم للمسألة الفلسطينية، لكانت قد بذلت منذ مدة طويلة مجهوداً اكبر في هذا الشأن، وعلى جبهات اخرى كثيرة. وبعد التهاب الجراح لاكثر من ستة عقود، اضحت المشكلة الفلسطينية اكثر من مجرد بيان في لقاء قمة عربي منعزل، او زيارة عشوائية يقوم بها وزير خارجية واحد او رئيس دولة واحد. ان بوسع هذه الدول ان تبذل اليوم جهوداً فعالة لشرح بعض الوقائع الاساسية للوضع في فلسطين امام الرأي العام الاميركي والدولي، اذا كانت مستعدة للعمل بتنسيق وتركيز كجزء من جهود تتواصل على مدى اشهر عديدة وسنوات.

كما ان بامكان الدول العربية ايضا التنسيق بفاعلية مع الناشطين الدوليين الذين لديهم مصالح واسعة في استقرار منطقة الشرق الاوسط ومصادر الطاقة الاقليمية. وهناك حاجة ماسة مشتركة في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية يمكن الافادة منها بحملة دبلوماسية مركزة. واذا لم تشق هذه الامور طريقها الى الوجود الان، فانه لن يكون هناك اي كان في الولايات المتحدة الذي ينظر بجدية الى بيانات الحكومة العربية بالتزامها لحل القضية الفلسطينية.

ما يجب على الفلسطينيين انفسهم ان يفعلوه هو أكثر مركزية بالنسبة الى انجاح هذه القضية. اذ عليهم ان يجدوا وسائل للتغلب على تأثير الانقسامات التي فرضت عليهم وتلك التي سببوها هم لانفسهم. الاولى تشتمل على الفصل بين الغالبية الفلسطينية التي تعيش خارج فلسطين التاريخية من ناحية واولئك الذين يعيشون داخلها، اضافة الى المعيشة داخلها في كانتونات باعتبارهم مواطنين فلسطينيين في اسرائيل او مقدسيين او من سكان الضفة الغربية او قطاع غزة، مع مستويات متصاعدة من الحرمان من الحقوق بالنسبة الى كل فئة.

اما الانقسامات التي سببوها لانفسهم فشتمل على التفسخ المرهق بين "فتح" و"حماس"، الذي ضاعف من الام الفصل الجغرافي الحالي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد اوجد ايضا منهجين منفصلين للسلطة الفلسطينية، التي كان يفترض أصلا وفق الدعوة لمؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 ان تشكل هيئة موقتة للوحدة بينهما بحلول العام 1997. ولكن ليس لاي من هاتين الهيئتين الفلسطينيتين السلطة التامة او الحكم النهائي، فيما ظل الجانبان يخضعان للسلطة الامنية الاسرائيلية بالكامل، وهي الكيان الحاكم في كل اراضي الانتداب الفلسطيني السابق، من البحر الابيض الى نهر الاردن.

كما انه ليس لدى الفصائل الفلسطينية الرئيسية اي استراتيجية لنيل الحقوق الفلسطينية، وتدعو الحاجة الماسة الى ايجاد هذه الاستراتيجية، والى اعادة الحياة الى الحركة الوطنية الفلسطينية المحتضرة. وليس هناك من دولة او هيئة دولية او قدرة الهية يمكنها ان تعمل بالنيابة عن الفلسطينيين اذا كانوا غير قادرين على القيام بالامر بانفسهم. وهذا الامر يتطلب قرارات صعبة، والتغلب على التدخل الخارجي الذين يهدف الى ابقاء الحال على ما هو عليه.

ومن هذه الخيارات تلك المتعلقة بكيفية التعامل مع السلطة الفلسطينية، التي اصبحت وسيلة لكبت الحيوية وروح المقاومة لدى الفلسطينيين تحت الاحتلال، اذ انها توفر لآلاف منهم وظائف بشرط ان يكونوا قيمين على انفسهم. ومن الناحية العملية فان هذا يعني الامتناع عن مقاومة الاحتلال وحماية توسيع المشاريع الاستيطانية الاسرائيلية، وهو الهدف من وراء تشكيل السلطة الفلسطينية في الاصل (في اعين المسؤولين الاسرائيليين المعنيين). وفي الضفة الغربية يجري هذا العمل بتنسيق مباشر مع اسرائيل والولايات المتحدة. اما في قطاع غزة، فان بعض هذه الاهداف يتحقق، ولكن بصورة اكثر كتمانا ومن دون تعاون علني، وباحتكاك دموي متكرر. وفوق هذا كله، فان السلطة الفلسطينية توفر الوهم القائل بامكان بناء اسس دولة واقتصاد مستقبلي تحت الاحتلال. وبعد عقدين من خيبة الامل المريرة في "مسيرة السلام"، تحرر معظم الفلسطينيين، وللاسف ليس كل قادتهم، من هذه الاحلام الخادعة.

ومن خلال منهج جديد قد يبدو ثقيل الوطأة في واشنطن حيث تستمر السياسات المفلسة المتفق عليها من دون نهاية رغم الفشل المتكرر، فان انجازا راديكاليا هو الوحيد الذي يمكن ان يغير من الوضع الحالي البشع في فلسطين ويجعل السلام ممكنا بين الفلسطينيين والاسرائيليين".

1558
1

التعليقات على: البروفيسور رشيد الخالدي عن جهود كيري لتنشيط عملية السلام: تكرار لنهج فاشل شاهدناه من قبل

التحقق من المعقّب
زائرنا الكريم، نرجوا أن تكتب الرموز داخل الصورة أدناه كي يتم قبول تعقيبك، هذا الإمتحان مخصص لمنع تعقيبات السبام لا أكثر. ملاحظة: مستخدموا موقع القدس لا يخضعون لهذا الإجراء، عليك بالتسجيل كي تتجنبه أنت أيضاً.

التعليقات

صورة م.رياض القزقي

لم يدرك السيد الخالدي ان حماية ورعاية المصالح الامريكيه في المنطقه تحتم على أمريكا الابقاء على خيوط اللعبه في يدها ولن تسمح لاحد الامساك باي من هذه الخيوط فالمصالح الامريكيه في هذه المنطقه الحساسه من العالم لها أولويه خاصه وهي فوق كل الاعتبارات وهي ترى أن الامور بشكل عام تسير في مصلحتها وهي غير معنيه بأحد في هذا العالم سوى مصالحا فهي تعمل بنفس طويل وهي غير مكترثه لاي شيء سوى حماية كيان دولة اسرائيل لان المصالح العسكريه في وجود دولة اسرائيل توفر على الاداره الامريكيه سنويا مئات المليارات من الدولارات في رعاية مصالحها وتسهيل التواجد العسكري لها والحفاظ على التوازن الاقليمي الذي يجعل الحلفاء والمصالح الامريكيه بعيدا عن أي خطر أو تهديد فدولة اسرائيل هي راس الحربه والجسر للتواجد الامريكي الامن في المنطقه فلماذا تغامر أمريكا بكل هذا ولعيون من تريد منها التنازل عن كل هذه الامتيازات وهي لاتقدس الا نفسها وأنا أختلف مع الاستاذ الخالدي في أن أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد في رسم السياسه في المنطقه بل لو كان هناك امكانيه في التدخل لاي قوى عالميه أخرى لانتزعت زمام المبادره من أمريكا انتزاعا ولكن هذه القوى العالميه أحط وأجبن من أن تقول كلمه تعكر فيها صفو العلاقات مع أمريكا وكذلك أختلف مع الاستاذ الخالدي في قوله بتكرار النهج الفاشل وهو اقتباس من كلام وتصريحات أخيره لكيري فهي تعلم علم اليقين أن النهج المتبع لن يفضي الى حلول وهي لاتريد ايجاد حل وانما الحفاظ على هذا الجمود والتظاهر بين الحين والاخر بوجود مساعي لايجاد حل وذلك لاهداف أنيه أو انتخابيه تتعلق بالوضع الداخلي الامريكي تاره والوضع الاسرائيلي تاره اخرى